قراءة في هجمات أوروبا

بين الجهاد الفردي والتبني المشبوه لـ«داعش»

انتشار امني اثر تهديد ارهابي في  فرانكفورت (رويترز)
انتشار امني اثر تهديد ارهابي في فرانكفورت (رويترز)
TT

قراءة في هجمات أوروبا

انتشار امني اثر تهديد ارهابي في  فرانكفورت (رويترز)
انتشار امني اثر تهديد ارهابي في فرانكفورت (رويترز)

في شهر رمضان الماضي، الموافق 21 مايو (أيار) الماضي، كانت رسالة وتوجيه أبو محمد العدناني المتحدث باسم تنظيم داعش واضحين بتنفيذ هجمات ضد الدول الأوروبية والولايات المتحدة، حين قال: «اجعلوا هذا الشهر شهر المصائب على الكفار، في كل مكان، والدعوة موجهة خصوصًا لأنصار الخلافة في أوروبا وأميركا». وهو ما أتت استجابته وترجمته في عمليات غير مسبوقة تتوالى في كثير من العواصم الأوروبية بشكل واضح، كان آخرها في فرنسا وألمانيا، التي شهدت 4 حوادث خلال أسبوع، وهو ما قد تصح نسبة بعضها لـ«داعش» بوضوح. ولكن لا شك أن بعضها الآخر يصح الشك فيه كذلك، وأنها تبنٍ مشبوه من «داعش» أو تجنيد وتوظيف لعناصر لا تنتمي إليه أصلاً، بهدف تأكيد رسائله التهديدية، بغية تخفيف الضغط عليه.
كان خطاب العدناني المذكور أكثر تعبيرًا عن أزمة «داعش» وانحصاره، وانطفاء جذوته وانتحاريته العدمية المصرة على الموت والإماتة معًا ضد معنى الحياة والأمن. فلم تنجح محاولات إنكاره، في خطاب موجه لعناصره، الهزائم والخسائر التي تعرض لها التنظيم، مقرًا فيها بخسارة مدن ومناطق في العراق وسوريا، وبمقتل عدد من أبرز قيادات تنظيمه، مثل أبي عمر الشيشاني وغيره، لكنه شأن كل خطاب آيديولوجي مصمت ومنغلق لا يستطيع مجاوزة شعاراته وصلابته المدعاة. ويترافق مع ذلك ويؤكد حضور هذه الأزمة تسجيل آخر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي 2015 لأبو بكر البغدادي، أمير «داعش»، بعنوان «فتربصوا إنا معكم متربصون»، حمل على مدار 24 دقيقة، دلالات كثيرة على تراجع التنظيم وأزمته بعد الهزائم والخسائر التي مُني ويمنى بها تنظيمه في الآونة الأخيرة، جرّاء الضربات الجوية الأميركية والروسية التي لم تضعفه، مركزًا على دعوة المؤمنين به للثبات والفعل وإنهاك الخصم، وتشتيت جهوده أمنيًا واستنزافه في اتجاهات مختلفة وتصدير شعور الخوف والرهبة لخصومه.
قبل حادثة ذبح الراهب في فرنسا، امتدت جرائم الإرهاب والعنف إلى ألمانيا في الآونة الأخيرة، رغم التدابير الأمنية المكثفة، حيث كان متوقعًا حدوثها، قبل أسبوع واحد من وقوعها في تصريحات مسؤوليها، فضلاً عن حالة الاستنفار العامة في أوروبا، عامة، عقب الهجمات التي ضربت فرنسا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وبلجيكا مطلع العام الحالي.
وتمثل جميعها حالة براغماتية لما يسمى «الجهاد الفردي» أو «الذئاب المنفردة»، حسب وصف بعض المراقبين، ولكنها عكس ما يفهم «داعش» لا تمثل تهديدًا للتحالف الدولي أو دول العالم الغربي، بل تزيده إصرارًا على المواجهة والشعور بالخطر والتحدي الماثل أمامه، قدر ما تمثل رسالة طمأنة لعناصر التنظيم المأزوم والمحاصر الفاقد مناطق سيطرته وعددًا من أبرز قيادييه.
إنها حالة إفاقة مؤقتة من الانحصار والانكسار، عبر نشوة نجاح عملية هنا أو هناك، بعيدًا عن الضغط العسكري لدول التحالف الدولي. ولكن ما جد في العمليات الأخيرة أنها أتت من عناصر لم يعرف عنها من قبل سجل إرهابي، بل بعضهم غير متدينين بالمرة، ما يطرح فرضية واحتمال توظيفهم وتجنيدهم من قبل تنظيم داعش لصالح تحقيق هذا الهدف.
جرائم غير مسبوقة، منذ العصور الوسطى، تصدم الوعي الإنساني والأوروبي الحديث، لا يصح عليها إلا وصف التوحش. فهي لا تقتل على الهوية بل تقتل عشوائيًا. تنتحر في معنى الحياة والاستقرار والأمن، هي فظاعات فاجأت العالم والدول والحكومات والمجتمع الدولي، الذي ظن أن تردده في حل الأزمة السورية وعدم الحسم بفرض الاستقرار فيها، يجعله بمنأى عن تداعياتها اللعينة، التي صارت تطارد الإنسان في شوارع أوروبا وغيرها.
