نظارات «إتش تي سي فايف»: نقلة نوعية مع عالم الترفيه

«الشرق الأوسط» تختبر أفضل نظام للواقع الافتراضي إلى الآن

تجارب ممتعة تزيد من انغماس اللاعبين - معارك فضائية في لعبة EVE: Valkyrie - نظام «إتش تي سي فايف»  للواقع الافتراضي
تجارب ممتعة تزيد من انغماس اللاعبين - معارك فضائية في لعبة EVE: Valkyrie - نظام «إتش تي سي فايف» للواقع الافتراضي
TT

نظارات «إتش تي سي فايف»: نقلة نوعية مع عالم الترفيه

تجارب ممتعة تزيد من انغماس اللاعبين - معارك فضائية في لعبة EVE: Valkyrie - نظام «إتش تي سي فايف»  للواقع الافتراضي
تجارب ممتعة تزيد من انغماس اللاعبين - معارك فضائية في لعبة EVE: Valkyrie - نظام «إتش تي سي فايف» للواقع الافتراضي

قليلة هي التجارب التقنية التي تشكل نقلة نوعية تامة، ويجب التمييز بين التقدم التقني على مراحل، وبين ثورة تقنية جديدة. وتعتبر تقنية الواقع الافتراضي Virtual Reality واحدة من تلك التقنيات الثورية التي يحتضنها العام الحالي بإطلاق كثير من النظارات التي توفر هذه التجربة على كثير من الأجهزة.
ومن أولى النظارات التي أطلقت مؤخرا نظارة «إتش تي سي فايف» HTC Vive التي تستخدم أدوات تحكم خاصة بها وكاميرات لمراقبة موقع تلك الأدوات ونظارة المستخدم والبيئة من حوله لإضافة المزيد من الانغماس إلى العالم الافتراضي.

تجربة شخصية

على الصعيد الشخصي، فاني أزاول الألعاب الإلكترونية منذ أكثر من 30 عاما، وهذه هي المرة الأولى التي أشعر بها بتغيير آلية التفاعل مع العالم الرقمي الترفيهي بعيدا عن الجلوس على أريكة، ومشاهدة التلفزيون والتفاعل من خلال أدوات تحكم لا تحاكي الواقع على الإطلاق. وفي هذا الواقع الرقمي الجديد، ستتحرك الكاميرا وفقا لاتجاه وسرعة تحرك رأس اللاعب، وبوسعه القفز في الهواء لتقفز الشخصية معه، أو ينحني لتقوم شخصيته بذلك، مع مشاهدة رسومات عالية الدقة وصوتيات محيطية تزيد من مستوى الانغماس لدرجة تخدع جميع حواس اللاعب، وحتى عقله.
ويعتبر نظام «إتش تي سي فايف» الأقوى في الأسواق حاليا، وهو متفوق بأشواط كبيرة على تقنية «نظارة غوغل» Google Cardboard و«سامسونغ غير في آر» Gear VR الخاصة بالهواتف الجوالة، وأعلى دقة من نظارة «بلاي ستيشن في آر» PSVR المقبلة التي اختبرتها «الشرق الأوسط» 3 مرات خلال مراحل تطويرها والتي ستطلق في الأسواق قبل نهاية العام، وأفضل من منافسه الرئيسي «أوكيلوس ريفت» Oculus Rift إلى الآن. واختبرت «الشرق الأوسط» النظارة ونذكر ملخص التجربة.

