الصين وأوروبا تصعدان من «تبادل اللكمات» في «حرب الإغراق»

رسوم قاسية واتهامات بـ«التعمد» و«التعسف».. رغم الوعود المعسولة

لفائف من الحديد الصلب بأحد المصانع الصينية (رويترز)
لفائف من الحديد الصلب بأحد المصانع الصينية (رويترز)
TT

الصين وأوروبا تصعدان من «تبادل اللكمات» في «حرب الإغراق»

لفائف من الحديد الصلب بأحد المصانع الصينية (رويترز)
لفائف من الحديد الصلب بأحد المصانع الصينية (رويترز)

اشتعلت حرب الإغراق الصينية الأوروبية رغم المحاولات المتواصلة لرأب الصدع بينهما، بعد اتهامات «إغراق» الأسواق العالمية بالصلب من جهة، واتخاذ إجراءات «تعسفية» من جهة أخرى. واتخذ الجانبان مؤخرًا عدة إجراءات من شأنها تقويض مساعي التوصل إلى تفاهمات ترضي الطرفين.
وأعلن الاتحاد الأوروبي في وقت متأخر يوم الجمعة الماضي فرض رسوم إغراق جديدة على حديد التسليح المستورد من الصين، كجزء من جهود وقف تدفق السلع منخفضة الأسعار إلى أسواق الاتحاد، وذلك في وقت يدعي فيه الاتحاد أن بكين تتعمد خفض أسعار صادراتها بما يهدد مصالح المنتجين الأوروبيين، حيث تعد الصين أكبر دولة مصدرة للصلب إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.
وقد كثفت المفوضية الأوروبية، وهي الذراع التنفيذية للاتحاد، جهودها للحد من واردات منتجات الصلب بشكل أساسي، حيث تواجه شركات الصلب الأوروبية أزمة فائض الطاقة الإنتاجية للصناعة على مستوى العالم.
واعترضت بكين أمس السبت على الإجراء الأوروبي، ووصفت وزارة التجارة الصينية القرار بأنه «حماية غير مبررة». ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» عن الوزارة قولها إن الحكم الذي صدر الجمعة اعتمد على وضع «أهداف أعلى» لهوامش الربح لمنتجي الصلب في الاتحاد الأوروبي، و«يفتقر إلى أسس مبررة» في ظل التباطؤ الصناعي العالمي.
وتواجه الصين اتهامات بالمسؤولية عن تزايد حدة أزمة فائض الطاقة الإنتاجية بسبب صادراتها رخيصة الأسعار، والدعم الذي تقدمه لشركاتها، مما أدى إلى نمو الإنتاج رغم تراجع الطلب.
وتجري المفوضية الأوروبية تحقيقا بشأن صادرات الصلب من حديد التسليح عالي الإجهاد القادمة من الصين منذ عام 2015. وذلك بعد أن تلقت شكاوى من منتجي الصلب الأوروبيين.
وقالت المفوضية في بيانها إن الاتحاد الأوروبي يستطيع فرض رسوم إغراق على المنتجات القادمة من دولة أخرى إذا أظهر تحقيق أن هذه المنتجات تدخل الاتحاد الأوروبي بأسعار تمثل إغراقا وهو ما يلحق الضرر بالصناعة الأوروبية. وقررت المفوضية فرض رسوم إضافية على واردات حديد التسليح عالي الإجهاد الصينية، تتراوح ما بين 18.4 في المائة، و22.5 في المائة لمدة 5 سنوات.
ويذكر أن الاتحاد الأوروبي يفرض حاليا 37 إجراء دفاعيا على وارداته من منتجات الصلب، في حين يجري 6 تحقيقات أخرى في هذا المجال. ومن هذه الإجراءات والتحقيقات 15 إجراء و4 تحقيقات تتعلق بصادرات الصين.
* الصين أيضا متضررة
وتأتي الخطوة الأوروبية، والاعتراض الصيني عليها، بعد أقل من أسبوع على إعلان بكين نفسها يوم الأحد الماضي أنها بدأت فرض رسوم جمركية على بعض منتجات الفولاذ الأوروبية واليابانية والكورية الجنوبية: «في إطار مكافحة إغراق الأسواق».
وقالت وزارة التجارة الصينية في بيانها - آنذاك - إن الرسوم الجمركية على صناعات الفولاذ، التي تستخدم في المحولات والمحركات الكهربائية، ستتراوح ما بين نحو 37 في المائة و46.3 في المائة، موضحة أن الهدف هو تجنب أن تقوم هذه الدول ببيع منتجاتها هذه بأسعار مخفضة.
وتحول قطاع الصلب الضخم في الصين إلى الأسواق الخارجية لمحاولة تخفيف الفائض الضخم في الإمدادات، وزادت الصادرات لمستوي قياسي بلغ 112 مليون طن في عام 2015، بارتفاع قدره 19.9 في المائة خلال العام.
