مجموعة دوغان الإعلامية في تركيا.. من العداء إلى الموالاة

أطلت بوجه جديد في خضم الانقلاب الفاشل.. وسهلت أول اتصال لإردوغان مع شعبه عبر «فيس تايم»

دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث  إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» -  إردوغان على «فيس تايم»
دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» - إردوغان على «فيس تايم»
TT

مجموعة دوغان الإعلامية في تركيا.. من العداء إلى الموالاة

دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث  إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» -  إردوغان على «فيس تايم»
دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» - إردوغان على «فيس تايم»

كان ظهور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عبر قناة «سي إن إن تورك» التابعة لمجموعة دوغان الإعلامية التي تعد أكبر المجموعات الإعلامية في البلاد وأشدها خلافا مع إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم أمرا مثيرا للاهتمام.
فقد كان اتصال إردوغان عبر تطبيق «فيس تايم» مع القناة التابعة لمجموعة دوغان، هو النقطة الفاصلة التي قلبت مجريات الأمور، حيث دعا من خلال هذه القناة جموع الأتراك للخروج إلى الشوارع والميادين والمطارات والمواقع الحيوية في أنقرة وإسطنبول وعموم البلاد لحماية إرادتهم الديمقراطية والدفاع عن شرعية السلطة الحاكمة.
قبل أشهر من محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، كانت المحاكم والصحف والقنوات الموالية للحكومة وتصريحات الرئيس إردوغان، ساحات للمعركة ضد مجموعة دوغان التي يملكها رجل الأعمال التركي آيدن دوغان، ووصل الأمر إلى حد اتهامها بدعم الإرهاب بعد نشر صحفها صورا لجنود بالجيش التركي قتلوا في اشتباكات مع منظمة حزب العمال الكردستاني المصنفة كمنظمة إرهابية.
وفتح المدعي العام لمنطقة «قاضي كوي» بوسط إسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تحقيقات قضائية مع جميع وسائل الإعلام وجميع الدوريات التابعة لرجل الأعمال التركي آيدن دوغان، على خلفية اتهامات بصلتهم بـ«الإرهاب» بعد مزاعم بحق دوغان تؤكد ترويج وسائل إعلامه لمنظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية.
وتضم مجموعة دوغان الإعلامية مجموعة من أشهر الصحف التركية أبرزها «حرييت»، و«ميلليت»، و«راديكال»، و«بوستا»، و«يورت» بالإضافة إلى قنوات «سي إن إن تورك» الإخبارية و«كنال دي»، و«ستار» العامتين ووكالة أنباء دوغان وهو ما يمثل 40 في المائة من إجمالي وسائل الإعلام في تركيا.
وبدأت الخلافات بين الحكومة التركية ومجموعة دوغان الإعلامية تتصاعد منذ عام 2009. وفي هذا العام فرضت السلطات التركية غرامة مالية ضخمة، قدرها 400 مليون يورو، على مجموعة دوغان الإعلامية أثارت جدلا كبيرا حول حرية الصحافة والتعبير في تركيا واعتبرت بمثابة محاولة من السلطات للضغط على المجموعة الإعلامية الأبرز في البلاد.
ولم يكن لرئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت رجب طيب إردوغان، الذي كانت صحف المجموعة تلقبه بـ«السلطان»، علاقة مباشرة بالغرامة المالية التي فُرضت على مجموعة شركات دوغان للإعلام، وإنما وزارة المالية هي التي انتبهت من تلقاء نفسها لملف مجموعة دوغان للإعلام.
