بعد هجومين إرهابيين خلال 12 يومًا.. فرنسا تعيش أجواء «حرب سياسية مفتوحة»

فالس يؤيد حظر التمويل الخارجي للمساجد.. ويقر بتقصير القضاء في اعتداء الكنيسة

بعد هجومين إرهابيين خلال 12 يومًا.. فرنسا تعيش أجواء «حرب سياسية مفتوحة»
TT

بعد هجومين إرهابيين خلال 12 يومًا.. فرنسا تعيش أجواء «حرب سياسية مفتوحة»

بعد هجومين إرهابيين خلال 12 يومًا.. فرنسا تعيش أجواء «حرب سياسية مفتوحة»

التراشق وتبادل الاتهامات بين السلطة الاشتراكية واليمين الفرنسي بلغا مستويات غير مسبوقة من العنف إلى درجة أن رئيس الحكومة مانويل فالس اتهم نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية السابق ورئيس حزب «الجمهوريون» بأنه «فقد أعصابه»، بعد الانتقادات غير المسبوقة التي وجهها الأخير للحكومة والرئاسة معا. وبعد هجومين إرهابيين ضربا فرنسا خلال 12 يوما «هجوم بالشاحنة على كورنيش مدينة نيس ليل 14 يوليو (تموز) وحصيلته 84 قتيلا و150 جريحا ثم عملية احتجاز رهائن ثم ذبح كاهن كنيسة مدينة سان إتيان دو روفريه، يوم الثلاثاء الماضي» عادت فرنسا لتعيش أجواء «حرب سياسية مفتوحة» بين يمين كلاسيكي ومتطرف يتهم الحكومة بانعدام الكفاءة والفشل في وضع حد للعمليات الإرهابية، ويسار ينصب نفسه حارسا لـ«دولة القانون» بوجه التيارات «الشعبوية» التي تسعى لبناء شعبية لها على حساب دماء القتلى والضحايا. وفي هذه الأجواء المسمومة، بقيت دعوات الرئيس هولند للمحافظة على الوحدة الوطنية والاصطفاف لمحاربة الإرهاب والدفاع عن قيم الجمهورية بلا صدى، بعكس ما عرفته فرنسا في خريف العام الماضي عقب العمليات الإرهابية المتزامنة التي ضربت باريس وضاحية سان دوني «130 قتيلا و350 جريحا».
أمس، ولج التحقيق بصدد مقتلة الكنيسة بابا جديدا من خلال توقيف لاجئ سوري لم تكشف المصادر الأمنية هويته ولا دوره في العملية الإرهابية التي يرى فيها كثيرون في فرنسا محاولة من تنظيم داعش لإشعال حرب أهلية عن طريق مهاجمة كنيسة كاثوليكية وذبح كاهنها خلال قيامه برتبة القداس. فقد عثرت القوى الأمنية في منزل أحد الإرهابيين «عادل كرميش»، الواقع على مسافة ألفي متر من الكنيسة على صورة لجواز سفر عائد للشخص المذكور الذي يقيم في أحد مراكز استقبال اللاجئين وسط فرنسا، ويريد المحققون التأكد أولا من هويته والتحري عن سبب وجود صورة جوازه في منزل كرميش، حيث عثر أيضا على تذكرة هوية الإرهابي الثاني «عبد الملك نبيل بوتيجان» في المنزل نفسه. وبذلك يبلغ عدد الموقوفين ثلاثة، أحدهم قريب لعبد الملك بوتيجان، وقد رافقه في سفرته إلى تركيا في العاشر من مارس (آذار) 2016. ويسعى المحققون لمعرفة ما إذا كان على علم بمخططاته الإرهابية. والثاني مراهق عمره 16 عاما وهو شقيق لأحد معارف كرميش الذي تمكن من الوصول إلى سوريا في شهر مارس من العام الماضي، ويظن أنه موجود حاليا في مكان ما على الحدود العراقية - السورية. ويريد المحققون أن يعرفوا ما إذا كانت عملية الرهائن وذبح الكاهن قد تمت بناء على طلب «خارجي» جاء