الأذان.. رمز كفاح الأتراك من عهد أتاتورك إلى الانقلاب الفاشل

رفعته المساجد في غير موعده لحشد الناس بالشوارع

إردوغان بين أنصاره داخل مسجد أنقرة بعد صلاة الجمعة أمس (رويترز)
إردوغان بين أنصاره داخل مسجد أنقرة بعد صلاة الجمعة أمس (رويترز)
TT

الأذان.. رمز كفاح الأتراك من عهد أتاتورك إلى الانقلاب الفاشل

إردوغان بين أنصاره داخل مسجد أنقرة بعد صلاة الجمعة أمس (رويترز)
إردوغان بين أنصاره داخل مسجد أنقرة بعد صلاة الجمعة أمس (رويترز)

في ليلة الجمعة 15 يوليو (تموز) الحالي، ليلة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، لعبت المساجد دورا كبيرا في تعبئة وحشد الناس للخروج إلى الشوارع للتصدي لمحاولة الانقلاب على الحكم وعلى إرادتهم. ورفع نحو 85 مسجدا في تركيا الأذان في غير موعده لدعوة الناس إلى الخروج والتصدي للانقلابيين وكان صوت الأذان محركًا مؤثرًا للجماهير العريضة للخروج إلى الشوارع.
ومع تتابع التطورات والإجراءات التي اتخذتها السلطات التركية لمواجهة أي تداعيات محتملة للانقلاب أو عودة الانقلابيين إلى مغامرة ثانية، بقي الأذان حاضرًا في الميادين التي يتجمع فيها الأتراك كل ليلة من الجمعة قبل الماضي، وحتى الآن، بل إن هذا الأمر دفع البعض إلى نسج القصص حول الأذان، ومنها الخبر الذي نشرته صحيفة «يني شفق» التركية القريبة من الرئيس رجب طيب إردوغان أول من أمس الخميس مصحوبًا بمقطع فيديو قالت الصحيفة إنه للآذان بصوت إردوغان في مسجد القصر الجمهوري بأنقرة.
لكن الرئاسة التركية نفت في اليوم نفسه أن يكون الرئيس إردوغان رفع الأذان بعد بث التسجيل الذي نسبته إليه الصحيفة المؤيدة للحكومة.
وقال مسؤول في رئاسة الجمهورية التركية إن الصوت الذي يبث من مكبر الصوت هو صوت إردوغان فعلاً. لكنه صوته وهو يتلو بعض الآيات القرآنية وليس الأذان.
وكان إردوغان واصل حث المواطنين في رسائل قصيرة حملت توقيعه وصلت على الهواتف الجوالة، في مختلف أنحاء البلاد، إلى الاستمرار في النزول إلى الشارع للتصدي «للإرهابيين». وجاء في الرسالة: «الأمة هي من يملك الساحات وليس الدبابات».
وبحسب إحصائية لهيئة الشؤون الدينية في تركيا يوجد في البلاد 84 ألفًا و684 مسجدًا. ويوجد في مدينة إسطنبول وحدها 3190 مسجدًا، تليها مدينة كونيا وسط البلاد بـ3087 مسجدًا، ثم العاصمة أنقرة بـ2875 مسجدًا، ومدينة سامسون بمنطقة البحر الأسود شمال البلاد بـ2639 مسجدًا.
وعاشت تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية وبداية عصر مصطفى كمال أتاتورك العلماني صراعا حول الأذان والحفاظ عليه بلغته العربية، بعد أن بدأ يرفع باللغة التركية لينتصر أنصار العربية في النهاية.
وكان الأذان مركز اهتمام الكثير من الشعراء والأدباء في كل فترات التاريخ التركي حتى في العصر الحديث، وكان ممن اهتموا به في أدبهم أدباء كبار مثل: نجيب فاضل، ويحيى كمال، وأحمد هاشم، ومدحت جمال كونطاي، وآقا جوندوز، وخالدة نصرت زورلوطونا، وفاروق نافذ، وعلي علوي قوروجو، وسزائي قرا قوش، حيث كتبوا عنه الكثير من الأشعار والقصائد، أو استخدموه في أسطر رواياتهم وقصصهم.