عملية الإعداد والتحضير

سيحصل اللاعب على النظارة وأداتي تحكم لاسلكيتين وكاميرتين لتتبع تحركات النظارة وأداتي التحكم في الهواء ومحاكاتها في العالم الافتراضي من خلال 72 نقطة مخفية للعين البشرية في النظارة وأداتي التحكم، بالإضافة إلى علبة صغيرة لربط النظارة بالكومبيوتر الشخصي. وتتطلب عملية الإعداد نحو 25 دقيقة، يجب خلالها تركيب الكاميرتين في زاويتين متقابلتين في الغرفة (واحدة في الزاوية اليمنى الأمامية والثانية في اليسرى الخلفية، مثلا) وذلك لضمان مسح الغرفة بالكامل وتوفير أعلى نسبة لدقة التتبع. وتتطلب كل كاميرا مصدرا للكهرباء، وهي تعمل بشكل لاسلكي مع بعضها بعضًا ومع أداتي التحكم والنظارة. ويمكن وصل الكاميرتين بسلك خاص مرفق في المرة الأولى لضمان ترابطهما مع بعضهما بعضًا ومن ثم إزالته. هذا، ويمكن تثبيت الكاميرتين في السقف أو على أي سطح، أو يمكن تركيبهما على منصة قياسية لحمل الكاميرات الرقمية Tripod يمكن اقتناؤها بشكل منفصل.
ويجب بعد هذه العملية وصل النظارة بالعلبة الصغيرة (عبر منفذي HDMI وUSB والطاقة الكهربائية من العلبة إلى النظارة) من جهة، ووصل العلبة بالكومبيوتر من الجهة الأخرى بالمنافذ المذكورة، مع وصلها بمصدر للطاقة الكهربائية من الجدار إلى العلبة. الخطوة ما قبل الأخيرة هي تحميل برمجيات التعريف والتثبيت من موقع الشركة www.htcvive.com / download ومتابعة عملية التثبيت السهلة. ويمكن للمستخدم اختيار اللعب جالسا أو واقفا في الغرفة، بحيث يجب تحديد أبعاد الغرفة وطول المستخدم. الخطوة الأخيرة هي تحميل برنامج متجر Steam store.steampowered.com لتحميل الألعاب الإلكترونية العادية والخاصة بتقنية الواقع الافتراضي من الإنترنت وشحن أداتي التحكم من خلال منفذ «مايكرو يو إس بي» القياسي في كل أداة. ونظرا لأن النظارة تستخدم منفذ HDMI في بطاقة الرسومات، فلن يستطيع المستخدم مشاهدة ما يجري في عالم اللعبة إلا بوصل شاشته بمنفذ آخر موجودة في بطاقة الرسومات الخاصة به، مثل DVI أو DisplayPort.
والسلك بين الخوذة والعلبة طويل جدا ويسمح للاعب بالتنقل بحرية من دون أن يكترث لوجوده وطوله، ومن السهل على من يرتدي النظارات الطبية ارتداء نظارة «إتش تي سي فايف» من دون إزالة نظاراته الطبية. ويمكن تعديل المسافة بين العدستين من خلال مؤشر جانبي، وذلك وفقًا للمسافة بين عيني كل مستخدم للحصول على الصورة المثالية. ويمكن وصل سماعات رأسية بمنفذ قياسي موجود في الخوذة، ولذلك لدعم تجربة الانغماس بإضافة الصوتيات الواقعية إليها.

متاجر رقمية متعددة

ويمكن للمستخدم تحميل برنامج متجر «أوكيلوس ريفت» www3.oculus.com / en - us / setup لتحميل الألعاب الإلكترونية الخاصة بنظارة «أوكيلوس ريفت»، ولكنه سيحتاج إلى استخدام أداة تحكم «إكس بوكس وان» متصلة بالكومبيوتر سلكيا للاستمتاع بتلك الألعاب. وكانت الشركة المطورة لـ«أوكيلوس» قد أعلنت في السابق أن ألعابها حصرية لنظارتها، لتقوم مجموعة من المبرمجين بفك تلك الحماية والسماح للاعبي «إتش تي سي فايف» الاستمتاع بتلك الألعاب (اسم البرنامج ReVive)، لتتراجع الشركة عن قرارها لاحقا وتعود وتفتح الباب أمام الجميع لتحميل الألعاب واللعب بها بغض النظر عن النظارة المستخدمة.
وبالحديث عن المتاجر الإلكترونية، فإن عدد الألعاب التي تدعم تقنية الواقع الافتراضي المتوافرة في متجر «أوكيلوس ريفت» هو 56 إلى لحظة كتابة هذا الموضوع، بينما وصل العدد إلى 396 لعبة تدعم تقنية الواقع الافتراضي في متجر «ستيم»، الأمر الذي يدل على ذكاء شركة «إتش تي سي» للشراكة مع شركة «فالف» صاحبة متجر «ستيم» المشهور. وتجدر الإشارة إلى وجود كثير من الألعاب المجانية، مع القدرة على تحميل مراحل تجريبية لبعض الألعاب المدفوعة، ولكن لوحظ عدم وجود ألعاب لكبرى شركات التطوير، حيث إن الغالبية الساحقة للألعاب الحالية هي لشركات مغمورة أو مبرمجين أفراد، ولكن التجارب التي يقدمونها مبتكرة وممتعة وتشمل الكثير من الفئات، مثل ألعاب القتال والمغامرات والرياضة والموسيقى والفضاء والرعب والرسم والمحاكاة والصيد وسباقات السيارات وتسلق الجبال وألعاب اختبار الواقع الافتراضي التي يشاهد فيها اللاعب المجريات أكثر من التفاعل واللعب.

