ألمانيا تحت صدمة الاعتداء.. والقاتل مختل عقليًا لا علاقة له بتنظيمات متطرفة

محققون: هناك رابط بين اطلاق النار في ميونيخ والنروجي بريفيك الذي قتل 77 شخصًا

ألمانيا تحت صدمة الاعتداء.. والقاتل مختل عقليًا لا علاقة له بتنظيمات متطرفة
TT

ألمانيا تحت صدمة الاعتداء.. والقاتل مختل عقليًا لا علاقة له بتنظيمات متطرفة

ألمانيا تحت صدمة الاعتداء.. والقاتل مختل عقليًا لا علاقة له بتنظيمات متطرفة

أعلنت السلطات الالمانية اليوم (السبت)، أنّ اعتداء ميونيخ نفذه شخص يعاني من مشاكل نفسيه لا علاقة بينه وبين المتطرفين، وأنّه استوحى جريمة النروجي من اليمين المتطرف اندريس بيرينغ بريفيك.
بدوره، أوضح قائد شرطة ميونيخ هوبرتوس اندري «وجدنا عناصر تدل على أنّه يهتم بقضايا مرتبطة بالمختلين عقليا» الذين ارتكبوا عمليات قتل وخصوصًا كتب ومقالات في صحف. وأضاف أنّه ليس هناك أدنى علاقة لمطلق النار بتنظيم «داعش».
وتابع النائب العام، أنّ مطلق النار الذي ولد لأب يعمل سائق أجرة هو شاب ألماني إيراني في 18 من العمر، ولد في ميونيخ وارتاد مدرسة في المدينة. وقد أطلق النار مساء أمس، على مارة بالقرب وداخل مركز تجاري كبير، مما أدى إلى سقوط 9 قتلى و16 جريحًا؛ وهو«يعاني شكلا من اشكال الاكتئاب»، وقال «إنّه مرض». كما دعا إلى توخي الحذر ازاء المعلومات التي تقول إنّه أُخضع لعلاج للامراض العقلية.
كما ذكر اندري أنّ المحققين كشفوا «رابطا واضحًا» بين اطلاق النار والنروجي بريفيك الذي قتل 77 شخصًا قبل خمسة أعوام تماما. مستطردًا أن الهجوم لا علاقة له أيضًا باللاجئين. وقال إن السلطات فتشت غرفة منفذ الهجوم ولم تجد أي «مؤشرات على الإطلاق لوجود صلة بتنظيم داعش». وأشار إلى أن التحقيقات لم تتوصل إلى أي سبب يدعو للاعتقاد بوجود أكثر من مهاجم. وذكر أنه لا يوجد ما يستدعي تفادي الذهاب إلى ميونيخ، أو إلغاء أي أحداث بالمدينة لاعتبارات أمنية.
إلى ذلك، أعلنت وزارة خارجية كوسوفو في بيان أنّ «ثلاثة شبان البان (كوسوفيين) لقوا مصرعهم في الهجوم».
من جانبه، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاوش اوغلو، مصرع ثلاثة اتراك وأنّ السلطات اتصلت بذويهم. أمّا وزارة الخارجية اليونانية فأكّدت أيضًا أنّ مواطنا يونانيا بين ضحايا الاعتداء.
وكان ممثل لنيابة ميونيخ قد صرّح: «ننطلق من مبدأ أنّ الأمر في هذه القضية عمل كلاسيكي لمختل عقليًا»، تحرك بلا دوافع سياسية على ما يبدو. وأضاف: «ليست هناك أسباب أخرى».
وتحاول الشرطة الألمانية صباح اليوم معرفة مزيد من التفاصيل بشأن هوية ودوافع الشاب، الذي سبب صدمة في ألمانيا بعد أيام على هجوم بساطور.
وكانت الشرطة الألمانية ذكرت أنه ليس هناك أي دليل يسمح بتحديد ما إذا كان هجوم ميونيخ الذي أدى إلى جرح 16 شخصًا بينهم 3 إصاباتهم خطيرة، هو اعتداء أو عمل شخص مختل عقليًا.
وداهمت قوات الأمن فجر اليوم، شقة في مبنى من عدة طوابق شمال المدينة، لكن الشرطة لم تؤكد أنّها شقة الألماني الإيراني الذي زرع الرعب قبل أن ينتحر.