من سوريا أو من العراق أم أنها تمت بمبادرة شخصية من الإرهابيين اللذين سعى كلاهما للذهاب إلى سوريا لكنهما لم ينجحا. وبعد شريط مبايعة أبو بكر البغدادي الذي بثه «داعش»، مساء الأربعاء الماضي، أفاد المركز الأميركي لمراقبة المواقع الجهادية «SITE» أن وكالة «أعماق» التي تبث أخبار «داعش» قد أفرجت عن شريط فيديو مدته دقيقتان ونصف، وفيه يظهر عبد الملك بوتيجان موجها تهديدات لفرنسا باللغة الفرنسية مع جمل بالعربية ويخص بها رئيسي الجمهورية والحكومة.
حتى أمس، كانت الحكومة تنفي وجود أي نقص أو خلل في المنظومة الأمنية. لكن رئيس الحكومة «اعترف»، أمس، بحصول «فشل» في موضوع إخلاء سبيل عادل كرميش الذي أودع السجن لعشرة أشهر، ولكن أخلي سبيله رغم تبيان نياته الجهادية، إذ حاول الذهاب إلى سوريا مرتين. وقد أمسكت المعارضة بهذه الواقعة لتشن أعنف هجوم على الحكومة وعلى «تساهلها» في موضوع الإرهاب، علما أن الادعاء العام «الذي يمثل الحكومة» اعترض على إخلاء سبيل كرميش بانتظار مثوله أمام المحكمة. بيد أن القضاء المختص لم يأخذ بالاعتراض وفرض على كرميش الإقامة الجبرية وحمل السوارة الإلكترونية والحضور مرة في الأسبوع إلى مقر الشرطة مع حق الخروج أربع ساعات في اليوم. وصبيحة الثلاثاء، ارتكب كرميش أثناء فترة السماح بالخروج مع عبد الملك بوتيجان جريمة الكنيسة.
بيد أن فالس، رغم اعترافه بتقصير القضاء في اعتداء الكنيسة، اتخذ موقفا هجوميا إزاء اليمين وطروحاته وعلى رأسه نيكولا ساركوزي، رافضا الأفكار التي يروج لها وداعيا إياه إلى الابتعاد عن ثلاثة أمور: التخويف والمزايدة والشعبوية. واعتبر رئيس الحكومة، في مقابلة مطولة مع صحيفة «لوموند» المستقلة أن الأعمال الإرهابية «لن تتوقف» وأن عمليات أخرى «ستحصل» كذلك، فإن «درجة الصفر» فيما يخص المخاطر الإرهابية «غير موجودة». لكنه في المقابل شدد على أن فرنسا قوية و«ستنتصر»، مكررا أن حكومته ملتزمة بعدم تخطي «الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها» ولن تقبل مطلقا أن تتخلى عن «دولة القانون» كما أنها ترفض إقامة «غوانتانامو على الطريقة الفرنسية» الأمر الذي يعني تخطي النصوص الدستورية وشريعة حقوق الإنسان.
واقع الأمر، أن فالس سعى إلى هدم مقترح اليمين الفرنسي الداعي إلى «احتجاز» جميع الذين تضمهم لائحة البيانات الموجودة تحت الحرف «S» أي الذين يمكن أن يشكلوا تهديدا أمنيا. ويرى اليمين الساعي إلى استعادة السلطة من اليسار في الانتخابات القادمة أن الحل الأنجع هو حجز الذين يظن أنهم يتبنون أفكارا متشددة أو أبدوا في لحظة من اللحظات الرغبة في الالتحاق بتنظيمات إرهابية كـ«داعش» و«النصرة». وبرهانهم على ذلك أنه لو احتجز عادل كرميش وعبد الملك بوتيجان «وهما على اللائحة المذكورة» لما تمكنا من ارتكاب جريمتهما في كنيسة سان إتيان. والحال أن القانون الفرنسي لا يسمح بحجز حرية فرد ما إلا بناء على قرار قضائي كما أن الدستور يمنع ذلك. ورد ساركوزي أن الاحتجاز يمكن أن يتم بأمر إداري، وإذا كان الدستور يمنع ذلك سيتعين عندها تعديل النص الدستوري.