تجارب مذهلة

لدى البدء بتشغيل الألعاب، سيشعر اللاعب بمستوى غير مسبوق من والواقعية والانغماس، ذلك أن النظارة تعرض الصورة مجسمة 3D وبدقة عالية تعتمد على بطاقة الرسومات وقدرات الكومبيوتر المستخدم. واختبرنا لعبة القطار الأفعواني NoLimits 2 Roller Coaster التي تضع المستخدم في تناقض مباشر مع حواسه، حيث إنه سيشاهد نفسه في القطار الذي يلتف ويتلوى في الهواء بسرعات عالية وفي بيئة واقعية ولكنه في الوقت نفسه يقف ثابتا أمام كومبيوتره، الأمر الذي قد يجعله يتأرجح قليلا في الهواء ويفقد توازنه هنا وهناك. وعلى الرغم من أن لعبة معارك الفضاء EVE: Valkyrie مبهرة ومذهلة لأقصى الحدود، فإن خيار التفاف المركبة حول نفسها وهي ساكنة يتسبب في دوران البيئة وليس المركبة، الأمر الذي قد يؤدي إلى شعور قليل بالغثيان، ولكن سرعان ما يعتاد اللاعب عليه بعد اللعب لفترة.
وبالنسبة لأداة التحكم، فهي متينة للغاية وتحتوي على قرص حساس للمس للتفاعل مع القوائم وهو قابل للضغط، مع توفير زر خلفي للتفاعل وأزرار جانبية، وزرين أماميين للقوائم وتشغيل الأداة. وتستخدم الألعاب المختلفة هذه الأزرار بطرق مبتكرة، بحيث يمكن الضغط على زر وتحريك الأداة إلى جهة محددة للسير في حال كانت غرفة المستخدم ضيقة ولا تسمح له بالسير، أو قد تحول بعض الألعاب الأداة إلى قوس ونشاب بحيث يمكن الشد إلى الخلف أثناء الضغط على الزر الخلفي وتركه لإطلاق السهم نحو الهدف المرغوب. العقبة الوحيدة التي سيواجهها اللاعب هي ظهور جدران ليزرية زرقاء تخبر المستخدم بأن أمامه جدارا حقيقيا يمنع تقدمه، وذلك لعدم اصطدامه بأي شيء أمامه (اسم هذه الوظيفة «المرافق» Chaperone).
وبالنسبة للتفاعل مع سطح مكتب المستخدم والتطبيقات ومشاهدة الصور وعروض الفيديو، فيمكن القيام بذلك بتحميل تطبيق خاص يعرض سطح المكتب على شاشة تلفزيون افتراضية في منزل في مواقع مختلفة (في ناطحة سحاب أو في منزل على الشاطئ، مثلا) مع القدرة على مشاهدة عروض الفيديو وكأن المستخدم يجلس في صالة سينمائية. هذا، وتحتوي النظارة على كاميرا مثبتة في المنطقة الأمامية للتفاعل مع البيئة بطرق مختلفة بتقنية الواقع المعزز Augmented Reality التي تضيف الرسومات الإلكترونية إلى البيئة من حول اللاعب، ولكن لا نعلم ما إذ كانت لعبة «بوكيمون غو» ستطلق على هذا النظام إلى الآن!
ومن المزايا الجميلة التي يقدمها النظام القدرة على ربط الهاتف الجوال بالنظارة للرد على المكالمات والرسائل المهمة أثناء التنقل بين العوالم الافتراضية المختلفة من دون إزالة النظارة، بالإضافة إلى القدرة على الدردشة مع الآخرين بالصوت والصورة. وبالإمكان تجربة الألعاب المختلفة لنحو ساعتين أو ثلاثة من دون الانزعاج، ولكن هذا الأمر نسبي ويختلف من شخص لآخر، وخصوصا أن الناس تتكيف بطرق مختلفة مع الانفصال عن العالم الحقيقي والانغماس في عالم يختلف عن الأرض التي يقف عليها اللاعب في الحقيقة، وخصوصا أثناء الحركة السريعة والتنقل داخل عالم اللعبة.
ولا تفتح هذه النظارة الباب أمام عوالم افتراضية جديدة في الألعاب الإلكترونية فحسب، بل في مجالات الطب والهندسة والتعليم والتدريب العسكري والترفيه والرياضة والسياحة والتسوق الإلكتروني والصحافة (رواية القصص بأسلوب مرئي مبتكر، مثلما فعلت «نيويورك تايمز» لنشر القصص العالمية المأساوية بواقعية أكبر) والصناعات والعلوم المختلفة، وغيرها، ولا يحد آفاقها سوى التطبيقات والبرامج التي يتم تطويرها، ولكن الترفيه هو الوسيلة الأفضل لنشر هذه التقنية بين النسبة الأكبر من المستخدمين.
ومن الألعاب التي ينصح بتجربتها قبل غيرها TheBlu وAdr1ft وAudioshield وElite Dangerous وJob Simulator وThe Lab وNoLimits 2 Roller Coaster وnVidia VR Funhouse وSurge وSpace Pirate Trainer وTilt Brush وWithin وABE VR وThe Brookhaven Experiment وThe Rose and I وEdge of Nowhere وEVE: Valkyrie وIntroduction to Virtual Reality وInvasion وLost وRaw Data وLucky’s Tale.

