مجموعة دوغان الإعلامية في تركيا.. من العداء إلى الموالاة

أطلت بوجه جديد في خضم الانقلاب الفاشل.. وسهلت أول اتصال لإردوغان مع شعبه عبر «فيس تايم»

دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث  إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» -  إردوغان على «فيس تايم»
دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» - إردوغان على «فيس تايم»
TT

مجموعة دوغان الإعلامية في تركيا.. من العداء إلى الموالاة

دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث  إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» -  إردوغان على «فيس تايم»
دوغان مالك المجموعة الإعلامية وإردوغان في زمن التحالف - المذيعة هاندا فيرات سهلت حديث إردوغان إلى شعبه عبر «فيس تايم» - إردوغان على «فيس تايم»

كان ظهور الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عبر قناة «سي إن إن تورك» التابعة لمجموعة دوغان الإعلامية التي تعد أكبر المجموعات الإعلامية في البلاد وأشدها خلافا مع إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم أمرا مثيرا للاهتمام.
فقد كان اتصال إردوغان عبر تطبيق «فيس تايم» مع القناة التابعة لمجموعة دوغان، هو النقطة الفاصلة التي قلبت مجريات الأمور، حيث دعا من خلال هذه القناة جموع الأتراك للخروج إلى الشوارع والميادين والمطارات والمواقع الحيوية في أنقرة وإسطنبول وعموم البلاد لحماية إرادتهم الديمقراطية والدفاع عن شرعية السلطة الحاكمة.
قبل أشهر من محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، كانت المحاكم والصحف والقنوات الموالية للحكومة وتصريحات الرئيس إردوغان، ساحات للمعركة ضد مجموعة دوغان التي يملكها رجل الأعمال التركي آيدن دوغان، ووصل الأمر إلى حد اتهامها بدعم الإرهاب بعد نشر صحفها صورا لجنود بالجيش التركي قتلوا في اشتباكات مع منظمة حزب العمال الكردستاني المصنفة كمنظمة إرهابية.
وفتح المدعي العام لمنطقة «قاضي كوي» بوسط إسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تحقيقات قضائية مع جميع وسائل الإعلام وجميع الدوريات التابعة لرجل الأعمال التركي آيدن دوغان، على خلفية اتهامات بصلتهم بـ«الإرهاب» بعد مزاعم بحق دوغان تؤكد ترويج وسائل إعلامه لمنظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية.
وتضم مجموعة دوغان الإعلامية مجموعة من أشهر الصحف التركية أبرزها «حرييت»، و«ميلليت»، و«راديكال»، و«بوستا»، و«يورت» بالإضافة إلى قنوات «سي إن إن تورك» الإخبارية و«كنال دي»، و«ستار» العامتين ووكالة أنباء دوغان وهو ما يمثل 40 في المائة من إجمالي وسائل الإعلام في تركيا.
وبدأت الخلافات بين الحكومة التركية ومجموعة دوغان الإعلامية تتصاعد منذ عام 2009. وفي هذا العام فرضت السلطات التركية غرامة مالية ضخمة، قدرها 400 مليون يورو، على مجموعة دوغان الإعلامية أثارت جدلا كبيرا حول حرية الصحافة والتعبير في تركيا واعتبرت بمثابة محاولة من السلطات للضغط على المجموعة الإعلامية الأبرز في البلاد.
ولم يكن لرئيس الوزراء التركي في ذلك الوقت رجب طيب إردوغان، الذي كانت صحف المجموعة تلقبه بـ«السلطان»، علاقة مباشرة بالغرامة المالية التي فُرضت على مجموعة شركات دوغان للإعلام، وإنما وزارة المالية هي التي انتبهت من تلقاء نفسها لملف مجموعة دوغان للإعلام.