وتابع الأتراك يتبعون أداء الأذان باللغة العربية منذ دخولهم الإسلام في موطنهم الأصلي بآسيا الوسطى، وكذلك في وقت تأسيس أول دولة لهم في الأناضول، وهي الدولة السلجوقية، وأيضًا في أوقات الدولة الثانية المعروفة بالدولة العثمانية، واستمر هذا الأمر حتى فترة ظهور المد القومي التركي، أو ما يسمى بالتتريك، بعد صدور لائحة المشروطية الثانية (الاسم الذي أطلقه الأتراك على الدستور الثاني 1908 - 1918)، حيث بدأ فريق من القوميين الترك الدعوة إلى تتريك الأذان وقراءته بالتركية.
ويرجح أن يكون الأديب التركي ضياء جوك آلب أول من دعا للفكرة في عام 1918 بعد انهيار الدولة العثمانية، وتصاعد المد القومي والطوراني في منطقة سالونيك التي تتبع اليونان حاليًا، وتقول الموسوعة الإسلامية الجديدة (بالتركية): «إن أتاتورك طلب من إسماعيل حقي بلطجي أوغلو في عام 1928، الذي كان يعمل مدرسًا بكلية الإلهيات (الشريعة) أن يدخل مادة في لائحة الإصلاحات (المادة الثالثة) تتعلق بضرورة أن يكون كل شيء بالتركية».
وفى 10 أبريل (نيسان) صدر قانون التشكيلات الأساسية الذي رفعت فيه عبارات: «إن الإسلام دين الدولة»، و«إن المجلس الوطني هو الذي يطبق الأحكام الشرعية».
وفي عام 1931 عقد أتاتورك اجتماعًا أراد من خلاله تحويل العبادة إلى اللغة التركية، وكان من بين الحاضرين في الاجتماع 9 من حفظة القرآن الكريم، وكانوا آنذاك من مشاهير تركيا.
وشرح النائب رشُيد غالب، أحد الحاضرين في الاجتماع، خطوات تتريك الدين، وأعطى لحفظة القرآن الكريم نسخًا من المصحف مترجمةً للغة التركية، كما أعطاهم نُسخًا لخطبٍ تركية أيضًا.
وعين أتاتورك ورشيد غالب الذي أصبح وزيرا للمعارف تسعة مؤذنين لكي يؤذنوا بالتركية، دون النظر للمعارضة الجارفة من عموم الشعب. لدرجة أن أتاتورك أصدر أوامره للشرطة والأمن بمتابعة أداء الأذان بالتركية، ومعاقبة كل من يخالف.
وفي الاجتماع، اقترح السياسي والكاتب التركي، إسماعيل حقي بلطجي أوغلو (وهو من تَرجم القرآن الكريم إلى اللغة التركية) على الحاضرين إصلاحاتٍ غريبة ومثيرة للدين الإسلامي، وقدّم لأتاتورك حينها مشروعه للعبادة. لم يَطلب من خلال مشروعه تتريك الدين الإسلامي للأتراك فحسب، بل إنه شرّع ما يشبه الدين الجديد الذي يحوي كل أشكال الغرابة، حيث اقترح أن تحذف بعض الآيات الكريمة من القرآن الكريم، وسمح أيضًا بدخول الأتراك إلى المساجد بالأحذية، مستندًا في ذلك إلى العادات في الكنائس، وأضاف أيضًا أن يُعبد الله في المسجد مع ألحان وأصوات الموسيقى.
وبعد ذلك الاجتماع، نفّذ القرار في عام 1932 في مسجد «يره باتان» بإسطنبول، ورفع حينها الأذان بالتركية للمرة الأولى، إذ قامت رئاسة الشؤون الدينية في تركيا حينها بإصدار تعميم برفع الأذان في الجوامع باللغة التركية في كلّ أنحاء البلاد.
وتجمّع المسلمون الأتراك، وتظاهروا، واحتشدوا في الميادين احتجاجًا على التغيير الحاصل في عبادتهم وتتريك الأذان.
وتجاهلت صحيفة «جمهوريت» المعبرة عن أتاتورك والإعلام التركي والعالمي في ذلك الوقت ردة فعل الأتراك تجاه التدخّل والتغيير في الدين الإسلامي.
وكان الحافظ عمر بك السالونيكي أول من أذّن بالتركية، على مقام سوزناق، في عام 1932 في جامع حصار بمدينة إزمير الساحلية غرب تركيا.