مواصفات تقنية

ويتطلب النظام مواصفات عالية للعمل، هي معالج Intel Core i5 - 4590K أو AMD FX8350 وبطاقة رسومات nVidia GTX 970 أو AMD R9 390 وذاكرة بسعة 4 غيغابايت ومنافذ USB 2.0 وHDMI 1.4 وDisplayPort 1.2 ونظام التشغيل «ويندوز 7 إس بي 1» أو أحدث.
وتبلغ دقة الشاشة داخل النظارة 1200x2160 بيكسل وهي تعمل بتردد 90 هرتز المناسب للابتعاد عن الشعور بالغثيان في عالم الواقع الافتراضي وتستخدم تقنية OLED لعرض الصورة بأفضل ألوان ممكنة وبزوايا تصل إلى 110 درجات للحصول على مجال رؤيا واسع. وفاقت بطاقة nVidia GeForce GTX 1080 Founders Edition المستخدمة التوقعات واستطاعت تشغيل جميع الألعاب بأعلى دقة وأفضل مستويات للمؤثرات الخاصة التي يمكن اختيارها، ومن دون أي تقطع خلال مجريات اللعب، حتى في أكثر الظروف تطلبا، الأمر الذي يعني المزيد من انغماس اللاعب وشعوره بالواقعية وقدرة الكومبيوتر على تتبع تحركات أيدي ورأس اللاعب بدقة متناهية.
ويبلغ سعر النظارة 800 دولار أميركي من موقع الشركة، تضاف إليها الضرائب وأجور الشحن إلى المنطقة العربية والتي تجعل الإجمالي يصل إلى نحو 1100 دولار أميركيا. وتجدر الإشارة إلى أن النظارة ستكون متوافرة في الأسواق العربية في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، ولكن كبرى متاجر الإلكترونيات في المنطقة العربية بدأت بتوفير خدمة الطلب المسبق للنظارة التي ستباع بما يعادل 880 دولارًا.
ومن المعوقات التي تواجه نظارتي «إتش تي سي فايف» و«أوكيلوس ريفت» هي السعر المرتفع لهما والتكاليف المخفية، حيث يجب أن يكون كومبيوتر المستخدم متقدما وقادرا على تحمل المتطلبات العالية للحصول على أداء مقنع في هذا الوسط، مع وجود تكاليف إضافية لنظام «أوكيلوس ريفت» تتمثل في شراء أدوات تحكم منفصلة لمحاكاة يد اللاعب داخل العالم الافتراضي ستطلق في وقت لاحق من العام الحالي.



كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
TT

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

مع تسارع أنظمة الذكاء الاصطناعي في أتمتة مهام كانت تُعدّ في صميم القدرات البشرية؛ من الكتابة والتحليل إلى دعم اتخاذ القرار، تركّزت معظم النقاشات على الإنتاجية والكفاءة، وفقدان الوظائف. لكن خلف هذه التحولات الظاهرة، يبرز تغيّر أعمق بكثير، يطال ليس فقط طريقة عملنا، بل تعريفنا للذكاء والقيمة، وحتى معنى أن نكون بشراً.

بالنسبة للمؤلف العالمي في تطوير الذات، ديريك ريدال، لا يمثل هذا التحول مجرد نقلة تقنية، بل لحظة فلسفية واجتماعية مفصلية، حيث تتعرض مفاهيم راسخة حول الذكاء لإعادة نظر جذرية.

يقول ريدال خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» إن «السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الذكاء، بل ما إذا كنا قد عرّفناه بشكل صحيح منذ البداية».

لعقود طويلة، ارتبط مفهوم الذكاء بالقدرة على معالجة المعلومات، والتعرُّف إلى الأنماط، وحل المشكلات. وقد شكّلت هذه القدرات أساس أنظمة التعليم وسوق العمل والهياكل الاقتصادية. لكن مع تفوق الذكاء الاصطناعي في هذه المهام بسرعة وتكلفة أقل، يفقد هذا التعريف تفرده.

ديريك ريدال - مؤلف عالمي في تطوير الذات

من الذكاء إلى المعنى

مع تحوُّل الذكاء إلى مورد وفير، تبدأ قيمته الاقتصادية بالتراجع. ويختصر ريدال هذه الفكرة بقاعدة بسيطة، وهي أن «القيمة تتجه نحو ما هو نادر».

في هذا السياق، قد يصبح الذكاء بمعناه التقليدي مشابهاً للأكسجين، أي متاحاً للجميع، لكنه لم يعد عاملاً مميزاً. وعندما تصبح المعرفة والتحليل متاحين على نطاق واسع، تنتقل القيمة إلى بُعد آخر أقل قابلية للقياس، لكنه أكثر إنسانية. ويضيف ريدال أن «هناك المادة... وهناك ما له معنى».

فاللحظات التي تدفع البشر إلى الفعل، كالحب والإبداع والرسالة، نادراً ما تكون نتاج حسابات منطقية. إنها تنبع من إدراك أعمق يتجاوز البيانات، وهو ما يجعل القدرة على إنتاج المعنى محوراً جديداً للقيمة.

