كشفت عملية قتل واختطاف وسطو مسلح وسط بغداد باستخدام أسلحة ثقيلة عن المزيد من هشاشة الأوضاع الأمنية في العاصمة العراقية. العملية التي جرت قبل يومين على طريق محمد القاسم السريع وسط بغداد، والتي قامت بها مجموعة مسلحة تستخدم سيارات دفع رباعي تمكنت من إيقاف سيارة محصنة ضد الرصاص تابعة لشركة صيرفة كبيرة، باستخدام سلاح (آر بي جي 7) ضد الدروع وقتل سائقها، وهو نجل صاحب شركة الصيرفة واختطاف اثنين من حراسه وسرقة مبلغ 6 ملايين دولار أميركي كانت داخل السيارة، والفرار إلى خارج حدود العاصمة العراقية، حيث تم إطلاق سراح الحارسين قبل أن تختفي العصابة، والحادثة تمت على مقربة من إحدى نقاط التفتيش الأمنية التي لم يحرك عناصرها أي ساكن، بل اكتفوا بمشاهدة الحادث، حسب شهود عيان.
هذه العملية التي أثارت مزيدا من الهلع لدى العراقيين، وبخاصة سكان بغداد، دفعت برئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، القائد العام للقوات المسلحة، إلى أن ينبه لخطورة الجريمة المنظمة في حديث متلفز أول من أمس، واصفا إياها بأنها تأتي «استغلالا للثغرات الأمنية وخطورتها دعما لعمليات تنظيم داعش». قبل ذلك كانت عملية التفجير التي حصلت في منطقة الكرادة المزدحمة قبل عيد الفطر بيومين قد فضحت جانبا كبيرا من ضعف عمل نقاط التفتيش التي مكنت السيارة المفخخة بالوصول إلى منطقة التفجير قرب مركز للتسوق وقتل أكثر من 300 مواطن كانوا يتسوقون استعدادا للعيد. رجال شرطة ومراقبون ومواطنون ببغداد عبروا لـ«الشرق الأوسط» عن عدم أهمية نقاط التفتيش، التي «همها هو تعطيل الناس وحركة المرور دون أن تحقق أي نتائج أمنية ملموسة» حسب رأي عدنان الخفاجي، وهو صاحب محل في منطقة الكرادة. يضيف الخفاجي قائلا: «عندما تصل إلى أي نقطة تفتيش أمنية ببغداد، أو كما يطلق عليها محليا (سيطرة)، وعدد هذه النقاط يعد بالآلاف في بغداد، سيحدق بوجهك رجل الأمن وهو يضع السيجارة بفمه ليتصرف حسب مزاجه (لحظة إذن)، فإما أن يسمح لك بالمرور، أو يسأل: عن أوراق السيارة، وفيما إذا كنت تملكها أم لا، وإذا كانت ثمة امرأة هي من تقود السيارة فسيأخذ النقاش بين رجل الأمن والسائقة فترة أطول، وقد يعبر لها خلال توجيه الأسئلة عن إعجابه بعطرها أو بملابسها، وأين تسكن أو إلى أين تتجه، وقد لا يجد مانعا من أن يدس إلى داخل السيارة قصاصة ورق مكتوب عليها رقم هاتفه الجوال (موبايله) قبل أن يتركها تمضي في طريقها، وفي أغلب الأحوال تجد الشرطي أو عنصر الأمن المسؤول عن التفتيش مشغولا بهاتفه الجوال، مع أن العبادي كان قد أمر بعدم استخدام هذه الأجهزة في نقاط التفتيش».
