مشاركون في منتدى أصيلة يرصدون العلاقة بين الدين والدولة

دعوا إلى إنتاج نخب جديدة قادرة على انتشال العالم العربي من المأزق الحالي

مشاركون في منتدى أصيلة يرصدون العلاقة بين الدين والدولة
TT

مشاركون في منتدى أصيلة يرصدون العلاقة بين الدين والدولة

مشاركون في منتدى أصيلة يرصدون العلاقة بين الدين والدولة

أجمع مشاركون في افتتاح ندوة «النخب العربية والإسلامية، الدين والدولة» المنظمة ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي الـ38 في مكتبة بندر بن سلطان بأصيلة، على ضرورة خلق نخب جديدة قادرة على النهوض بالعالم العربي والإسلامي وانتشاله من مسلسل القتل والدمار الذي يعيشه يوميا ويؤدي إلى انهياره.
واستهل محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة ووزير خارجية المغرب الأسبق كلمته في الندوة حول دور النخب العربية والإسلامية خلال الحراك العربي، وقال إن التحولات الجارية في المنطقة تستدعي مناقشته لتحليل الوضع الفوضوي واللاعقلاني في عدد من الدول العربية، والذي نتج عنه ما وصفه بـ«الكائنات المتوحشة» التي تحترف القتل الأعمى والتدمير الشامل باسم الدين والإيهام بالدولة.
واعتبر بن عيسى أن النخب «وقفت عاجزة عن التأثير في الحشود الهائجة التي اقتحمت واحتلت الساحات والميادين، وباعتراف جل المحللين والدارسين فإن أغلبية النخب ظلت منكفئة على ذواتها تشاهد ما يحدث أمامها في حالة من الدهشة والذهول، ولا تعرف السبيل لتجاوز اللحظة الحرجة للخروج من الدوامة.
نتيجة لذلك، تساءل بن عيسى حول وجود نخب عربية وإسلامية حقيقية مكتملة الصفات، وإذا كان يصح من الناحية العلمية الحديث عن نخب في مجتمعات لم تعش ثورات فكرية عميقة مثل التي حدثت في مجتمعات غربية، وهي كذلك لم تعرف تحولات اجتماعية واقتصادية وصراعا بين الطبقات، ولا حروبا دينية وعرقية لكي تنبعث منها في النهاية نخب متنورة من رماد المعارك وصراع الأفكار والمذاهب.
وكخلاصة، شدد بن عيسى على القول إن العالم العربي الإسلامي غير قادر على صنع عصر تنويره ولا أن يحافظ على نظمه السياسية ولا عن كيانه الوطني ووجوده البشري والجغرافي والحضاري. وأكد بن عيسى على ضرورة فصل الدين وعزله عن الممارسات والتوجهات التي يباشرها الأفراد والجماعات في المجتمعات العربية والإسلامية، خاصة أن دروس التاريخ أثبتت أن رجال الدين، خاصة منهم المنغلقين، حينما يتسلمون أمور الدولة لا تسلم العواقب، وهذا لا يعني إقصاء المكون الديني واستبداله بآخر آيديولوجي بذريعة الحاجة إلى علمانية هجينة، بل القصد منه حث النخب العربية والإسلامية من أجل التفكير وصياغة منظومة مبنية على مبادئ التعايش بين الطوائف والمعتقدات.
من جهته، تحدث محمود جبريل رئيس الحكومة الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عن مفهوم الدولة في السابق والمعروف بالدولة الوطنية، بمعنى تطابق الوطن والدولة، وهو المشروع الذي لم تتمكن الحكومات العربية برأيه، من تحقيقه على أرض الواقع كما لم تتمكن من تحقيق الأمن الوطني، حسب قوله، وعزا ذلك إلى أن الدول العربية هي مزيج من الإثنيات والطوائف والقبائل. «وبالتالي فإن الانصهار الوطني في عمق قضية المواطنة لم يكن من الممكن أن ينجح، فكانت النتيجة طرد أغلب شباب المنطقة العربية ودفعت بهم إلى المزيد من التطرف في غياب مشروع نهضوي حضاري، وبعد سقوط الأنظمة ظهرت الأوطان الأصغر من خلال الطوائف والإثنيات».