خطر انهيار الهوية

ورغم أن فقدان الوظائف يشغل حيزاً كبيراً من النقاش، يرى ريدال أن الخطر الأعمق يكمن في الهوية نفسها؛ فقد بنى الناس عبر أجيال تعريفهم لذواتهم على ما يفعلونه. لم تكن الوظيفة مجرد مصدر دخل، بل إطار للمعنى والانتماء. لكن مع قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء هذه الأدوار، ينهار هذا الإطار. ويردف: «لن يفقد الناس وظائفهم فقط، بل سيفقدون الإجابة عن سؤال: من أنا؟».

وقد بدأت ملامح هذه الأزمة تظهر بالفعل في ازدياد الشعور بالعزلة وفقدان المعنى. ومع غياب الغاية، تتجاوز التأثيرات الجانب الاقتصادي لتطال الاستقرار النفسي والاجتماعي.

لا يعيد الذكاء الاصطناعي فقط تشكيل العمل، بل يفرض إعادة تعريف جوهر الذكاء الإنساني نفسه (شاترستوك)

وهم الاستعانة بالآلة في التفكير

في موازاة ذلك، يبرز خطر آخر أقل وضوحاً كتفويض التفكير للآلة. يحذر ريدال قائلاً: «عندما تفوّض تفكيرك النقدي، لا تحصل فقط على إجابة أسرع، بل تفقد تدريجياً القدرة على معرفة ما إذا كانت الإجابة صحيحة».

وهذا ما يسميه «التراجع الإنساني»، أي تآكلاً بطيئاً للقدرات الذهنية والقدرة على الحكم المستقل. والخطر هنا ليس فورياً، بل يتخفى خلف الراحة والكفاءة، بينما تتراجع القدرات الأساسية، دون أن نلاحظ.

تعزيز أم اعتماد؟

هذا يقود إلى سؤال محوري: هل يعزز الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان أم يستبدلها؟ يجيب ريدال: «السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإنسان خلف الأداة ينمو أم يتضاءل بهدوء».

عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة، يمكنه تطوير التفكير والإبداع. لكن عندما يحل محل الجهد الذهني، فإنه يضعف هذه القدرات. والاختبار هنا بسيط: إذا ابتعدت عن الأداة، هل تبقى لديك القدرة؟

أما على مستوى المؤسسات، فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى كفاءة ظاهرية، لكنه يخلق ثقافات عمل «فارغة». في المقابل، المؤسسات التي تستخدمه لتعزيز التفكير البشري تبني ميزة تنافسية مستدامة. ويصف ريدال هذه الميزة بـ«الإنسانية المصنوعة يدوياً» أي العمق والأصالة اللذين لا يمكن تحويلهما إلى سلعة.

يرى الكاتب أن الخطر الأكبر لا يكمن في فقدان الوظائف بل في اهتزاز هوية الإنسان المرتبطة بما يفعله

إعادة التفكير في التعليم

تكشف هذه التحولات أيضاً حدود أنظمة التعليم الحالية، التي صُممت لنقل المعرفة، وهي مهمة يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي، اليوم. ويرى ريدال أن التعليم يجب أن يُعاد بناؤه حول الإبداع والحكمة والشخصية. الإبداع يعني القدرة على إنتاج أفكار جديدة. والحكمة تنبع من التجربة والتأمل، لا من المعلومات فقط. أما الشخصية، فتشمل القيم والقدرة على بناء علاقات إنسانية حقيقية. وفي مناطق، مثل الشرق الأوسط، حيث لا تزال تقاليد التعلم المجتمعي، ونقل الحكمة حاضرة، قد تمثل هذه المقومات ميزة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي.

ما بعد الاقتصاد التقليدي

يذهب ريدال أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه؛ ففي عالم قد لا يعتمد على العمل البشري بالشكل التقليدي، تصبح مفاهيم، مثل الإنتاجية والناتج المحلي، بحاجة إلى إعادة تعريف. وقد تنتقل القيمة إلى معايير تتعلق بجودة الحياة والمعنى والعلاقات الإنسانية. لكن هل يمكن للآلة أن تحل محل الحدس؟

يرد ريدال، عادّاً أن جزءاً من الحدس يمكن تفسيره كتعرُّف سريع على الأنماط، لكن هناك بُعداً أعمق يسميه «المعرفة التلقائية»، وهو إدراك لا يعتمد على التحليل، بل على الحضور الذهني العميق؛

فكثير من الاكتشافات الكبرى لم تأتِ من التفكير المكثف، بل من لحظات صفاء. وما إذا كان هذا النوع من الإدراك يمكن للآلة الوصول إليه، يبقى سؤالاً مفتوحاً.

تحدّ تنظيمي يتجاوز الاقتصاد

مع توسع الذكاء الاصطناعي، تتجاوز آثاره الجانب الاقتصادي لتشمل الإدراك والصحة النفسية. ويؤكد ريدال ضرورة أن تأخذ السياسات العامة هذه الجوانب بعين الاعتبار، محذراً من «أن عدم القيام بذلك يمثل فشلاً تنظيمياً لا عذر لنا فيه». في النهاية، لا يتمثل التحدي في تطور الذكاء الاصطناعي، بل في قدرة الإنسان على الحفاظ على استقلاله. ويؤكد ريدال أن الحل يبدأ بالوعي الذاتي حيث إن «تنمية الوعي ليست رفاهية... بل شرط أساسي للبقاء إنساناً كاملاً».


مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
TT

مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)

في تطور لافت ضمن سباق تقنيات الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة «أوكارا للذكاء الاصطناعي» (Okara AI) عن إطلاق خدمة جديدة توصف بأنها الأولى من نوعها، تتمثل في «رئيس تسويق تنفيذي» (CMO) يعمل بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، في محاولة لإعادة تشكيل مفهوم التسويق الرقمي وإدارة النمو للشركات الناشئة، والمؤسسات التقنية.

وتقوم الفكرة على تقديم نظام متكامل من «وكلاء الذكاء الاصطناعي» يعملون بتناغم ضمن بيئة واحدة، بهدف إدارة مختلف قنوات التسويق الرقمي دون تدخل بشري مباشر، بدءاً من تحسين محركات البحث، ووصولاً إلى إدارة الحضور على المنصات الاجتماعية، والمجتمعات التقنية.

تحول في مفهوم التسويق الرقمي

يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه أدوات تطوير البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل منصات كتابة الأكواد وبناء التطبيقات، تسارعاً غير مسبوق، حيث بات بالإمكان تحويل الأفكار إلى منتجات رقمية خلال فترة زمنية قصيرة. إلا أن التحدي الأكبر ظل يتمثل في «التوزيع»، أو الوصول إلى المستخدمين، وهي الفجوة التي تسعى «Okara AI» إلى معالجتها.

وبحسب الشركة، فإن «مدير التسويق الذكي» الجديد يتولى تشغيل مجموعة من الوكلاء المتخصصين يومياً، من بينهم كاتب محتوى آلي، ووكيل تحسين محركات البحث (SEO). أيضاً من مهام «مدير التسويق الذكي» تحسين الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي (GEO) وإدارة الظهور على منصات مثل «Reddit» و«X» و«Hacker News».

تهدف هذه المنظومة إلى تنفيذ استراتيجية تسويقية متكاملة تشمل إنتاج المحتوى، وتوزيعه، وتحسين ظهوره عبر محركات البحث التقليدية، والجيل الجديد من محركات البحث المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

نظام قابل للتكامل مع القنوات الرقمية لإدارة التسويق عبر منصة موحدة (أوكارا)

خفض التكاليف وتعزيز الكفاءة

تطرح شركة «أوكارا للذكاء الاصطناعي» (Okara AI) خدمتها الجديدة بوصفها بديلاً منخفض التكلفة مقارنة بالنموذج التقليدي لإدارة التسويق، الذي يتطلب فريقاً متكاملاً يضم مدير تسويق، وخبراء تحسين محركات البحث، وكتاب محتوى، ومديري مجتمعات رقمية.

وتشير تقديرات السوق إلى أن تكلفة هذا الفريق قد تتراوح بين 60 ألفاً و160 ألف دولار سنوياً، في حين توفر الخدمة الجديدة بديلاً رقمياً مقابل اشتراك شهري يبدأ من نحو 99 دولاراً، ما يعكس توجهاً متزايداً نحو أتمتة الوظائف المعرفية، وتقليل الاعتماد على الموارد البشرية.

يعالج انخفاض الزيارات عبر تحسين ترتيب صفحات الموقع (أوكارا)

ظهور مفهوم «تحسين محركات الذكاء الاصطناعي»

من أبرز ما يميز الخدمة الجديدة اعتمادها على مفهوم حديث نسبياً يعرف بـ«تحسين محركات التوليد» (Generative Engine Optimization-GEO)، والذي يركز على تحسين ظهور المحتوى داخل منصات الذكاء الاصطناعي، مثل محركات البحث التوليدية، بدلاً من الاقتصار على محركات البحث التقليدية.

ويعكس هذا التوجه تحولات أعمق في سلوك المستخدمين الذين باتوا يعتمدون بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، ما يفرض على الشركات إعادة صياغة استراتيجياتها التسويقية لتواكب هذا التحول.

نحو مستقبل تسويقي مؤتمت

يمثل إطلاق «مدير التسويق الذكي» من «Okara AI» خطوة إضافية في مسار أتمتة العمليات الرقمية، ويعكس اتجاهاً متنامياً نحو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إدارة النمو والتسويق.

وفي حين لا يبدو أن هذه الأنظمة ستلغي دور البشر بشكل كامل في المدى القريب، إلا أنها تؤسس لنموذج هجين يجمع بين قدرات الذكاء الاصطناعي وسرعته، وبين الرؤية الاستراتيجية والإبداع البشري، وهو ما قد يعيد رسم ملامح قطاع التسويق الرقمي خلال السنوات المقبلة.