ولكن طبيعة الهجمات التي شهدتها مدن فرنسية وألمانية في أقل من أسبوعين، تؤكد أيضًا أن منفذيها مجرد «هواة» وأشخاص غير أسوياء، وبالتالي، فإن «داعش» الذي يسارع إلى تبنيها لم يخطط لها، بل يستغلها لإثبات وجوده الإرهابي في أوروبا.
ويبدو أن عجز «داعش» عن شن هجمات تقليدية على غرار اعتداءات باريس وبروكسل، دفعته للبحث عن شبان في أوروبا يمرون بظروف اجتماعية ونفسية صعبة، لتحريضهم «إلكترونيًا» على تنفيذ هجمات لا تحتاج لعمليات تخطيط. كما تبرز فرضية أخرى مفادها أن «داعش» لا يعلم مسبقًا بتوقيت وطبيعة وموقع أو حتى هوية المهاجم، ويكتفي بالإعلان عن مسؤوليته، مدركًا أن منفذي الاعتداءات متعاطفون مع أفكاره الشاذة. ولقد أصبح من المعروف أن منفذي هذه الاعتداءات كل منهم يعاني ظروفًا صعبة دفعت بهم للقتل، أحدهم كان يسعى للجوء في ألمانيا ورفض طلبه، وآخر كان مريضًا بالاكتئاب الحاد.
من هنا نرى أن «داعش» يحاول الاستثمار وتوظيف سياقات المهاجرين واللاجئين وأزمات الهوية والاندماج في المجتمع الغربي أيضًا، والشعور العدمي الذي يشمل بعض الأفراد، كما يستثمر في المتحولين دينيًا الجدد الذين يمثلون 25 في المائة من عناصره، في سابقة لم تعرف في تنظيمات التطرف العنيف من قبل. مرحلة التوحش والعدمية التي يصنعها ويوظفها التنظيم وسائر جماعات الإرهاب والفوضى في العالم أجمع، وتنتجها الأزمات السياسية العالقة في سوريا والعراق، كما تنتجها منذ نوفمبر الماضي إلى اليوم، تجسدت أمامنا في سلسلة من الجرائم. ففي ذلك الشهر قتل الإرهابيون 130 شخصًا، وكان بذا الأكثر دموية في تاريخ العاصمة الفرنسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد بدت باريس ساحة حرب؛ الدماء من ملعب كرة، إلى قاعة احتفالات، وحي مكتظ بالمطاعم.
بعدها، هاجموا بروكسل، قتلوا أكثر من 30 شخصًا وجرحوا 300، وهذا رقم دموي تاريخي لعاصمة بلجيكا. وتكررت الهجمات وكان أبشعها، وأكثرها إشاعة للرعب بين ملايين الناس، المسلح الذي قاد شاحنة ودهس 84 شخصًا وجرح مئات الناس العائدين من احتفالاتهم في مدينة نيس.
وفي هذا الشهر (يوليو «تموز» الماضي) أيضًا انتقل الهجوم إلى ألمانيا، حيث جرت 5 عمليات إرهابية، بينها طعن امرأة حامل، وقتل ركاب في قطار. ثم عاد الرعب إلى منطقة النورماندي الفرنسية بذبح كاهن في كنيسته، وهو ما شوه الإسلام وأحرج المسلمين وكل الإنسانيين في كل العالم معًا.
صك تعبير «الجهاد الفردي» محمد خليل الحكايمة في رسالة له بنفس العنوان، كأساس فكري لعمليات «الذئاب المنفردة» الانتحارية أو غيرها، بينما لا يوجد أي أساس أو نص شرعي يبرر لهذا الإرهاب العشوائي الأعمى، الذي يقتل بلا تمييز لغاية القتل فقط! وهو ما بدأته «القاعدة» وتوسعت فيه ما بعد، ولكن تمدد فيه «داعش» بشكل كبير في عملياته الأخيرة.
وتقوم فكرة «الجهاد الفردي» - وفق تفسير الحكايمة - على اعتبار أن هذا النوع يتم اللجوء إليه على مر التاريخ الإسلامي، في ظل غياب منظومة متكاملة لـ«الجهاد»، والعجز عن الوضوح، وهو النمط الذي يقول الحكايمة، دون توضيح أو أمثلة، إنه «تكرر في زمن الحروب الصليبية، وفساد الأمراء وانحلال الأمة، حيث تصدت جموع المجاهدين المقاومين للأزمة من خلال السرايا والمجموعات المنعزلة»، حيث تستطيع الخلايا الصغيرة والأفراد القيام بعمليات اغتيال أو تفجير ضخمة تحدث أثرًا إعلاميًا ضخمًا. كما تجلى في عملية عضو الكتائب أيوب الطيشان حين استهدافه الناقلة اليابانية «إم ستار»، في مضيق هرمز في يونيو (حزيران) 2010. وتكرر بشكل جلي في عمليات أوروبا الأخيرة عام 2016 وعام 2015، التي راح ضحيتها المئات من المدنيين الأبرياء في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وغيرها.