وتزامنت خطوة بكين مع تزايد دعوات شركات التعدين المحلية الصينية إلى إجراء تحقيق للاشتباه في وجود ممارسات إغراق من واردات الحديد الخام من أستراليا والبرازيل. حيث قدم اتحاد شركات التعدين الصينية شكوى إلى وزارة التجارة الصينية باسم أكثر من 20 شركة كبرى لإنتاج خام الحديد والتعدين لإجراء التحقيق.
وبحسب بيان الاتحاد الذي أصدره قبل يومين، فإن شركات التعدين الأجنبية الكبرى تبيع كميات كبيرة من خام الحديد إلى الصين «بأسعار منخفضة»، وهو ما يؤدي إلى إضرار كبير ومستمر بالصناعة المحلية.
وبحسب بكين، فإن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من احتياجاتها من خام الحديد من شركات التعدين العالمية الكبرى، التي زادت صادراتها إلى الصين خلال السنوات الأخيرة، وبأسعار تقل عن تكاليف الإنتاج المحلي لخام الحديد.
وبحسب الاتحاد، فإنه من دون إجراءات سريعة لمكافحة الإغراق، فإن أمن الموارد الاستراتيجية للصين سيتأثر بشدة، مشيرا إلى انسحاب الاستثمارات من القطاع مع تزايد الخسائر وإغلاق المصانع كدليل على التأثير السلبي للإغراق على شركات التعدين الصينية.
وأشار الاتحاد إلى أن شركات التعدين الصينية التي ما زالت تعمل في مجال إنتاج خام الحديد، تمثل أقل من 65 في المائة من إجمالي هذه الشركات، مضيفا أن نحو 85 في المائة من خام الحديد الذي تستهلكه الصين مستورد حاليا. وكانت الصين قد استوردت نحو 953 مليون طن خام حديد عام 2015، بزيادة نسبتها 2.2 في المائة عن العام السابق.
* محاولات الوصول إلى تفاهم
وتأتي تلك المناوشات المتبادلة، رغم تكرار الطرفين التأكيد على العمل لصالح الوصول إلى تفاهمات لرأب الصدع، وعدم تعمد الإضرار بمصالح الطرف الآخر. وكان رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ أكد لممثلين عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي زاروا العاصمة الصينية منذ أسبوع، أن بكين «لن تشن حربا تجارية أو حرب عملات».
وقبل نحو أسبوعين، وفي ختام «قمة» صينية أوروبية في العاصمة بكين، أعلن الجانبان موافقتهما على تشكيل مجموعة عمل لمواجهة المخاوف بشأن الإغراق. وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر: «سنستخدم جميع السبل التي لدينا للدفاع عن صناعة الصلب لدينا».
وأضاف يونكر أن «مشكلة الطاقة الإنتاجية الزائدة لدى الصين لها تأثير على محاولتها للحصول على وضع اقتصاد السوق، وهو أمر متروك للمراجعة هذا العام». متابعا للصحافيين: «زادت الصادرات من الصلب الصيني إلى أوروبا بنسبة 28 في المائة في الربع الأول من هذا العام، وتراجعت الأسعار بنسبة 31 في المائة في تلك الفترة.. وهذا يظهر أننا نواجه مشكلة خطيرة».
وتابع يونكر أن «هناك ارتباطا وعلاقة متبادلة بين الطاقة الإنتاجية الزائدة للصلب في الصين ووضع اقتصاد السوق. وعلى الرغم من أنه يمكنك فصل الاثنين، فإن الأجواء العامة في أوروبا هي أن تلك الأمور مرتبطة ببعضها البعض».
وتهدف الصين لتحقيق وضع اقتصاد السوق هذا العام بموجب شروط انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. لكن الاتحاد الأوروبي يعتبر نفسه مهددا وترغب شركات صناعة الفولاذ الأوروبية في زيادة الرسوم الجمركية لتصبح مثل تلك التي تفرضها الولايات المتحدة.
لكن، بعد الإجراءات القاسية واللكمات الاقتصادية المتبادلة من الجانبين، والتصعيد المتواصل والاتهامات التي لا تتوقف، فإن معركة الإغراق يبدو أنها لن تنتهي قريبا.



مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».