الذكاء الاصطناعي يُعقّد مخاطر الخصوصية

الذكاء الاصطناعي يُعقّد مخاطر الخصوصية
TT

الذكاء الاصطناعي يُعقّد مخاطر الخصوصية

الذكاء الاصطناعي يُعقّد مخاطر الخصوصية

قضى قاضٍ فيدرالي هذا الشهر، بأن محادثات أي شخص مع برنامج الدردشة الآلي «كلود»، التابع لشركة «أنثروبيك»، لا تتمتع بحماية الحفاظ على السرية، التي تحظى بها محادثات المحامي وموكله، حتى وإن كان استخدام البرنامج بهدف للتحضير لمقابلة محامين.

خروق «ذكية»

وقبل أسابيع، أثارت شركة «رينغ»، المملوكة لشركة «أمازون»، والمتخصصة في صناعة كاميرات أجراس الأبواب، غضباً واسع النطاق عندما نشرت إعلاناً خلال مباراة «سوبر بول»، يُظهر كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للعثور على الكلاب الضائعة. وسرعان ما أشار النقاد إلى إمكانية استخدامه كذلك لمراقبة حيّ بأكمله. ومنذ ذلك الحين، أعلنت الشركة اعتذارها مرات عدة.

وأظهر إعلان شركة «رينغ»، صاحب كلب مفقود يستخدم ميزة «البحث الجماعي»، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، وصوراً من شبكة كاميرات مراقبة منزلية للعثور على الكلب المفقود. وأوضحت الشركة أن مالكي كاميرات «رينغ» مُلزمون بالموافقة على مشاركة المعلومات من خلال طلب «البحث الجماعي».

امرأة قاتلة تحادثت مع «جي بي تي»

وخلال الأسبوع الماضي، ظهرت أنباء تفيد بأن شركة «أوبن إيه آي»، المطورة لبرنامج «تشات جي بي تي»، كانت على علم بتفاعلات امرأة من مقاطعة كولومبيا البريطانية مع برنامج الدردشة الآلي، وأن الشركة فكرت في إبلاغ السلطات عنها قبل أشهر من ارتكابها جريمة إطلاق نار جماعي.

وفي الوقت الذي تواجه «أوبن إيه آي» تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي عليها أن تكون أكثر استباقية في الإبلاغ عما كتبته هذه السيدة، تسلط هذه الحادثة الضوء على احتمال تعرض شركات الذكاء الاصطناعي لمزيد من الضغوط لمشاركة سجلات المحادثات الخاصة مع السلطات.

في قلب هذه العناوين، احتل الذكاء الاصطناعي التوليدي موقع الصدارة - التكنولوجيا التي شاع استخدامها بفضل برامج الدردشة الآلية، والتي بدأت تتغلغل في الأدوات اليومية، التي يستخدمها الناس للبحث عبر الإنترنت وكتابة المقالات والبرمجة. ويثير التواتر المستمر للتقارير الإخبارية المتعلقة بخصوصية المستهلك، تساؤلات حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد كشف معلومات شخصية للأفراد، أكثر مما كان عليه في السابق.

في هذا الصدد، عبَّر خبراء معنيون بالخصوصية عن اعتقادهم بأنه على أرض الواقع، فإن المخاطر المرتبطة بمشاركة البيانات مع شركات التكنولوجيا لا تزال كما هي تقريباً دونما تغيير؛ فأي بيانات تُرسل إلى خوادم الشركة قد تكون متاحة أمام الموظفين أو الجهات الحكومية أو المحامين أو حتى المجرمين، الذين استولوا على البيانات من خلال ثغرات أمنية.

مخاطر المحادثات الحميمة مع الأدوات الذكية

بيد أن الطبيعة الحميمة للمحادثات مع برامج الدردشة الآلية تضيف بعداً جديداً لمشكلة قديمة؛ فالناس اليوم يشاركون معلومات أكثر بكثير مما كانوا يفعلون في السابق. وعلى عكس أدوات البحث التقليدية على الإنترنت، تدعو برامج الدردشة الآلية المستخدمين إلى كتابة أفكارهم كاملةً وطرح مزيد من الأسئلة؛ ما يكشف عن نواياهم بشكل أوضح.

في هذا السياق، شرح كريس جيليارد، الباحث المستقل بمجال الخصوصية في ديترويت، أنه: «في كثير من الحالات، تتشابه المشكلات، لكننا نعاين اليوم طريقة جديدة للتفاعل مع التكنولوجيا لم تكن مألوفة من قبل. وعندما يحدث ذلك، يحتاج الناس إلى إعادة صياغة رؤيتهم للمخاطر والأضرار».

الحقيقة أن هذا درسٌ اضطر مستخدمو الإنترنت إلى تعلمه مرة بعد أخرى. فقبل نحو ثماني سنوات، تعرضت شركة «ميتا»، المعروفة سابقاً باسم «فيسبوك»، لانتقادات حادة عندما انتشر خبر جمع شركة «كمبردج أناليتيكا»، المعنية بالاستشارات السياسية، بيانات 87 مليون مستخدم لـ«فيسبوك» بطريقة غير مشروعة.

