عبقرية محمد خان في اللقطات الثرية

في رحيل مخرج كبير‬ قدّم البيئة الشعبية كما لم يفعل مثله أحد

المخرج الراحل محمد خان‬ - من «فتاة المصنع»: أحد أفلامه الأخيرة‬
المخرج الراحل محمد خان‬ - من «فتاة المصنع»: أحد أفلامه الأخيرة‬
TT

عبقرية محمد خان في اللقطات الثرية

المخرج الراحل محمد خان‬ - من «فتاة المصنع»: أحد أفلامه الأخيرة‬
المخرج الراحل محمد خان‬ - من «فتاة المصنع»: أحد أفلامه الأخيرة‬

يترك فارس (محمود حميدة) أدهم بيه (عبد العزيز مخيون) في السيارة التي كان يقودها. يقول له «بردون يا أدهم بيه، فلوسك أهه، والعربية كمان». يغلق باب السيارة ويمضي دون أن يطفئ محركها فتمضي السيارة من دون سائق. أدهم بيه متهالك على مقعده لا يستطيع التحكم بالسيارة. يدير عجلتها فتخرج عن الطريق الريفي وتتقدم نحو الهاوية ثم تتوقف في اللحظة الأخيرة قبل أن تسقط من عل.‬
هذا مشهد من فيلم «فارس المدينة» للمخرج الراحل محمد خان. ليس ما يميّزه عن باقي مشاهد الفيلم سوى ذلك الدمج الدقيق بين الدراما، من حيث موقع المشهد في حكاية بدأت ولم تنته، وبين الخيط البادي من عنصر التشويق. ‬
في حديث خاص مضى، لم يوافق محمد خان على أن أفلامه تنتمي إلى سينما معيّـنة، تشويقية أو بوليسية أو واقعية: «الموضوع يفرض نفسه بالضرورة. عندما أخرج فيلما لا أتصوّره منتميًا إلا إليّ. لكن إذا ما كنت تبحث عن التأثير المباشر فأعتقد أنني أقرب إلى السينما الإيطالية من سواها».‬
«فارس المدينة» (1991) كان من أفضل أعماله، لكن كل أعماله كانت تحتوي على ما هو جيد. مخرج لاقط للتفاصيل. لا يرى السينما على لون واحد، بصرف النظر عن ذلك اللون، وشخصياته كلها تستدعي الاهتمام ولديها ما تعكسه في إيجاز سواء أكانت بطولية أم لا.‬

مدينة نموذجية‬

لم يعد هناك الكثير مما لم يُـكتب ويُـطرح في سينما محمد خان. تناولته كتابات المحللين والنقاد من وجهات كثيرة وبعضها مباشرة بعد وفاته غير الموقوتة في السادس والعشرين من هذا الشهر. بعضهم وجده وريث السينما الواقعية لصلاح أبوسيف لكن الواقعية التي في أفلامه تختلف عن واقعية أبوسيف اختلافًا كبيرًا. وفي تحليلات أخرى هو المخرج الذي قدّم البيئة الشعبية كما لم يفعل مثله أحد، وعند بعض السينمائيين ومثقفي اليمين، هو من اعتاد تشويه الواقع المصري متعمدًا بسبب تصويره حكايات من بطولة أماكن شعبية وشخصيات هامشية.‬
رغم أن هناك نصيبًا من الصحة في معظم ما سبق، إلا أن الصفة الأهم لسينما محمد خان هي سينمائية محضة لا علاقة لها بما صوّره أو أوحى به. نجدها في فهمه لشروط الصورة الصحيحة ولإيقاع اللقطة داخل المشهد والمشهد داخل الفيلم. يعمل محمد خان على منوال أن الفيلم هو حالة فنية للتعبير عن المضمون وليس المضمون نفسه. ما يحدد الفارق المذكور هو كيف سيختار المخرج تصوير عمله لإبراز مضمونه. هذا الاختيار وقف وراء أعمال متعددة المعالجات. ‬بالطبع هو ابن المدينة ويعرف كيف يصوّرها ويجيد كما فعل في «مستر كاراتيه» و«فارس المدينة» و«الحريف»، لكنه ابن المجتمع المصري ويعرف كيف يمنح مشاهديه فرصة الاطلاع عليه واقعيًا، كما في «مشوار عمر» و«عودة مواطن» و«سوبر ماركت». في الوقت ذاته هو صاحب المعالجة الحسّـاسة لشخصياته التي لا تشبهها شخصيات أخرى في أفلام سواه مثلما في «هند وكاميليا» و«خرج ولم يعد» و«زوجة رجل مهم». على كل ذلك، كل واحدة من هذه المجموعات تملك خصال المجموعة الأخرى. بالتالي أفضل أفلام المخرج (وليس من بينها ما هو رديء) هي تلك التي حوت كل تلك العناصر بمقادير مختلفة.
المدينة بالنسبة لمحمد خان هي نموذجية لتصوير العلاقة بين الناس وبين الناس والمجتمع ومن ثم بين المجتمع وتقاليده وتطلعات الإنسان للخروج من تلك التقاليد صوب حرية غير مؤطرة. في مطلع أكثر من فيلم، بينها فيلمه الأول «ضربة شمس» (1980) و«فارس المدينة» يلقي نظرة على المدينة من فوق. بخط مستقيم، يشبه خط قناص، يصوّب الكاميرا صوب الحياة العابقة تحته قبل أن ينتقل ببطله إلى الشوارع ذاتها.
عندما تسوح الكاميرا في شوارع المدينة، تنقل معالمها البشرية والمكانية بتلقائية ومن دون تعمد. الغاية منها هو المعايشة الواقعية عبر ربط الشخصية الرئيسية، نور الشريف في «ضربة شمس» وعايدة رياض ونجلاء فتحي في «أحلام هند وكاميليا» ومحمود حميدة في «فارس المدينة».‬

