الإرهاب.. تعددت الأوصاف والجريمة واحدة

خبراء لـ «الشرق الأوسط»: مختلون عقليًا أو راغبون في الانتحار.. كلهم نماذج لـ«التطرف»

ضباط شرطة ألمان يجمعون الأدلة الجنائية من موقع الهجوم الانتحاري في مدينة أنسباخ (إ.ب.أ)
ضباط شرطة ألمان يجمعون الأدلة الجنائية من موقع الهجوم الانتحاري في مدينة أنسباخ (إ.ب.أ)
TT

الإرهاب.. تعددت الأوصاف والجريمة واحدة

ضباط شرطة ألمان يجمعون الأدلة الجنائية من موقع الهجوم الانتحاري في مدينة أنسباخ (إ.ب.أ)
ضباط شرطة ألمان يجمعون الأدلة الجنائية من موقع الهجوم الانتحاري في مدينة أنسباخ (إ.ب.أ)

كثيرًا ما يقال إن الإرهابي في عين رجل ما يبدو بطلاً في عين رجل آخر، لكن هذا القول صحيح في جزء منه فحسب. بالنسبة لأي خبير، من السهل تعريف الإرهاب: إنه استخدام العنف أو التهديد بالعنف لخلق الخوف داخل مجموعة مستهدفة من السكان المدنيين في محاولة لتعزيز أجندة سياسية أو دينية.
بوجه عام، من الواجب توافر عدة عناصر في عمل كي يعد عملاً إرهابيًا، حيث ينبغي أن يشمل استخدام العنف، واستهداف مدنيين، ويسعى لبث الخوف في النفوس، وقبل كل ما سبق، ينبغي أن يكون العمل نابع عن حافز يرتبط بهدف أو مشروع أوسع، كما نرى في أفعال الدم والإرهاب التي انتقلت من فرنسا وبلجيكا إلى ألمانيا في غضون أيام.
من الناحية الفنية، لا تحمل مسألة ما إذا كانت هذه الأجندة مبررة، حيث يبقى الإرهاب تكتيكًا، لكن مدى صحة استخدام التكتيك لا تحمل أهمية في حد ذاتها. وعليه، نجد أن هجمات 11 سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة وهجمات 7 يوليو (تموز) في لندن تمثل أعمالاً إرهابية بوضوح.
يقول جيسون بيرك - خبير مكافحة الإرهاب من صحيفة «الغارديان» وله أكثر من كتاب عن التطرف والمتشددين منذ هجمات سبتمبر حتى اليوم منها «القاعدة: القصة الحقيقية للإسلام الراديكالي»، و«في الطريق إلى قندهار» ينطبق القول ذاته على التفجيرات الكثيرة التي ضربت على مر السنوات العراق ونفذها تنظيم داعش أو الجماعات السابقة لها. وكذلك الحال مع التفجيرات التي أسفرت عن مقتل أكثر من 80 شخصا من طائفة الهزارة في كابل، السبت الماضي.
ويتساءل الكاتب الصحافي بيرك مؤلف «حروب 9/11» الذي أصدره في الذكرى العاشرة للهجمات: هل كان الهجوم الذي ضرب نيس في وقت سابق من الشهر عملاً إرهابيًا؟ على نحو متزايد، يتضح أمامنا أن منفذ الهجوم له تاريخ مع الاكتئاب، تبعًا لما ذكرته أسرته، لكن لا يبدو في الوقت ذاته أنه عانى من خلل ذهني خطير، في حدود علمنا. وتبعًا للمدعي العام بباريس فرنسوا مولين، فإنه على ما يبدو عمد هذا الشخص إلى التخطيط لهذا الهجوم منذ أكثر من عام. وهناك أدلة أيضًا تشير إلى أن محمد لحويج بوهلال استوحى إلهامه من دعايات «داعش»، لكن لا تتوافر دلائل توحي بأن التنظيم أمر بتنفيذ الهجوم أو تولى المشاركة في تنسيقه حتى وإن ادعى مسؤوليته عنه. وقد استهدف الهجوم مدنيين في فرنسا كانوا يحتفلون بيوم الباستيل الذي يحمل قيمة كبرى للفرنسيين، الأمر الذي يعكس سمات الهدف المعتاد بالنسبة للمتطرفين.
ويقول بيرك إن العمل الذي ارتكب في نيس الفرنسية كان متوافقًا مع غالبية التعريفات للعمل الإرهابي. يقع خلف الهجوم مشروع آيديولوجي أكبر - بل وهناك ادعاء للمسؤولية من قبل تنظيم إرهابي هو «داعش». كما أن الهدف يعد كلاسيكيًا بالنسبة للإرهابيين - ذلك أنه يحمل قيمة رمزية، إضافة إلى ترويع العمل لسكان مدنيين. أما مسألة أن بوهلال لم يكن مسلمًا مواظبًا على أداء شعائر الدين فلا تخلق اختلافًا كبيرًا في التحليل الفني لهذا العمل الدموي.
ويضيف: ليس ثمة ما يدعو للاعتقاد أيضًا بأن عمر متين، الذي قتل 49 شخصًا داخل أورلاندو في فلوريدا داخل الولايات المتحدة، كان مريضًا نفسيًا. مثل بوهلال، استخدم متين العنف ضد زوجته، لكن ليس لديه تاريخ يتعلق بمرض نفسي خطير. وقد أعلن متين ولاءه لتنظيم داعش، ورغم أن دوافعه ربما ما تزال مبهمة، فإن ما فعله يتوافق بالتأكيد مع التعريف الفني للإرهاب.
إلا أن ما فعله علي سنبلي، مثلما الحال مع الكثير من مطلقي النار في الولايات المتحدة وأقل منهم كثيرًا في العدد داخل المملكة المتحدة، لا يتماشى مع تعريف الإرهاب.
ويقول بيرك: «كان سنبلي قضى بعض الوقت في البحث عبر الإنترنت عن عمليات إطلاق النار العشوائي الواسعة، بما في ذلك ما وقع في مدينة فينيندين، بل وزار الموقع بالفعل والتقط صورًا له. كانت المدينة قد شهدت عام 2009، قتل تيم كريتشمر، 17 عامًا، 15 داخل مدرسته السابقة قبل أن يهرب من المكان ويقتل نفسه». وأعلن رئيس شرطة ميونيخ أن المراهق كان «مهووسًا بأعمال القتل العشوائية».
كما عثر المحققون في الكومبيوتر الخاص بسنبلي على صور لأنديرز بريفيك الذي قتل 77 شخصًا في النرويج عام 2011، وقد خطط مسلح ميونيخ هجومه في الذكرى الخامسة لحادث إطلاق النار الذي نفذه بريفيك واستخدم السلاح ذاته - مسدس «غلوك 17». وقد كتب سنبلي بيانًا لم يكشف النقاب عنه بعد بخصوص الهجوم. هل كان لديه مشروع سياسي؟ ربما، وإن كان من غير الواضح ما إذا كان سنبلي سعى لإرهاب الناس. المؤكد أننا سنعلم المزيد عن حقيقة الهجوم خلال الأسابيع والشهور المقبلة. وعليه، فإن هذه الحالة أقل وضوحًا عما حدث في أورلاندو ونيس. وربما يتضح نهاية الأمر أنه عمل إرهابي - وإن كان نمطًا نادرًا من الأعمال الإرهابية. بطبيعة الحال تكمن المشكلة في أن تعريفات الإرهاب لا تتوافق دومًا بصورة كاملة مع الحقائق على أرض الواقع، وبالتالي يترك مساحة للأحكام الشخصية. بعد 15 عامًا أو أكثر على الإرهاب العنيف على أيدي جماعات وأفراد تزعم أنها تستوحي إلهامها من الإسلام، أو تعمل باسمه، أصبح الكثيرون داخل الغرب يربطون بين الإرهاب والتطرف الإسلامي. كما يربط عدد أقل بين المسلمين والإرهابيين. وبذلك نجد أن مصطلح الإرهاب انتقل من المجالين الأكاديمي والفني ودخل إلى مجال التحامل والتحيز.
بوجه عام، اتسم الجدال دومًا حول ما يشكل الإرهاب بطابع سياسي قوي، لدرجة أن الأمم المتحدة استغرقت ثلاثة عقود حتى تتمكن أخيرًا من الاتفاق على تعريف للإرهاب، وحتى هذا التعريف ما يزال محل خلاف كبير.
من بين النتائج التي ترتبت على ذلك أن التعريف الفني والأكاديمي للإرهاب عادة ما يتجاهله المعلقون والمسؤولون بمناصب عامة. والملاحظ أن الخبراء والسياسيين يتورطون على نحو متزايد في إصدار أحكام رديئة وسلبية النتائج وسابقة لأوانها بخصوص أي عمل عنيف متورط به أشخاصًا قد يكونون مسلمين، حتى ولو كان العمل غير إرهابي والجناة غير مسلمين.
ويعد هذا الأمر من أكثر التوجهات المثيرة للقلق في يومنا الحالي، ويعكس ما يعتقده الملايين من أبناء أوروبا والولايات المتحدة، وكذلك المزاج العام السائد والتحاملات القائمة داخل العالم الإسلامي تجاه الغرب. ويعتبر هذا النمط من الاستقطاب ما يسعى «داعش» لتحقيقه، وسيعود عليها بمزيد من المجندين والتعاطف، لتتفاقم بذلك دائرة مفرغة من العنف.
وفي منتصف الشهر الحالي أعقاب حادث الدهس الذي نتج عنه مقتل 84 في مدينة نيس، وما سبقه من حادث إطلاق مراهق شاذ النار في نادي للشواذ في أورلاندو الأميركية، طرحت صحيفة «نيويورك تايمز» سؤالا في عنوان تقريرها حول ماذا إذا كان من ينفذون الهجمات إرهابيين أم مختلين عقليا؟
فقد تكررت هذه الحوادث مؤخرا ولكن ظل التركيز علي وصفها بأنها إرهابية بينما هي ببساطة «محاولات انتحار» من مختلين عقليا، يستهويهم نمط «داعش» في تفجير أنفسهم أو إطلاق النار عشوائيا، أو دهس المواطنين فيقدمون على طرق الانتحار الجديدة هذه. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2014، قام رجل في منتصف عمره بدهس ما يزيد عن اثني عشر من المشاة خلال ثلاثين دقيقة، بشوارع ديجون في فرنسا، ووصف المُدعي العام الحادث بأنه «بفعل شخصٍ غير متزن عقليًا، ذي دوافع غامضة وغير متماسكة».
يقول د. هاني السباعي خبير الجماعات المتطرفة مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن لـ«الشرق الأوسط»: «إرهاب أم اعتداء.. تباينت الأوصاف إلا أن الجريمة واحدة»، ويشير إلى أن الإعلام الغربي يضع المسلم في صورة نمطية ترسخ في ذهن الرأي العام الغربي هي شيطنة الإسلام والمسلمين، وتحسين صورة الغربي غير المسلم مهما ارتكب من جرائم، لذلك يركز على دين مرتكب الجريمة عندما يكون الفاعل مسلما.
ويضيف السباعي: على الطرف الآخر لا يوصم مرتكب الجريمة بالإرهاب ولا يذكر دينه إذا كان غير مسلم، وقد شاهدنا ذلك في النرويج في عملية إرهابيه إجرامية حصلت في أوسلو، ورغم ذلك استبعد الادعاء في محاكمة انديرس بيهرينج بريفيك 2011 تهمة الإرهاب واكتفى بتوجيه جريمة القتل إليه، وحكم عليه بالسجن 21 عامًا فقط، ومكنته إدارة السجن من التحضير لرسالة الدكتوراه.
وقد مرت الذكرى الخامسة لجريمة بريفيك أول من أمس، وراح ضحيتها 85 شابا وشابة في مقتبل العمر من اتحاد شبيبة حزب العمال النرويجي، الذين كانوا موجودين في مخيم صيفي بالجزيرة، وقبل تنفيذ مذبحته في الجزيرة الصغيرة بساعات قام بريفيك بقتل ثمانية أشخاص آخرين في تفجير استهدف مبنى حكوميا وسط العاصمة أوسلو.
ويقول السباعي إن توماس ماير قاتل النائبة البريطانية «جو كوكس» رغم أنه عضو في جماعة النازيين الجدد وتاريخه معروف لدى الشرطة البريطانية، فهل وصفه الإعلام البريطاني بالإرهابي؟ ولم يذكروا ديانته؟ بل قالوا إنه مجرد يميني متعصب.
ويوضح السباعي أن الإعلام الغربي يركز على الإسلام والمسلمين في الحوادث الإرهابية، لأن المسألة عندهم أن الإسلام هو مصدر الإرهاب، حتى لو كان الشخص مرتكب الفعل الإجرامي ليس ملتزما دينيا، إلا أن الأحكام مسبقة ضد الإسلام والمسلمين، لكنهم في الوقت ذاته يؤكدون أن الحضارة الغربية حضارة نقية متسامحة خالية من الشوائب أما النصرانية فليست مصدرا للإرهاب كالإسلام، لذلك تجد المبررات جاهزة إذا كان المجرم غير مسلم، فلا يذكرون ديانته ولا يوصم بالإرهاب يقولون مصاب «بخلل عقلي» أو يعاني من مشاكل نفسية، كما حدث في ميونيخ وقبلها في مواقع أخرى، وآخرها أمس في انسباخ بألمانيا.



ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.