ويقر شرعيو الإرهاب والتطرف العنيف أن العمليات الانتحارية - التي يصفونها بـ«الاستشهادية» - مسألة جديدة، أو بدعة محدثة إذا أرادوا الدقة، لم يسبق أن أتى فيها نص أو سند من قرآن أو سنة. لكنهم توسعوا فيها كل توسع كسلاح إرهابي غير مسبوق، لا يخشى الموت، ويفاجئ الأحياء به منتحرًا فيهم وبهم وفق شعار «مت لتقتل».
ولقد جمع منظّر «داعش» الأشهر تركي البنعلي في رسالة له بعنوان «الأقوال المهدية في العمليات الاستشهادية» - صادرة عام 2012 - أقوال شرعيي «القاعدة» حينئذ والجماعات الراديكالية المتطرفة ومؤيديهم، وكان تبريرهم لها في البداية كاستراتيجية مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولكن انتهت كوسيلة وأداة ضد كل مخالفيهم ومعارضيهم من الدول والحكومات والجماعات، والأخطر ضد الشعوب والمواطنين دون تمييز.
ويقول في ذلك أحد مراجع الجماعات الراديكالية، الشيخ حمود بن عقلا الشعيبي: «لا بد أن تعلم أن مثل هذه العمليات المذكورة من النوازل المعاصرة التي لم تكن معروفة في السابق بنفس طريقتها اليوم، ولكل عصر نوازله التي تحدث فيه، فيجتهد العلماء على تنزيلها على النصوص والعمومات والحوادث والوقائع المشابهة لها، التي أفتى في مثلها السلف. قال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)، فهي من النوازل الحديثة التي لم يعرف لها أصل سابق، ولكنها بدعة صار العالم أجمع يعاني منها، بل تعاني منها (القاعدة) ويعاني (داعش) حين يستهدف كل منهما الآخر».
ويرفض البنعلي، أكبر شرعيي «داعش» سابقًا، إنزال هذا تحريم التحريق بالنار حينئذ على العمليات الانتحارية، قبل أن يكون هناك «داعش» أو حرق للكساسبة، فهو يرفض الحرق قبل 4 سنوات، ولكن يجيزه ويفتي به ويبرر له عام 2015، فيرى أن الربط بين الحرق بالنار والعمليات الانتحارية خطأ فاحش، لأنه ليست فقط هذه العمليات التي تقوم على النار، بل إن جل الأسلحة الحديثة اليوم لا تخلو من النار، وإذا قلت كلها لم أكن كاذبًا في ذلك، فهذا الأمر يقتضي إيقاف الجهاد بالكلية، أو الجهاد بالسيوف والحراب! وكلا الأمرين سقيم لا يصح بحال.
ويستدل في ذلك بما رواه ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حرق نخل بني النضير وقطع. وهي البويرة، فأنزل الله عز وجل فيه: «ما قطعتم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين» [الحشر: 5]، أو ما روي من آثار مقيدة في حرق بعض الخونة للنبي في حادث العرنيين، أو ما روي في بعض أحداث حروب الردة. وهكذا تحكم الهوامش والاستثناءات القواعد وتعمّم عليها دون ضبط في مثل هذا الوعي السقيم، حيث يقول البنعلي: «ولا يمنع أن يكون في النخل رجال احترقوا فيه، والله أعلم»، وهكذا يساوي عنده في عقله المثقوب حرق النخل للعدو الخصم مع حرق المسلمين!
لكن تبقى فتوى «التترس» السند الأبرز والأكبر لهؤلاء في تبرير العمليات الإرهابية. ويستشهد هؤلاء بما كان يقوله بعض الفقهاء عامًا غير مخصوص، أو مخصوصًا غير عام في جوازها، حين لا يكون سبيل سوى القتل. حيث ينقل البنعلي عن الإمام ابن النحاس قوله: «ويجوز نصب المنجنيق على الكفار، ورميهم بالحجارة والنار، وإرسال الماء عليهم، ولو كان فيهم مسلمون أسرى، لأن هذا من ضرورات القتال». أ.ه [تهذيب مشارع الأشواق لصلاح الخالدي ص370 وانظر مغني المحتاج 4 / 223]. لكنه يتجاهل في هذا السياق حرمة قتل المدنيين التي أكد عليها الإسلام وأخلاق وآداب الحرب فيه، ببيان ظاهر ونصوص واضحة. كما أنه يتجاهل كلية أن الحروب القديمة كانت فاصلة وبيّنة بين طرفيها، بينما يكون التداخل والاندماج في المجتمعات المعاصرة، خصوصًا مع وسائل النقل الحديثة الميسرة للانتقال والعيش والزيارة.
إن بدعة العمليات الانتحارية التي سنها من سنها ضد احتلال، لم تعد تضرب احتلالاً، ولكنها تضرب في كل صوب وحدث. تضرب في ثاني الحرمين، كما تضرب في أوروبا وسيناء وأفغانستان وتركيا وكل مكان.



«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».