وأوضح جبريل أنه تم التكالب على الدولة من طرفين اثنين، الأول طرف أقصي تنمويا فاندفع بسبب غياب المشروع التنموي إلى تبني «الماضي يحكم الحاضر» لفهم مغرق في ظلاميته، والثاني يتمثل في أن الدولة نفسها وحكامها وصانعي قراراتها لم يدركوا التغيرات الكونية التي بدأت تعصف بالعالم منذ منتصف الثمانينات والتي خلقت مجتمعا جديدا غير معروف، وهو ما قابلته الحكومات العربية بأنظمتها القديمة فكان الثمن سقوطها، لأنهم لم يدركوا أن الدولة يجب أن تحتضن أبناءها فتتكامل قضية الوطن وإحداث دولة المواطنة والدولة الوطنية.
وأضاف جبريل موضحا أن المجتمع الجديد أسس لمفاهيم جديدة وأصبح الفرد ممكنا تكنولوجيا ومعرفيا ولا تنفع معه الأنظمة القديمة التي تبنتها الحكومات العربية فكان الثمن باهظا من خلال سقوطها.
وعن الدولة والدين، أبرز جبريل أن النقاش حول من يتبنون الدين ومن يرفضون الدين أو يفصلون الدولة عن الدين هو أمر غير حقيقي، لأن الصراع على الحكم منذ بداية الإسلام كان صراعا سياسيا بامتياز فهو لم يكن حول نظام الحكم بل كان حول من يحكم».
وحول «النخب العربية والإسلامية.. الدين والدولة»، قال عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، إن موضوع الندوة يتجاوب والمرحلة التي يعيشها العالم بأسره وليس فقط العالم العربي والإسلامي. وأوضح في مداخلته أن المواقف التي تتخذها النخب الفكرية والثقافية والسياسية حول العلاقة بين الدين والدولة تتم انطلاقا من تصورات معينة واجتهادات متنوعة لها مرجعياتها الفكرية، مما يؤدي إلى اختلافات في الرؤية والفهم تنعكس على الدلالات الواقعية للقضية المطروحة، ولذلك فإن معالجة التعدد في المفاهيم تصبح من الضرورات الفكرية.
وعن العلاقة بين الإسلام والسياسة، قال التويجري إن خبرة التاريخ وتجربة الممارسة تؤكدان أن التعدد في المفاهيم الرائجة يضيق من مساحة الفهم والتفهم، فإذا كانت المفاهيم تنبت من الثقافة السائدة وتستند إلى الخصوصيات الروحية والثقافية والقانونية، فإن التعامل مع المفهوم سواء كان الدين أو السياسة ينبغي أن يقوم على أساس الاستيعاب العميق لتلك المواضيع.
وأشار التويجري إلى أنه يجب التوضيح أن الإسلام لم يحدد نمطا معينا للدولة لا يتجدد ولا يتطور، بل وضع المبادئ وأرسى الأسس ورسم المعالم وحدد الإطار، ثم ترك للمسلمين انتهاج ما يرونه مناسبا لواقعهم ومستجدات حياتهم ومستجيبا لقضايا عصرهم في ظل مقاصد الشريعة.
ولأن الإسلام لم يأت بنموذج واحد للحكم ولا بشكل محدد للسياسة، يرى التويجري، أن إضفاء الصفة الإسلامية على أي نوع من الحكم أو على السياسة هو تجاوز لا أصل له. وعلى هذا الأساس، يقول التويجري إنه يجب النظر إلى الجماعات والأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية التي ينسبها أصحابها إلى الإسلام والتي لا يجوز أن ينسب الإسلام إليها، وأن يحكم عليها بالشروط المعتمدة في المنهج الإسلامي القويم لمعرفة إذا ما كانت المقاصد هي خدمة المجتمع الإسلامي والنهوض به من كافة النواحي وحفظ مصالح العامة والحقوق الإنسانية وحماية الهوية الروحية والثقافية والتشريعية والحضارية وإقامة العدل بالضوابط المحكمة وبالوسائل الحكيمة بغير ادعاء وشطط أو التشدد وتعسف أو تطرف وغلو.