وقتها اعتبر مراقبون أن هذه الغرامة يشتم منها رائحة عملية ثأر، كما أنها جاءت في اللحظة المناسبة للحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، لأنه كانت هناك انتخابات محلية ستجرى في نهاية مارس (آذار) من العام نفسه. في ذلك الوقت ولسنوات امتدت حتى عام 2014 كان الصحافيون يستطيعون كتابة ما لا يجرأون عليه في أي مكان آخر في صحف مجموعة دوغان، منها على سبيل المثال أن حكومة حزب العدالة والتنمية تهدف إلى أسْلمة المجتمع شيئا فشيئا، وأن إردوغان «المسلم المتعصب» الذي تحول إلى ديمقراطي، يسير على أجندة غير صريحة.
كما أصبحت صحيفة «راديكال» التابعة أيضا لمجموعة دوغان من الصحف التي يواظب المثقفون الأتراك على قراءتها.
وزارة المالية أرادت بهذه الغرامة المالية معاقبة مجموعة دوغان رسميا بسبب مخالفة ارتكبها في صفقة بيع أسهم إحدى الشركات إلى الناشر الألماني أكسيل سبرنج نهاية عام 2006. فبدلا من أن تسجل المجموعة ثمن البيع في حسابات ديسمبر (كانون الأول) سجلته في حسابات يناير (كانون الثاني)، وبهذا شكت هيئة الضرائب في أن المجموعة فعلت ذلك للتهرب من دفع الضرائب. لكن قيمة الغرامة تجاوزت الحد المألوف، لدرجة أنها تعني مصادرة المجموعة، كما فكرت بيلا، كاتبة أحد الأعمدة بصحيفة «حرييت».
ثم تابعت تركيا فيما بعد فصلا جديدا من الحرب الإعلامية بين مجموعة «دوغان» أكبر مجموعة إعلاميّة في تركيا والصحف المقربة للرئيس رجب طيب إردوغان التي زعمت أن العطاءات التي حصلت عليها مجموعة دوغان في وقت سابق غير قانونية، ورد إعلام مجموعة دوغان بهجوم شديد بكلمات لجوزيف جوبلز وزير حملة الدعاية المشهور للزعيم النازي أدولف هتلر الذي قال: «أعطوني إعلاما بلا ضمير أعطيكم شعبا بلا وعي».
وقال آهتير كوتادجو، الرئيس المسؤول عن الاتصال المؤسسي بمجموعة دوغان القابضة، إن الادعاءات التي يسوقها إعلام إردوغان باطلة ولا أساس لها من الصحة، موضحًا أن جميع العطاءات التي فازوا بها مطابقة للإجراءات القانونية وتمت حسب الأصول.
وهاجم كوتادجو إعلام إردوغان، قائلا: «إن الصحف التي تحدث عنها جوبلز هي الصحف الموالية لإردوغان في الوقت الحاضر». وفي عام 2015 شن أنصار لحزب العدالة والتنمية هجومين على مقر صحيفة «حرييت» في إسطنبول. وعبر المتظاهرون عن رفضهم لما قالوا إنه تحوير من الصحيفة لأقوال الرئيس رجب طيب إردوغان.
وتعرض إردوغان مرارا لانتقادات منذ وصوله للسلطة في 2003 من مجموعة دوغان الإعلامية. وقبل شهرين من الانتخابات البرلمانية المبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. واجه إردوغان اتهامات من معارضيه بأنه يسعى لقمع أي انتقادات لنظامه.
وكان أنصار حزب العدالة والتنمية حملوا وسائل الإعلام التابعة لمجموعة دوغان المسؤولية عن عجز حزب العدالة والتنمية عن الحصول على الأغلبية اللازمة في انتخابات يونيو (حزيران) 2015.
وردّت صحيفة «حرييت» التركية التابعة لمجموعة شركات دوغان (Dogan) الإعلاميّة التي تمتلك الكثير من القنوات التلفزيونية والصحف والوكالة الإخبارية والمجلات وتزاول فعاليات تجارية أيضًا على الاعتداءات التي استهدفتها ببعث رسالة إلى المعنيين مفادها: «لا نخافكم أبدًا».
