كان ظهور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عبر قناة «سي إن إن تورك» التابعة لمجموعة دوغان الإعلامية التي تعد أكبر المجموعات الإعلامية في البلاد وأشدها خلافا مع إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم أمرا مثيرا للاهتمام.
فقد كان اتصال إردوغان عبر تطبيق «فيس تايم» مع القناة التابعة لمجموعة دوغان، هو النقطة الفاصلة التي قلبت مجريات الأمور، حيث دعا من خلال هذه القناة جموع الأتراك للخروج إلى الشوارع والميادين والمطارات والمواقع الحيوية في أنقرة وإسطنبول وعموم البلاد لحماية إرادتهم الديمقراطية والدفاع عن شرعية السلطة الحاكمة.
قبل أشهر من محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، كانت المحاكم والصحف والقنوات الموالية للحكومة وتصريحات الرئيس إردوغان، ساحات للمعركة ضد مجموعة دوغان التي يملكها رجل الأعمال التركي آيدن دوغان، ووصل الأمر إلى حد اتهامها بدعم الإرهاب بعد نشر صحفها صورا لجنود بالجيش التركي قتلوا في اشتباكات مع منظمة حزب العمال الكردستاني المصنفة كمنظمة إرهابية.
وفتح المدعي العام لمنطقة «قاضي كوي» بوسط إسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تحقيقات قضائية مع جميع وسائل الإعلام وجميع الدوريات التابعة لرجل الأعمال التركي آيدن دوغان، على خلفية اتهامات بصلتهم بـ«الإرهاب» بعد مزاعم بحق دوغان تؤكد ترويج وسائل إعلامه لمنظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية.
وتضم مجموعة دوغان الإعلامية مجموعة من أشهر الصحف التركية أبرزها «حرييت»، و«ميلليت»، و«راديكال»، و«بوستا»، و«يورت» بالإضافة إلى قنوات «سي إن إن تورك» الإخبارية و«كنال دي»، و«ستار» العامتين ووكالة أنباء دوغان وهو ما يمثل 40 في المائة من إجمالي وسائل الإعلام في تركيا.
وبدأت الخلافات بين الحكومة التركية ومجموعة دوغان الإعلامية تتصاعد منذ عام 2009. وفي هذا العام فرضت السلطات التركية غرامة مالية ضخمة، قدرها 400 مليون يورو، على مجموعة دوغان الإعلامية أثارت جدلا كبيرا حول حرية الصحافة والتعبير في تركيا واعتبرت بمثابة محاولة من السلطات للضغط على المجموعة الإعلامية الأبرز في البلاد.
ولم يكن لرئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت رجب طيب إردوغان، الذي كانت صحف المجموعة تلقبه بـ«السلطان»، علاقة مباشرة بالغرامة المالية التي فُرضت على مجموعة شركات دوغان للإعلام، وإنما وزارة المالية هي التي انتبهت من تلقاء نفسها لملف مجموعة دوغان للإعلام.
وقتها اعتبر مراقبون أن هذه الغرامة يشتم منها رائحة عملية ثأر، كما أنها جاءت في اللحظة المناسبة للحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، لأنه كانت هناك انتخابات محلية ستجرى في نهاية مارس (آذار) من العام نفسه. في ذلك الوقت ولسنوات امتدت حتى عام 2014 كان الصحافيون يستطيعون كتابة ما لا يجرأون عليه في أي مكان آخر في صحف مجموعة دوغان، منها على سبيل المثال أن حكومة حزب العدالة والتنمية تهدف إلى أسْلمة المجتمع شيئا فشيئا، وأن إردوغان «المسلم المتعصب» الذي تحول إلى ديمقراطي، يسير على أجندة غير صريحة.
كما أصبحت صحيفة «راديكال» التابعة أيضا لمجموعة دوغان من الصحف التي يواظب المثقفون الأتراك على قراءتها.