وردًا على سؤال لوكالة الصحافة الفرنسية في المكان، قالت جارة تعرف الشاب إنّه «كان شخصًا طيبًا (...) يضحك مثل كل شخص طبيعي».
وأكدت دلفي دالبي (40 سنة) التي تقيم في الطابق الأول، بينما كان الشاب يقطن في الشقة الخامسة: «لم أره يومًا غاضبًا ولم أسمع عن أي مشكلة له مع الشرطة أو مع الجيران».
وفي تسجيل فيديو قصير انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مساء أمس، بعيد إطلاق النار، يظهر رجل مصاب وهو يشتم رجلاً آخر يرتدي ملابس سوداء ويحمل مسدسًا وهو يقف على سطح المركز التجاري. وقالت الشرطة إنه قد يكون منفذ الهجوم.
ويرد صوت يبدو أنه صوت المهاجم، على الجريح قائلاً: «أنا ألماني، ولدت هنا. في حي هآرتس 4». ثم قال عبارة غامضة: «كنت أخضع للعلاج في مستشفى».
وفي برلين، يفترض أن تُلقي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خطابًا ظهر اليوم، بعد الاجتماع مع الوزراء الرئيسيين في حكومتها، الذين قطع معظمهم عطلاتهم الصيفية.
وستنكس الأعلام في جميع أنحاء ألمانيا تكريمًا لأرواح الضحايا، الذين لم تكشف تفاصيل أيضًا عن أعمارهم أو جنسياتهم.
وفي ميونيخ تعود الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها بعدما عاشت المدينة حالة طوارئ حقيقية، إذ إن السلطات كانت تخشى وجود 3 مهاجمين فارين في المدينة، مستندة في ذلك إلى شهادات.
وبدأت وسائل النقل المشترك تعمل تدريجيًا صباح اليوم، بعدما توقفت ليلاً.
لكن ألمانيا ما زالت تحت تأثير الصدمة بعد هذا الهجوم الذي سبقه قبل 4 أيام فقط هجوم بساطور، قام به في قطار في بافاريا طالب لجوء في السابعة عشرة من عمره، وقال إنّه من تنظيم داعش.
وكتبت الصحيفة المحلية «تي تسد» في عنوانها الرئيسي: «هجوم على ميونيخ». وقالت صحيفة محلية أخرى «ابيندتسايتونغ» إنّ «الأمر وصل إلينا. سكان ميونيخ كانوا يعتقدون بأنّهم آمنين. الخوف كبر بعد كل هجوم في باريس وإسطنبول وبروكسل». وأضافت: «منذ الجمعة بات واضحًا أنه لم يعد هناك أمان في أي مكان، وحتى في المدينة الأكثر أمانًا في ألمانيا».
وعلى الرغم من أن الدوافع ما زالت مجهولة، يأتي إطلاق النار هذا في أجواء من التوتر في أوروبا.
فهذا الهجوم هو الثالث ضد مدنيين في أوروبا في أقل من 10 أيام بعد اعتداء نيس (جنوب فرنسا) في 14 يوليو (تموز) الذي أسفر عن سقوط 84 قتيلاً، والهجوم بساطور في فورتسبورغ.
وقبيل الساعة 18.00 (16.00 ت. غ) من الجمعة الماضي أطلق الإنذار الأول. فقد قام الشاب الذي كان يرتدي ملابس سوداء كما ظهر في تسجيل لفيديو هواة، بإطلاق نار على مارة وهو يبتعد عن مطعم لسلسلة ماكدونالدز قريب من المركز التجاري. وقد شوهد وهو يطلق النار والناس يفرون من أمامه.
ودخل الشاب بعد ذلك إلى المركز التجاري وواصل إطلاق النار، كما أفاد شهود عيان، قبل أن يلوذ بالفرار.
وقد أصيب برصاص أطلقته دورية للشرطة وعثر على جثته على بعد كيلومتر واحد. وبعدما أرسلت خبراء متفجرات للتأكد من أنّه لا يحمل عبوات معه، لاحظت الشرطة أنّه انتحر.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...