ولكن التويجري أكد أنه يتعين أن نقول: «إذا كان احتكار الدين للسياسة في المجتمعات المسلمة بالمعنى السلبي المتداول لا يجوز وفق المنهج الإسلامي في الحكم، فإن إقصاء السياسة للدين والتعصب أمر مرفوض، لأن في ذلك عدوانا على الدين وانتهاكا صارخا لحقوق الإنسان».
أما صالح القلاب، الكاتب والمحلل السياسي ووزير الإعلام الأردني سابقا، فاستهل مداخلته حول تنظيم داعش، وأن وجوده ليس صدفة ولم يأت عشوائيا، فهو يقدم طرحا بأنه نموذج عن الإسلام وعن الدولة، وهذا الأمر تراكمي، موضحا أنه «قبل مائة سنة كانت أغلب الدول العربية جزءا من الدولة العثمانية، فهي لم تكن دولة قومية أو دولة وطنية كما أنها ليست إسلامية، وعندما نتحدث عن الدولة فإننا نتحدث بالتالي عن الدولة المدنية أو الدينية، ولذلك رفعنا سابقا محاولات الدولة القومية في سنوات ما بعد الخمسينات وتم رفع شعار (الدين لله والوطن للجميع)».
أما الحديث عن الدولة الدينية فهو يحيل إلى الإسلام السياسي، الذي وصفه القلاب بـ«كارثة الكوارث»، مشيرا إلا أن أول معالم إحداث دولة في الإسلام لم يتم فيها تكوين دولة دينية، ونحن الآن لا نتحدث عن مشكلة دينية تتعلق بالدولة فقط، لأن الصراع في المنطقة العربية تحول إلى صراع طائفي.
وبشأن ما يجري في العراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى، يرى القلاب أنه تجاوز الصراع الموجود سابقا وأصبح صراعا ذا طابع طائفي، مشيرا إلى محاولات التقسيم في هذه الدول وغيرها على أسس طائفية في ظل فشل الكثير من الحكومات والأنظمة في تكوين دولة قومية على الطريق القويم.
من جانبه، تطرق محمد الخليفة وزير الصناعة التقليدية المغربي سابقا إلى مفهوم النخب العربية والإسلامية في الظرفية الراهنة، واعتبر أنها هي القادرة فكريا وعقيدة واجتهادا وآيديولوجية وباستقلال تام أن تلجم الواقع المفروض على الأمة وتتصدى لكل المؤامرات التي يتعرض لها العالم العربي والإسلامي، ويجب أن تكون قادرة على إعلان الثورة المضادة ضد واقعنا المتأزم والمؤلم والعصي عن الفهم حتى يمكن أن ننطلق من جديد، ولا ننساق وراء التحليلات الآيديولوجية والدينية والسياسية، خاصة أن الكثير من دول العالم العربي تدمر والكل مهدد، ونحن بحاجة ماسة إلى فكر جديد ونخب واعية لتشكل ثورة حقيقية وناجحة يسبقها تأطير فكري سليم.
وتساءل الخليفة حول ما إذا حان الوقت لبروز نخب جديدة في العالم العربي والإسلامي واعية بدورها الطلائعي في المجتمع ومستوعبة لمتطلبات العصر ومسلحة بالعلم والمعرفة الضروريين لإنتاج فكر جديد ومتجدد ومتشبعة بالحضارة الإسلامية والعربية وثقافتها وعارفة بتطور تاريخها وإسهاماتها البارزة في بناء الحضارة الإنسانية، ومنفتحة بوعي على ثقافة الآخر وحضارته.



إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.


العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.