يضيف الشرطي زهير محمد عباس تعليقا على حادثة التسليب في طريق محمد القاسم دون تدخل عناصر الأمن، بأن «هناك الكثير مثل هذه الحوادث جرت قرب نقاط السيطرة دون تدخل أي من عناصر الأمن بسبب أن عدد منفذي العملية يفوق عدد المراتب (عناصر الأمن) في نقطة التفتيش، وغالبا يحملون أسلحة أكثر تطورا من أسلحتنا رشاشات الكلاشنيكوف القديمة، وإذا ما تدخلنا فسنتعرض للقتل فورا من قبل العصابات المنفذة، وهناك أمر آخر، وهو إذا تدخلت أنا لمنع تنفيذ جريمة تسليب أو اختطاف وحدث أني قتلت أحد المنفذين فستلاحقني عشيرته، ويتحول الموضوع إلى قضية عشائرية، حيث ستطالبني عشيرته بهدر دمي أو دفع تعويض مادي ضخم للغاية؛ فالعشيرة وقوانينها هي التي تحكم اليوم وليست قوانين الحكومة». يضيف هذا الشرطي الذي لا يتجاوز عمره الـ27 عاما، قائلا «هناك أطباء تركوا عياداتهم أو مناطقهم أو البلد نتيجة تهديدهم عشائريا بسبب وفاة مريض أو عدم نجاح عمليته، وعندما يترك هذا الطبيب بيته هربا يكتبون على جدار بيته (مطلوب عشائريا لا يحق لأحد التصرف بالعقار) أو (مطلوب دم)، وهذه التهديدات معلنة وليست سرية وموجودة أمام أعين الشرطة والجيش وجميع الأجهزة الأمنية، دون أن يجرؤ أحد حتى على محو هذه التهديدات».
ويقول ضابط الشرطة صبحي الراوي، وهو برتبة نقيب: إن «نقاط السيطرة هذه نسميها نقاط مرابطة، أي نحتاج إليها عندما يتم الشك بسيارة معينة فيتم تعميم أوصافها على هذه النقاط ليتم ضبطها، وضمن مهام عناصر الأمن في هذه النقاط هي تفتيش السيارة التي يشكون بصاحبها؛ فهذه النقاط ليست مزودة بأجهزة الكشف عن المتفجرات، والأجهزة السابقة التي كانوا يستخدمونها كانت مزيفة وتم سحبها من جميع نقاط التفتيش، كما لا توجد عربات الكشف المتطورة مثل السكانر، فهذه العربات موجودة في كراجات وزارتي الداخلية والدفاع منذ أكثر من عام بسبب خلافات سياسية أو شبهات فساد، ولم يتم استخدامها رغم أنها حديثة، يضاف إلى هذا أن عناصر الأمن المتواجدين في نقاط التفتيش مكشوفون ويقفون في الشوارع بلا أي حماية وفي ظل ظروف جوية صعبة، حيث تصل درجات الحرارة إلى أكثر من 50 مئوية، وهم أهداف سهلة لأي إرهابي أو مجرم؛ لهذا نحن لا نلوم عناصر نقاط السيطرة»، مشيرا إلى أن «هناك نقاط تفتيش تمتلك أجهزة متطورة وتحتمي بعربات مدرعة وأسلحتهم حديثة، وهذه النقاط موجودة عند مداخل المنطقة الخضراء والمواقع الحساسة». ويوضح الناشط المدني هادي عبد، قائلا: «مشكلة الأمن سياسية بالدرجة الأولى وليست مهنية؛ فالتجاذبات والخلافات بين الكتل السياسية والمحاصصات الطائفية غيبت الجانب المهني في العمل الأمني، وغالبية عناصر الجيش والشرطة تابعون لأحزاب وجهات سياسية ودينية ومذهبية، وتم وضعهم في مناصبهم وفقا للمحاصصات البغيضة، وهناك ما يعرف بضباط الدمج وهؤلاء عناصر كانوا ينتسبون لجماعات مسلحة تم منحهم رتبا عسكرية، واندمجوا مع الشرطة والجيش، مثلا وزير الدفاع سني من تحالف القوى، وهذا يعني أن وزير الداخلية يجب أن يكون شيعيا من منظمة بدر، وهناك 20 جهة أمنية وميلشيات مسلحة تحكم الشارع ببغداد»، منبها إلى أن «مئات السيارات التي لا تحمل لوحات أرقام ويستقلها مسلحون يجوبون بغداد دون محاسبة، الشرطي البسيط لا يستطيع مساءلة هؤلاء المسلحين، وبخاصة إذا أخبره أحدهم بأنه تابع لهذه الميليشيا أو تلك، الأكثر خطورة أن سيارات النجدة التابعة للشرطة تتجول بلا لوحات أرقام، ويصعب على أي مواطن أن يعرف إن كانت هذه السيارة تابعة بالفعل للشرطة أم لمجموعة إرهابية ترتدي ملابس عسكرية، وهذه الملابس تباع علنا في أسواق بغداد».
عمليات السطو المسلح تعود لبغداد والأمن يعجز عن السيطرة عليها
مسؤول أمني: نقاط التفتيش مكشوفة أمام الإرهابيين والمجرمين
عمليات السطو المسلح تعود لبغداد والأمن يعجز عن السيطرة عليها
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