وتعرض المؤذن طوبال خليل للضرب والاعتقال من الشرطة بعد أن أذن بالعربية في «أولو جامع» جامع مدينة بورصة الكبير عام 1933.
واحتشد الناس في مدينة بورصة، أكبر معقل للمعارضين لقرار تتريك الأذان، في ساحة المسجد الكبير بالمدينة «أولو جامع». وعندما علم أتاتورك بالواقعة والرفض الشعبي للأذان بالتركية قطع زيارته لإزمير، وذهب لبورصا، وقال لوكالة أنباء الأناضول التركية: «مثل هؤلاء الرجعيين الجهلاء لن ينجوا من قضاء الجمهورية.. إن المسألة ليست متعلقة بالدين قدر ما هي متعلقة بلغة، أي اللغة العربية»، وظلت الشرطة والقضاء يعاقِبان بالحبس لمدة 3 أشهر وغرامة مالية لكل من يقوم بالأذان بالعربية طبقًا لنص المادة 526 - عقوبات حتى عام 1941.
ويعد كمال بيلاو أوغلو شيخ الطريقة التيجانية وخليفته عبد الرحمن بالجي اللذين قادا حملة الأذان بالعربية بعد عام 1941م، حيث تعرض كثير من المؤذنين بالعربية للحبس والعقوبات المالية، والوضع في مستشفيات الأمراض العقلية.
وفي 22 سبتمبر (أيلول) 1948 صدر تعميم من رئاسة الشؤون الدينية التركية باعتبار الأذان بالعربية غير مخالف للقانون.
وفي أول انتخابات مدنية حرة في تركيا خاض عدنان مندريس منافسة مع خليفة كمال أتاتورك عصمت إينونو تركزت بالأساس على مطلب جماهيري واحد، هو إلغاء المادة 526 عقوبات التي تحظر الأذان بالعربية، ونجح مندريس في اكتساح منافسه، وشكل أول حكومة مدنية كان أول ما فعلته إعادة الأذان بالعربية مرة أخرى يوم 16 يونيو (حزيران) 1950 الموافق أول أيام شهر رمضان للعام 1370هـ. وبقي تاريخ الصراع حول الأذان العربي الذي تعرض لمحنة التتريك حدثا بارزا في تاريخ الأتراك المعاصر وقدم المخرج السينمائي إسماعيل جونش وكاتب السيناريو عمر لطفي مَتا فيلما في عام 1991 بعنوان «شيزمة» (أي الحذاء) يحكي قصة مقاومة أهالي قصبة تركية، تقع على ساحل البحر الأسود، شمال البلاد لأداء الأذان بالتركية، وتحديهم للسلطات حتى تم إعادة الاعتبار للأذان.
ومع تولي رئاسة هيئة الشؤون الدينية التركية الشأن الديني بعد إلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية عام 1926م حافظت على عادة الأتراك العثمانيين بتعيين مؤذن لكل جامع، كما اعتمدت تنظيم دورات لتدريب واختيار ومسابقة سنوية للمؤذنين، وهو ما أدى إلى ظهور مجموعة كبيرة من المؤذنين المميّزين بأصواتهم العذبة كان من أشهرهم في تلك الفترة: بكير بيوك باش، وشريف دومان، والحافظ مراد، ومحمد سفينش.
وقبل رمضان الماضي بأيام، أعادت رئاسة الشؤون الدينية التركية طقسا عثمانيا كان اندثر منذ عقود حيث كان من العادة في مدينة إسطنبول أن تقرأ الصلاة والسلام على رسول الله بعد قراءة أذان العشاء كل خميس، وكما انتصر الأذان العربي أمام هجوم العلمانيين فإنه نجح في حشد الناس للدفاع عن إرادتهم الحرة ومواجهة الانقلاب على الديمقراطية في تركيا، وإن كانت هناك أصوات في مدينة إزمير معقل العلمانيين في شمال غربي تركيا تعلن حتى اليوم ضجرها من صوت الأذان الذي يرتفع منذ ليلة الانقلاب وحتى الآن في أماكن تجمعات الأتراك ضد الانقلابيين.



روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.


روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.