وقالت وُصلات دوغان سابانجي رئيسة مجلس إدارة صحيفة «حرييت» في كلمتها أمام شاشات التلفزيون بحضور زملائها في مجموعة دوغان الإعلامية: «إن هذه المسألة ليست على الإطلاق مسألة كسر بعض النوافذ وبوابة مقر الصحيفة والاعتداء عليها. بل هي محاولة لتقييد حرية هذا الشعب في الحصول على الأخبار وإسكات وتكميم أفواه الصحافيين والكتّاب الذين يسعون لنشر الحقائق. إن الاعتداءات لا تخيفنا ولن تخيفنا أبدًا».
وشاركت في هذا التصريح أخوات وصلات دوغان سابانجي: أرزوهان دوغان يالتشين داغ، وهانزاده دوغان بوينير، وبيجومهان دوغان فرالياري.
وأوضحت سابانجي أنهم وُضعوا في مرمى النيران في فترة تستيقظ فيها تركيا يوميًا على وقع أنباء استشهاد جنود ورجال شرطة ومدنيين، وأنهم يتلقون تهديدات من قبل مسؤولي حزب سياسي (حزب العدالة والتنمية).
وتابعت سابانجي بأن الحكومة استخدمت أولا سلاح فرض الضرائب عليهم بهدف تخويفهم وترويعهم، كما تعرضوا لحملات تشويه واتّهامات وأكاذيب مثل «تهريب النفط»، و«التهرب الضريبي» حتى الإرهاب، رغم أن شركتهم حاصلة على الرقم القياسي في مجال دفع الضرائب.
وتعرض الكاتب البارز في صحيفة «حرييت» ومقدم البرامج على قناة «سي إن إن تورك» لهجوم أمام بيته في إسطنبول عقب الاعتداء على مقر صحيفة «حرييت» وكشفت التحقيقات عن صلات للمهاجمين مع بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية.
ولفتت مفوضية الاتحاد الأوروبي في تقريرها عن تركيا الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي إلى أن حرية الصحافة مهددة في تركيا.
وشنت مجموعة دوغان منذ عام 2008 حربا على حزب العدالة والتنمية بسبب خطواته لتخفيف قبضة العسكر على الحكم ورفع الحظر عن الحجاب، وهاجم إردوغان في خطبة في البرلمان لمدة ثلاثين دقيقة بشكل حاد مجموعة دوغان، التي حاولت صحفها من دون وجه حق انتقاد رفع حظر الحجاب في الجامعات.
واتسمت العلاقة بين مجموعة دوغان وإردوغان بالشد والجذب وبلغ الموقف قمة التعقيد عندما عادت صحف مجموعة دوغان في خريف 2008 تنشر تحقيقات صحافية عن تورط حزب العدالة والتنمية في قضية «دنيز فينيري»، المؤسسة الخيرية الإسلامية التركية الألمانية.
وفي هذه القضية أثبتت محكمة فرانكفورت أن المؤسسة الخيرية قامت بضخ تبرعات جُمعت في ألمانيا قيمتها 14.5 مليون يورو في قنوات قريبة من إردوغان.
وبعدما قامت صحف مثل «حرييت»، بالنشر حول ذلك ودعا إردوغان مرارا إلى مقاطعة شركات إعلام دوغان، وقال في إحدى كلماته «لا تعطوا هؤلاء نقودا، ولا تستضيفوهم في بيوتكم». وطالب مهددا جرائد دوغان بأن يذكروا الأسباب الحقيقية التي دعتهم إلى النشر عن قضية التبرعات وإلا سوف يقوم هو بذلك.
وفي عام 2015 أدخلت صحف مجموعة دوغان تغييرات على مجالس تحريرها وخففت من لهجتها الحادة في انتقاد الحكومة وإردوغان، ثم جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في 15 يوليو (تموز) الجاري ليفاجأ الجميع في تركيا أن قناة «سي إن إن تورك» كانت المنطلق الأول لإحباط هذه المحاولة وبعدها أيضا أصبحت المصدر الأبرز للأتراك للحصول على أحدث الأخبار حول التطورات في البلاد.



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».