وزارة المالية أرادت بهذه الغرامة المالية معاقبة مجموعة دوغان رسميا بسبب مخالفة ارتكبها في صفقة بيع أسهم إحدى الشركات إلى الناشر الألماني أكسيل سبرنج نهاية عام 2006. فبدلا من أن تسجل المجموعة ثمن البيع في حسابات ديسمبر (كانون الأول) سجلته في حسابات يناير (كانون الثاني)، وبهذا شكت هيئة الضرائب في أن المجموعة فعلت ذلك للتهرب من دفع الضرائب. لكن قيمة الغرامة تجاوزت الحد المألوف، لدرجة أنها تعني مصادرة المجموعة، كما فكرت بيلا، كاتبة أحد الأعمدة بصحيفة «حرييت».
ثم تابعت تركيا فيما بعد فصلا جديدا من الحرب الإعلامية بين مجموعة «دوغان» أكبر مجموعة إعلاميّة في تركيا والصحف المقربة للرئيس رجب طيب إردوغان التي زعمت أن العطاءات التي حصلت عليها مجموعة دوغان في وقت سابق غير قانونية، ورد إعلام مجموعة دوغان بهجوم شديد بكلمات لجوزيف جوبلز وزير حملة الدعاية المشهور للزعيم النازي أدولف هتلر الذي قال: «أعطوني إعلاما بلا ضمير أعطيكم شعبا بلا وعي».
وقال آهتير كوتادجو، الرئيس المسؤول عن الاتصال المؤسسي بمجموعة دوغان القابضة، إن الادعاءات التي يسوقها إعلام إردوغان باطلة ولا أساس لها من الصحة، موضحًا أن جميع العطاءات التي فازوا بها مطابقة للإجراءات القانونية وتمت حسب الأصول.
وهاجم كوتادجو إعلام إردوغان، قائلا: «إن الصحف التي تحدث عنها جوبلز هي الصحف الموالية لإردوغان في الوقت الحاضر». وفي عام 2015 شن أنصار لحزب العدالة والتنمية هجومين على مقر صحيفة «حرييت» في إسطنبول. وعبر المتظاهرون عن رفضهم لما قالوا إنه تحوير من الصحيفة لأقوال الرئيس رجب طيب إردوغان.
وتعرض إردوغان مرارا لانتقادات منذ وصوله للسلطة في 2003 من مجموعة دوغان الإعلامية. وقبل شهرين من الانتخابات البرلمانية المبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. واجه إردوغان اتهامات من معارضيه بأنه يسعى لقمع أي انتقادات لنظامه.
وكان أنصار حزب العدالة والتنمية حملوا وسائل الإعلام التابعة لمجموعة دوغان المسؤولية عن عجز حزب العدالة والتنمية عن الحصول على الأغلبية اللازمة في انتخابات يونيو (حزيران) 2015.
وردّت صحيفة «حرييت» التركية التابعة لمجموعة شركات دوغان (Dogan) الإعلاميّة التي تمتلك الكثير من القنوات التلفزيونية والصحف والوكالة الإخبارية والمجلات وتزاول فعاليات تجارية أيضًا على الاعتداءات التي استهدفتها ببعث رسالة إلى المعنيين مفادها: «لا نخافكم أبدًا».
وقالت وُصلات دوغان سابانجي رئيسة مجلس إدارة صحيفة «حرييت» في كلمتها أمام شاشات التلفزيون بحضور زملائها في مجموعة دوغان الإعلامية: «إن هذه المسألة ليست على الإطلاق مسألة كسر بعض النوافذ وبوابة مقر الصحيفة والاعتداء عليها. بل هي محاولة لتقييد حرية هذا الشعب في الحصول على الأخبار وإسكات وتكميم أفواه الصحافيين والكتّاب الذين يسعون لنشر الحقائق. إن الاعتداءات لا تخيفنا ولن تخيفنا أبدًا».