في المقابلة المذكورة، سرد فالس مجموعة من الأرقام التي تبين أن القوى الأمنية فاعلة وكذلك القضاء. ومما أورده أنه منذ هجمات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وفرض حالة الطوارئ، قامت القوى الأمنية بـ3609 عمليات دهم وطردت 80 إماما وأغلقت 71 موقعا متطرفا ومنعت الوصول إلى 256 موقعا إضافيا، في حين قامت طائراتها بـ800 طلعة جوية فوق العراق وسوريا.
يرى فالس أن وقف العمليات الإرهابية على الأراضي الفرنسية يتطلب العمل على صعيدين: سحق «داعش» في الخارج، وهو ما تدفع إليه باريس عن طريق تكثيف عملياتها الحربية الجوية في سوريا والعراق عبر تعزيز حضورها الجوي مع إعادة إرسال حاملة الطائرات شارل ديغول إلى المنطقة أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، وتوفير المدفعية الحديثة للقوات العراقية. وفي الداخل، من خلال تشديد العمل الأمني ومد حالة الطوارئ. لكن فالس يرى أن «الجواب الأمني» وحده لا يكفي وأن محاربة الإرهاب تعني جميع المواطنين، دولة ومجتمعا مدنيا ومدرسة وشركات وسجونا ومصحات عقلية، من غير أن ينسى الدور الذي يتعين أن يضطلع به المسلمون أنفسهم. وفي رأي رئيس الحكومة الفرنسي أن محاربة ظاهرة التطرف والراديكالية المفضية إلى الإرهاب تتطلب «ثورة» فكرية وبناء «نموذج آيديولوجي» يدحض الفكر التكفيري والراديكالي من خلال «بناء خطاب مختلف».
مع كل عهد جديد، تعود إلى الواجهة قصة العلاقة بين الدولة الفرنسية والإسلام. فالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لا يبدو قادرا على رفع التحدي الإرهابي، لا بل إن رئيسه السابق وعميد مسجد باريس يطالب بإعادة النظر بالمؤسسات الإسلامية. ووضع فالس الإصبع على مشكلتين مزمنتين للإسلام الذي يريده «فرنسيا» وليس «الإسلام في فرنسا» وهما من جهة تمويل بناء المساجد، ومن جهة ثانية تأهيل الأئمة. وفي النقطة الأولى، أبدى فالس انفتاحا على منع «التمويل الخارجي» لتشييد المساجد لفترة «غير محدودة» من أطراف ودول خارجية. وفي النقطة الثانية، طالب بأن يتم تأهيل الأئمة في فرنسا نفسها. والحال، أن فالس يثير مشكلتين لم تجد أي حكومة الحلول الناجعة لهما.
تفيد الأرقام المتوافرة أن في فرنسا 2200 مسجد وقاعة صلاة «بينها 90 مسجدا تصح عليهم هذه التسمية». ويريد بو بكر مضاعفة هذا العدد إلى 4400 مسجد وقاعة صلاة. وعندما يتخطى المسلمون في المدن الفرنسية الصعوبات الإدارية، تبرز بوجههم الصعوبات التمويلية إذ لا يحق للدولة بموجب قانون العام 1905 الفاصل بين الدين والدولة تمويل المؤسسات الدينية. ولذا، يجهد الساعون لبناء المساجد للحصول على التبرعات من المؤمنين، وبما أنها لا تكفي يتوجهون لطلب المساعدة من الدول العربية أو المسلمة. وهذا الأمر ترى فيه السلطات وصاية على الإسلام الفرنسي وبابا لدخول التأثيرات الخارجية التي يريدون كفها عن مواطنيهم المسلمين.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...