وقتها اعتبر مراقبون أن هذه الغرامة يشتم منها رائحة عملية ثأر، كما أنها جاءت في اللحظة المناسبة للحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، لأنه كانت هناك انتخابات محلية ستجرى في نهاية مارس (آذار) من العام نفسه. في ذلك الوقت ولسنوات امتدت حتى عام 2014 كان الصحافيون يستطيعون كتابة ما لا يجرأون عليه في أي مكان آخر في صحف مجموعة دوغان، منها على سبيل المثال أن حكومة حزب العدالة والتنمية تهدف إلى أسْلمة المجتمع شيئا فشيئا، وأن إردوغان «المسلم المتعصب» الذي تحول إلى ديمقراطي، يسير على أجندة غير صريحة.
كما أصبحت صحيفة «راديكال» التابعة أيضا لمجموعة دوغان من الصحف التي يواظب المثقفون الأتراك على قراءتها.
وزارة المالية أرادت بهذه الغرامة المالية معاقبة مجموعة دوغان رسميا بسبب مخالفة ارتكبها في صفقة بيع أسهم إحدى الشركات إلى الناشر الألماني أكسيل سبرنج نهاية عام 2006. فبدلا من أن تسجل المجموعة ثمن البيع في حسابات ديسمبر (كانون الأول) سجلته في حسابات يناير (كانون الثاني)، وبهذا شكت هيئة الضرائب في أن المجموعة فعلت ذلك للتهرب من دفع الضرائب. لكن قيمة الغرامة تجاوزت الحد المألوف، لدرجة أنها تعني مصادرة المجموعة، كما فكرت بيلا، كاتبة أحد الأعمدة بصحيفة «حرييت».
ثم تابعت تركيا فيما بعد فصلا جديدا من الحرب الإعلامية بين مجموعة «دوغان» أكبر مجموعة إعلاميّة في تركيا والصحف المقربة للرئيس رجب طيب إردوغان التي زعمت أن العطاءات التي حصلت عليها مجموعة دوغان في وقت سابق غير قانونية، ورد إعلام مجموعة دوغان بهجوم شديد بكلمات لجوزيف جوبلز وزير حملة الدعاية المشهور للزعيم النازي أدولف هتلر الذي قال: «أعطوني إعلاما بلا ضمير أعطيكم شعبا بلا وعي».
وقال آهتير كوتادجو، الرئيس المسؤول عن الاتصال المؤسسي بمجموعة دوغان القابضة، إن الادعاءات التي يسوقها إعلام إردوغان باطلة ولا أساس لها من الصحة، موضحًا أن جميع العطاءات التي فازوا بها مطابقة للإجراءات القانونية وتمت حسب الأصول.
وهاجم كوتادجو إعلام إردوغان، قائلا: «إن الصحف التي تحدث عنها جوبلز هي الصحف الموالية لإردوغان في الوقت الحاضر». وفي عام 2015 شن أنصار لحزب العدالة والتنمية هجومين على مقر صحيفة «حرييت» في إسطنبول. وعبر المتظاهرون عن رفضهم لما قالوا إنه تحوير من الصحيفة لأقوال الرئيس رجب طيب إردوغان.
وتعرض إردوغان مرارا لانتقادات منذ وصوله للسلطة في 2003 من مجموعة دوغان الإعلامية. وقبل شهرين من الانتخابات البرلمانية المبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. واجه إردوغان اتهامات من معارضيه بأنه يسعى لقمع أي انتقادات لنظامه.
وكان أنصار حزب العدالة والتنمية حملوا وسائل الإعلام التابعة لمجموعة دوغان المسؤولية عن عجز حزب العدالة والتنمية عن الحصول على الأغلبية اللازمة في انتخابات يونيو (حزيران) 2015.
وردّت صحيفة «حرييت» التركية التابعة لمجموعة شركات دوغان (Dogan) الإعلاميّة التي تمتلك الكثير من القنوات التلفزيونية والصحف والوكالة الإخبارية والمجلات وتزاول فعاليات تجارية أيضًا على الاعتداءات التي استهدفتها ببعث رسالة إلى المعنيين مفادها: «لا نخافكم أبدًا».