وشاركت في هذا التصريح أخوات وصلات دوغان سابانجي: أرزوهان دوغان يالتشين داغ، وهانزاده دوغان بوينير، وبيجومهان دوغان فرالياري.
وأوضحت سابانجي أنهم وُضعوا في مرمى النيران في فترة تستيقظ فيها تركيا يوميًا على وقع أنباء استشهاد جنود ورجال شرطة ومدنيين، وأنهم يتلقون تهديدات من قبل مسؤولي حزب سياسي (حزب العدالة والتنمية).
وتابعت سابانجي بأن الحكومة استخدمت أولا سلاح فرض الضرائب عليهم بهدف تخويفهم وترويعهم، كما تعرضوا لحملات تشويه واتّهامات وأكاذيب مثل «تهريب النفط»، و«التهرب الضريبي» حتى الإرهاب، رغم أن شركتهم حاصلة على الرقم القياسي في مجال دفع الضرائب.
وتعرض الكاتب البارز في صحيفة «حرييت» ومقدم البرامج على قناة «سي إن إن تورك» لهجوم أمام بيته في إسطنبول عقب الاعتداء على مقر صحيفة «حرييت» وكشفت التحقيقات عن صلات للمهاجمين مع بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية.
ولفتت مفوضية الاتحاد الأوروبي في تقريرها عن تركيا الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي إلى أن حرية الصحافة مهددة في تركيا.
وشنت مجموعة دوغان منذ عام 2008 حربا على حزب العدالة والتنمية بسبب خطواته لتخفيف قبضة العسكر على الحكم ورفع الحظر عن الحجاب، وهاجم إردوغان في خطبة في البرلمان لمدة ثلاثين دقيقة بشكل حاد مجموعة دوغان، التي حاولت صحفها من دون وجه حق انتقاد رفع حظر الحجاب في الجامعات.
واتسمت العلاقة بين مجموعة دوغان وإردوغان بالشد والجذب وبلغ الموقف قمة التعقيد عندما عادت صحف مجموعة دوغان في خريف 2008 تنشر تحقيقات صحافية عن تورط حزب العدالة والتنمية في قضية «دنيز فينيري»، المؤسسة الخيرية الإسلامية التركية الألمانية.
وفي هذه القضية أثبتت محكمة فرانكفورت أن المؤسسة الخيرية قامت بضخ تبرعات جُمعت في ألمانيا قيمتها 14.5 مليون يورو في قنوات قريبة من إردوغان.
وبعدما قامت صحف مثل «حرييت»، بالنشر حول ذلك ودعا إردوغان مرارا إلى مقاطعة شركات إعلام دوغان، وقال في إحدى كلماته «لا تعطوا هؤلاء نقودا، ولا تستضيفوهم في بيوتكم». وطالب مهددا جرائد دوغان بأن يذكروا الأسباب الحقيقية التي دعتهم إلى النشر عن قضية التبرعات وإلا سوف يقوم هو بذلك.
وفي عام 2015 أدخلت صحف مجموعة دوغان تغييرات على مجالس تحريرها وخففت من لهجتها الحادة في انتقاد الحكومة وإردوغان، ثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في 15 يوليو (تموز) الجاري ليفاجأ الجميع في تركيا أن قناة «سي إن إن تورك» كانت المنطلق الأول لإحباط هذه المحاولة وبعدها أيضا أصبحت المصدر الأبرز للأتراك للحصول على أحدث الأخبار حول التطورات في البلاد.
مجموعة دوغان الإعلامية في تركيا.. من العداء إلى الموالاة
أطلت بوجه جديد في خضم الانقلاب الفاشل.. وسهلت أول اتصال لإردوغان مع شعبه عبر «فيس تايم»
دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» - إردوغان على «فيس تايم»
مجموعة دوغان الإعلامية في تركيا.. من العداء إلى الموالاة
دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» - إردوغان على «فيس تايم»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