عدم تسجيل المحادثات المؤقتة

كانت تلك لحظة فارقة دفعت الناس إلى إعادة النظر في مشاركة بياناتهم الشخصية عبر الإنترنت. ومع ذلك، يبدو أن هذا الدرس قد طواه النسيان في عصر روبوتات الدردشة، التي يلجأ إليها الناس طلباً للمساعدة في العمل، والعلاج النفسي، وحتى الرفقة الحقيقية.

من جهتها، أعلنت «أوبن إيه آي» أنها منحت المستخدمين تحكماً كاملاً في كيفية استخدام بياناتهم، بما في ذلك خيار استخدام محادثات مؤقتة لا تُسجل في سجل «تشات جي بي تي». كما أكدت «أنثروبيك» التزامها بالقوانين المعمول بها، وأنها قد تُطالب بمشاركة المعلومات عند تقديم طلبات قانونية مشروعة.

وفي حادثة المرأة مطلِقة النار جيسي فان روتسيلار أكدت شركة «أوبن إيه آي» في بيان لها أن: «حماية الخصوصية والأمان في (تشات جي بي تي) أمر بالغ الأهمية، ونحن نولي الأولوية للأمان عندما يكون هناك تخطيط موثوق ووشيك لإحداث ضرر حقيقي في العالم الواقعي. وتتولى أنظمتنا الآلية تصعيد الحالات الحرجة، مثل تشكيل تهديد للحياة أو التهديد بإلحاق الأذى الجسيم بالآخرين، لإخضاعها مراجعة بشرية محدودة لاتخاذ الإجراءات اللازمة».

مناقشات قانونية

وفي حين أنه ليس من المستغرب أن يكون لدى «أوبن إيه آي»، كغيرها من الشركات، نظام لمراقبة إساءة استخدام خدماتها، فإن الحادثة سالفة الذكر من المحتمل أن تثير نقاشاً في أوساط الخبراء القانونيين، حول ما إذا كان ينبغي تحميل شركات الذكاء الاصطناعي المسؤولية عن المحادثات، التي يجريها المستخدمون مع روبوتات الدردشة، ومتى يصبح من الضروري مشاركة البيانات مع جهات إنفاذ القانون، حسب ما ذكرته جينيفر غرانيك، المحامية المتخصصة في شؤون المراقبة والأمن السيبراني، لدى «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية».

وأضافت أن المادة 230 من قانون آداب الاتصالات تضفي حماية عامة على شركات الإنترنت من المسؤولية عن المحتوى، الذي ينشره المستخدمون عبر مواقع مثل «فيسبوك»، لكن من غير الواضح ما إذا كان ينبغي تطبيق هذه السياسات بالمثل على روبوتات الدردشة، بالنظر إلى اختلاف طبيعة المحادثات عن المنشورات عبر المنصات. وقالت: «سنبدأ الفترة المقبلة في معاينة المزيد من الدعاوى القضائية لتوضيح طبيعة مسؤولية الإبلاغ لجهات إنفاذ القانون».

قاضٍ يبتّ بقضية احتيال

وتُبيّن قصة برنامج الدردشة الآلي «كلود»، التابع لشركة «أنثروبيك»، كيف يمكن أن تحدث حالة من الارتباك، عندما يتعامل الناس مع برامج الدردشة الآلية التجارية كأداة لتدوين الملاحظات والبحث. وقد قرر قاضٍ فيدرالي السماح للمدعين العامين بالاطلاع على نصوص محادثات رجل متهم بالاحتيال الإلكتروني، كان قد تواصل مع «كلود» في خضم استعداده للحديث مع المحامين. وكان مبرر القاضي أن «كلود» ليس محامياً، وبالتالي لا يتمتع بحماية الحفاظ على سرية تفاعلات المحامي مع موكله. وقد أثار قرار القاضي جدلاً واسعاً بين المحامين في جميع أنحاء البلاد؛ لأنه سلّط الضوء على المخاطر المحتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي مقارنةً بالأدوات التقليدية.

في المقابل، إذا دوّن المتهم ملاحظات وشاركها مع محاميه فقط، فقد تكون محمية بموجب سرية العلاقة بين المحامي وموكله، كما أوضحت لورا ريبوسو فاندروف، الشريكة في مكتب كيلي دراي للمحاماة، والمعنية بشؤون خصوصية المستهلك وأمن البيانات. ونظراً لأن المحادثات مع روبوت الدردشة يجري تخرينها على خوادم الشركة، فقد لا تكون محمية قانونياً.

من جهتها، أوضحت شركة «أنثروبيك» أن المتهم الذي حاول حماية نصوص محادثاته مع «كلود»، بموجب سرية العلاقة بين المحامي وموكله، قدّم النصوص مباشرةً إلى المحكمة عندما صادرت السلطات الفيدرالية أجهزته، ما يعني أن «أنثروبيك» لم تشارك البيانات.

* خدمة «نيويورك تايمز»