تفاصيل الحياة‬

ليس صدفة أن هذه الأفلام تحمل عناوين مزدوجة فـ«ضربة شمس» هي الضربة التي تصيب البعض حين ارتفاع الحرارة وضربة بطل الفيلم واسمه شمس. «أحلام هند وكاميليا» هو عن حلم امرأتين تعيشان في قاعة المدينة، وعندما تنجب إحداهما، تسميها أحلام وتقرر المرأتان رعايتها معًا فإذا بها تصبح أحلام المنتمية إلى هند وكامليليا. أما «فارس المدينة» فالبطل اسمه فارس، وهو فارس بحق. شهم وذو شخصية مهيبة يقبل على المخاطر وينجو منها.
لكن إذا ما كانت أعمال محمد خان (ومنها ما خرج إلى الريف مثل «خرج ولم يعد») أو إلى الساحل (كما «يوسف وزينب» الذي صوّره في جزر المالديف و«قبل زحمة الصيف»، فيلمه الأخير الذي صوّره في الإسكندرية) أو كان مشوارًا على الطريق (كما في «طائر على الطريق» الذي استوحى منه خان زاويته المفضلة في الصحف «مخرج على الطريق») دقيقة في لقطاتها التفصيلية (يد سعاد حسني في «موعد على العشاء» وهي تحاول الضغط على أحد أزرار المصعد محاطة بأبدان الرجال كما لو كانت يدها صرخة ضد القهر الذكوري) ومتشابكة الرموز (مظاهرة عابرة وراء ظهر بطلة «فتاة المصنع») إلا أن خان لم يتخل مطلقًا عن سينما فنية بسيطة إلا عندما حقق «أيام السادات» سنة 2001، ليس أنه تخلى عن الفن أو أن الفيلم لا يرتقي إلى مستوى أعماله الأخرى، لكنه نفّـذ فيلما مختلفًا من حيث أنه سيرة حياة شخصية حقيقية كان على المخرج معالجتها كعمل غير ذاتي قدر الإمكان.‬
في أعماله جميعًا (23 فيلما طويلاً) عنى بتشابك الشخصيات من دون افتعال خطوطها. دائما ما كان رقيقًا في رسم خطوطه المستقيمة أو الدائرية. تلك التي تربط ما بين شخصين يتواجهان، أو تلك التي تضع شخصيّـتين أخريين في تعامل متبادل (كشخصية الزوجة ميرڤت أمين وزوجها أحمد زكي في «زوجة رجل مهم») كما كان رقيقًا وعاطفيًا في حبه للمرأة. صور الرجل على أنه شقي وذو جوانب. أما المرأة فكانت طاهرة وجميلة وحالمة. لكن في عدد من أعماله يطفو حزن الوضع على الجميع: على كل أبطال «الحريف» (الفيلم الذي قيل عن عادل إمام بأنه ندم عليه لأنه لم يكن كوميديًا)، وعلى معظم شخصيات فيلم «مشوار عمر» (1986). في الواقع العلاقات المرسومة بين شخصيات «مشوار عمر» هي من أفضل ما رسم من علاقات في السينما المصرية، إذ تنقل كل شخصية من حال لآخر تبعًا للوضع الذي يفرضه غريمه، فالجلاد يتحوّل إلى ضحية والضحية إلى جلاد قبل العودة إلى الوضع السابق لكل منهما، وكل ذلك من دون مبالغات أو مشاهد مسرحية مفتعلة.‬
يطول الحديث في سينما محمد خان لأنها تستحق كل تفصيل يذكر فيها. أي مساحة لبحث فيها يدلف إلى عوالم وجوانب مختلفة تمتد من حرفته الفنية إلى أسلوبه السردي ومنهما إلى تعامله مع الشخصيات وموقعه من الحياة عبرها. لا يفرض الرأي بل يدع المشاهد يستخرج أكثر مما كان يعتقد ذلك المشاهد أنه سيخرج به.‬



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز