في المحطة الأخيرة من دورتها في ويلز واسكتلندا وآيرلندا، استبعدت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، أمس، في بلفاست فكرة احتمال عودة «الحدود السابقة» والجمارك مع آيرلندا المجاورة بعد التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في محاولة لطمأنة سكان آيرلندا الشمالية.
وقالت خلال مؤتمر صحافي: «لا أحد يرغب في العودة إلى الحدود السابقة»، واعدة بالتوصل إلى «حل عملي» لكل أنحاء الجزيرة. وأضافت: «سيكون لآيرلندا الشمالية بالطبع حدود مع آيرلندا التي ستبقى عضوا في الاتحاد الأوروبي، لكن لدينا منطقة سفر مشتركة بين المملكة المتحدة وجمهورية آيرلندا منذ سنوات عدة قبل أن يكون كلا البلدين أعضاء في الاتحاد الأوروبي».
وبعد اسكتلندا وويلز، تنهي ماي التي تولت مهامها قبل أقل من أسبوعين جولة على أجزاء المملكة المتحدة ركزت فيها على مساعيها من أجل حماية «الوحدة» بين هذه الدول. والتقت ماي في بلفاست نظيرتها الآيرلندية الشمالية أرلين فوستر، التي ستحاول إشراكها في الاستعدادات، لبدء تطبيق إجراءات خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.
وكانت ماي أعلنت في وقت سابق في بيان: «لقد قلت بوضوح إننا سنتمم عملية بريكست بنجاح، وأن الأمر سيكون كذلك في آيرلندا الشمالية وأيضا فيما يتعلق بحدودها مع جمهورية (آيرلندا) العضو في الاتحاد الأوروبي».
ومنذ العام 1922، يستفيد السكان في جمهورية آيرلندا والمملكة المتحدة من حرية التنقل بينهما مع إجراءات تفتيش بسيطة على الحدود. ويثير التخوف من تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قلق القوميين في آيرلندا الشمالية، الذين يرون في بروكسل سلطة موازنة للندن.
وخلال الحملة للاستفتاء، حذر ناشطون مؤيدون للبقاء في أوروبا من أن خروج البلاد يمكن أن يؤدي إلى تصعيد في التوتر في المنطقة، التي يشتبه بأن مجموعات جمهورية انفصالية لا تزال ناشطة فيها بعد 18 عاما على «اتفاق الجمعة العظيمة». وكان الاتفاق، الذي أبرم في عام 1998، يهدف إلى وضع حد «للاضطرابات»، وهو التعبير المستخدم للإشارة إلى النزاع بين مؤيدي الاتحاد مع بريطانيا وبين القوميين الذين يريدون الاتحاد مع آيرلندا، وأوقع 3500 قتيل بين 1969 و1998.
وأكدت ماي في البيان أن «السلام والاستقرار في آيرلندا الشمالية سيظلان دائما من أولويات حكومتي». وكانت آيرلندا الشمالية على غرار اسكوتلندا ولندن صوتت في الغالبية لصالح بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
من جهتها، قالت رئيسة وزراء اسكتلندا نيكولا ستيرجن إنها ستبدأ التحضيرات للإبقاء على خيار الاستقلال عن بريطانيا مطروحا بعد الاستفتاء الذي أيد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقالت في خطاب ألقته أمس الاثنين: «إذا ما وجدنا أن مصالحنا لا يمكن حمايتها ونحن جزء من المملكة المتحدة، يجب أن يكون الاستقلال أحد الخيارات التي يكون من حق اسكتلندا بحثها». وأضافت: «ولذلك سنتخذ الخطوات التحضيرية لضمان أن يكون ذلك خيارا مطروحا أمام البرلمان الاسكتلندي، إذا اعتبر البرلمان ذلك ضروريا».
وعن عملية الخروج من «الأوروبي»، قال المتحدث باسم الوزارة المهتمة بهذا الشأن والمعروفة إعلاميا بوزارة «البريكست» في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» إنها تسعى إلى دعم رئيسة الوزراء البريطانية على مستوى السياسات لتسهيل عملية الخروج، إلى جانب التشاور مع حكومات ويلز واسكتلندا وآيرلندا. كما تعمل على الحفاظ على العلاقات المتميزة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بعد الخروج الفعلي من التكتل. ونفى المتحدث الأنباء التي تناقلتها وسائل إعلام بريطانية، أبرزها صحيفة «التايمز»، عن توظيف 10 آلاف موظف جديد لتولي عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي، مؤكدا أنه «لا أساس لها من الصحة، وهي مجرد تكهنات».
في سياق متصل وفي إطار الإجراءات القانونية التي تقودها شركة قانونية مرموقة في لندن بحق الحكومة البريطانية لضمان طرح الخروج من الاتحاد الأوروبي على البرلمان قبل تنفيذه، قال إيفو إيليك جبارة، المتحدث باسم المدعية الرئيسية، لـ«الشرق الأوسط» إن القضية طرحت على المحكمة العليا في لندن الأسبوع الماضي، وأقرت الأخيرة بمشروعية الدعوى، وحددت جلسة جديدة في المنتصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وأوضح جبارة، وهو المتحدث الرسمي باسم جينا ميلر المدعية الرئيسية في القضية المرفوعة ضد الحكومة البريطانية، أنه تم رفع سبع دعاوى قضائية على الأقل، من طرف شركة «ميشون دي رايا»، لإجبار الحكومة على قبول فكرة ترك القرار للبرلمان لتحديد ما إذا كانت بريطانيا ستُفَعِّل المادة 50 من معاهدة لشبونة أم لا، بدلا من ترك الأمر لرئيسة الوزراء. وعينت المحكمة جينا ميلر، المدعية الرئيسية، لينطبق الحكم النهائي في القضية على الدعاوى الست الأخرى المشابهة.
وعن هدف القضية التي رفعتها ميلر، أوضح جبارة أن الأخيرة مواطنة بريطانية تسعى إلى ضمان تطبيق الديمقراطية والقانون، وإعطاء البرلمان جل صلاحياته المشروعة، مؤكدا أن الحكومة أفادت بعد الجلسة الأولى في المحكمة أنها تأخذ القضية بعين الاعتبار. وفي حال لم تستجب الحكومة لمطالب ميلر ورفضت مصادقة البرلمان على المادة 50 قبل تفعيلها، قال جبارة إن المحكمة العليا في المملكة المتحدة ستنظر في القضية في شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وكانت «ميشون دي رايا» أولى الجهات التي باشرت إجراءات قانونية استباقية إلى عرقلة أي محاولة تقوم بها رئاسة الوزراء لتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، دون مصادقة البرلمان بغرفتيه على ذلك. وأوضح مصدر في الشركة القانونية في وقت سابق أن الشركة تمثل جهات لم تعرفها احتراما لسرية العملاء، واكتفى بوصفهم بـ«مجموعة مواطنين بريطانيين يريدون التأكد من تنفيذ العملية طبقا للدستور، ومن ممارسة البرلمان لدوره الديمقراطي». أما عن الجهة التي تدفع مستحقات الشركة، فقال المصدر إنه أمر سري بين الشركة وعملائها. وأوضح أن دائرة العملاء الذين يلتحقون بالمجموعة الأصلية تتسع بسرعة، مشيرا إلى أنه سيتم الكشف عن هوية العملاء إذا طرحت القضية في المحكمة.
وردا على سؤال «الشرق الأوسط» مطلع الشهر الحالي، قال المصدر إن الشركة بدأت في التواصل مع محاميي الحكومة منذ 27 يونيو (حزيران) الماضي استجابة لطلب عملاء، وطالبتهم بـ«الكشف عما تنوي الحكومة القيام به فيما يتعلق بالمادة 50. وموقفها من العملية القانونية التي ينص عليها الدستور، التي ستؤطر الانسحاب من الاتحاد الأوروبي»، مضيفة أن الشركة ستتجه إلى المحكمة للبت في القضية إن كان هناك تباين في المواقف.
وترى الشركة أن تنفيذ الحكومة لقرار الخروج من الاتحاد الأوروبي دون خضوعه لفحص دقيق في البرلمان البريطاني بغرفتيه ومصادقته عليه، إلى جانب التشاور مع الجهات المفوضة في آيرلندا واسكتلندا وويلز، سيكون مخالفا للقانون ومعرضا لدعوى قضائية ستؤثر سلبا في مفاوضات الخروج مع قادة الاتحاد، وعلاقات بريطانيا بهم سياسيا واقتصاديا.
وردا عما إذا كان هذا «التحدي القانوني» يتنافى مع إرادة 17 مليون ناخب ممن صوتوا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، أوضحت الشركة أن الهدف من هذا الإجراء القانوني لا يتمثل في إسقاط كلمة المواطنين، بل في ضمان احترام القانون عند تطبيق المادة 50.
وزارة {الخروج} لـ«الشرق الأوسط»: أولى مهامنا الحفاظ على علاقاتنا مع «الأوروبي»
ماي من بلفاست: لا عودة للحدود السابقة مع آيرلندا الشمالية
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي تجتمع بالوزيرة الأولى الآيرلندية أرلين فوستر ونائبها مارتن ماكغينيس في بلفاست أمس (رويترز) - رئيسة وزراء أسكتلندا نيكولا ستورجن تلقي خطابا في أدنبره أمس (رويترز)
وزارة {الخروج} لـ«الشرق الأوسط»: أولى مهامنا الحفاظ على علاقاتنا مع «الأوروبي»
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي تجتمع بالوزيرة الأولى الآيرلندية أرلين فوستر ونائبها مارتن ماكغينيس في بلفاست أمس (رويترز) - رئيسة وزراء أسكتلندا نيكولا ستورجن تلقي خطابا في أدنبره أمس (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