وقالت وُصلات دوغان سابانجي رئيسة مجلس إدارة صحيفة «حرييت» في كلمتها أمام شاشات التلفزيون بحضور زملائها في مجموعة دوغان الإعلامية: «إن هذه المسألة ليست على الإطلاق مسألة كسر بعض النوافذ وبوابة مقر الصحيفة والاعتداء عليها. بل هي محاولة لتقييد حرية هذا الشعب في الحصول على الأخبار وإسكات وتكميم أفواه الصحافيين والكتّاب الذين يسعون لنشر الحقائق. إن الاعتداءات لا تخيفنا ولن تخيفنا أبدًا».
وشاركت في هذا التصريح أخوات وصلات دوغان سابانجي: أرزوهان دوغان يالتشين داغ، وهانزاده دوغان بوينير، وبيجومهان دوغان فرالياري.
وأوضحت سابانجي أنهم وُضعوا في مرمى النيران في فترة تستيقظ فيها تركيا يوميًا على وقع أنباء استشهاد جنود ورجال شرطة ومدنيين، وأنهم يتلقون تهديدات من قبل مسؤولي حزب سياسي (حزب العدالة والتنمية).
وتابعت سابانجي بأن الحكومة استخدمت أولا سلاح فرض الضرائب عليهم بهدف تخويفهم وترويعهم، كما تعرضوا لحملات تشويه واتّهامات وأكاذيب مثل «تهريب النفط»، و«التهرب الضريبي» حتى الإرهاب، رغم أن شركتهم حاصلة على الرقم القياسي في مجال دفع الضرائب.
وتعرض الكاتب البارز في صحيفة «حرييت» ومقدم البرامج على قناة «سي إن إن تورك» لهجوم أمام بيته في إسطنبول عقب الاعتداء على مقر صحيفة «حرييت» وكشفت التحقيقات عن صلات للمهاجمين مع بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية.
ولفتت مفوضية الاتحاد الأوروبي في تقريرها عن تركيا الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي إلى أن حرية الصحافة مهددة في تركيا.
وشنت مجموعة دوغان منذ عام 2008 حربا على حزب العدالة والتنمية بسبب خطواته لتخفيف قبضة العسكر على الحكم ورفع الحظر عن الحجاب، وهاجم إردوغان في خطبة في البرلمان لمدة ثلاثين دقيقة بشكل حاد مجموعة دوغان، التي حاولت صحفها من دون وجه حق انتقاد رفع حظر الحجاب في الجامعات.
واتسمت العلاقة بين مجموعة دوغان وإردوغان بالشد والجذب وبلغ الموقف قمة التعقيد عندما عادت صحف مجموعة دوغان في خريف 2008 تنشر تحقيقات صحافية عن تورط حزب العدالة والتنمية في قضية «دنيز فينيري»، المؤسسة الخيرية الإسلامية التركية الألمانية.
وفي هذه القضية أثبتت محكمة فرانكفورت أن المؤسسة الخيرية قامت بضخ تبرعات جُمعت في ألمانيا قيمتها 14.5 مليون يورو في قنوات قريبة من إردوغان.
وبعدما قامت صحف مثل «حرييت»، بالنشر حول ذلك ودعا إردوغان مرارا إلى مقاطعة شركات إعلام دوغان، وقال في إحدى كلماته «لا تعطوا هؤلاء نقودا، ولا تستضيفوهم في بيوتكم». وطالب مهددا جرائد دوغان بأن يذكروا الأسباب الحقيقية التي دعتهم إلى النشر عن قضية التبرعات وإلا سوف يقوم هو بذلك.
وفي عام 2015 أدخلت صحف مجموعة دوغان تغييرات على مجالس تحريرها وخففت من لهجتها الحادة في انتقاد الحكومة وإردوغان، ثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في 15 يوليو (تموز) الجاري ليفاجأ الجميع في تركيا أن قناة «سي إن إن تورك» كانت المنطلق الأول لإحباط هذه المحاولة وبعدها أيضا أصبحت المصدر الأبرز للأتراك للحصول على أحدث الأخبار حول التطورات في البلاد.



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».