قدمت الحكومة الفرنسية مشروع قانون لمجلس النواب يقضي بتمديد العمل بحالة الطوارئ لثلاثة أشهر إضافية، حيث كلف رئيس الحكومة بالدفاع عنه أمام النواب، بعد أن أقره صباحا مجلس الوزراء مجتمعا برئاسة هولاند.
وبعد أسبوع على مجزرة مدينة نيس الفرنسية الساحلية (84 قتيلا ومئات الجرحى)، ما زالت حملة الانتقادات العنيفة على حكومة الرئيس فرنسوا هولاند تتسع بسبب عجزها عن حماية الفرنسيين، ووضع حد للعمليات الإرهابية التي حصدت منذ يناير (كانون الثاني) من العام الماضي 254 شخصا، ومئات الجرحى.
وتطورت الحملة إلى المطالبة باستقالة رئيس الحكومة مانويل فالس، ووزير الداخلية برنار كازنوف، فيما يبدو أن اليمين الفرنسي «الكلاسيكي والمتطرف ممثلا بالجبهة الوطنية» عازم على استغلال الوضع الأمني لأهداف سياسية واضحة، وذلك على خلفية الانتخابات الرئاسية والتشريعية الربيع المقبل، والتنافس الحاد بين شخصيات اليمين للفوز بترشيح حزب «الجمهوريون».
ويبدو اليوم واضحا، أكثر فأكثر، أن مواضيع الأمن والإرهاب والهجرة والإسلام والهوية الوطنية ستكون لها الغلبة على غيرها من الملفات. وبشكل عام، ينظر إلى اليمين على أنه أكثر تشددا في التعامل معها، فيما يتهم اليسار بـ«الضعف»، بل بـ«العجز». ويأتي الرد الحكومي بتعداد التدابير والإجراءات الأمنية التي اتخذتها الحكومة منذ 18 شهرا، وليس أقلها فرض حالة الطوارئ، واستصدار القوانين والتشريعات التي توفر للأجهزة الأمنية مزيدا من الصلاحيات، وتجنيد الآلاف من رجال الأمن والدرك، وتخصيص ما لا يقل عن 10 آلاف جندي للحفاظ على الأمن الداخلي، واستدعاء الاحتياط. وسياسيا، تتهم الحكومة خصومها السياسيين بـ«استغلال» مآسي الناس والبحث عن الشعبية «على دماء الضحايا».
وفي ظل هذه الأجواء المحمومة، جاء قرار الحكومة بتقديم مشروع القانون بتمديد العمل بحالة الطوارئ لثلاثة أشهر إضافية. بيد أن أحزاب اليمين الذي «لا يفهم» الأسباب التي دعت هولاند، ظهيرة 14 يوليو (تموز)، لإعلان وضع حد لحالة الطوارئ التي ينتهي العمل بتمديدها السابق في 26 يوليو الحالي، طالب بالتمديد حتى نهاية العام الحالي. وكان ينتظر أن تكون جلسة البرلمان المسائية «حامية» بسبب ما يعتبره معلقون سياسيون رغبة اليمين في «استغلال الورقة الأمنية حتى النهاية».
ومساء الاثنين، طالبت المعارضة اليمينية بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية للنظر في مجريات عملية نيس الإرهابية التي تعد الأكثر دموية في أوروبا منذ تلك التي حصلت في باريس ليل 13 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2015. وحجة المعارضة أن الحكومة «أخفقت» في اتخاذ تدابير الحماية الضرورية، مما سهل لمحمد لحويج بوهلال تنفيذ مهمته. وجاء في بيان لحزب «الجمهوريون» الذي يرأسه رئيس الجمهورية السابق نيكولا ساكوزي أنه يتعين إلقاء «كامل الضوء» على ما حدث في نيس. وهاجم ساركوزي مباشرة الحكومة، معتبرا أنها «لم تتخذ الإجراءات التي كان من المفترض بها أن تتخذها منذ 18 شهرا». وما لا يفهمه كثير من الفرنسيين هو كيف نجح بوهلال في اجتياز حاجز أمني على مدخل «متنزه الإنجليز» بشاحنة تزن 19 طنا، علما بأن الجزء الأكبر منه كان مخصصا لتجمعات المواطنين والسياح بمناسبة العيد الوطني، وإطلاق الأسهم النارية. وكان كريستيان استروزي، رئيس بلدية نيس والنائب عن دائرتها، أول من فتح النار على الحكومة التي اتهمها بعدم توفير الحماية اللازمة وأفراد الشرطة والدرك لحماية احتفالات المدينة السياحية التي تجتذب صيف كل عام عشرات الآلاف من السياح الفرنسيين والأجانب.
وفي هذا السياق المتأزم، ينتظر أن يقدم نواب اليمين الذين سيصوتون لصالح التمديد العشرات من التعديلات على مشروع القرار الحكومي لجعله «أكثر نجاعة» في محاربة الإرهاب، وتلافي تكرار العمليات الإرهابية. ويريد هؤلاء أن تستخدم الحكومة كل الإمكانيات التي توفرها حالة الطوارئ، وأن تكون أكثر صرامة في تنفيذها. لكن الحكومة ترد بأن الأجهزة الأمنية نجحت في تعطيل 16 محاولة إرهابية في الأعوام الثلاثة الأخيرة، وأن محمد لحويج بوهلال الذي كانت تعرفه أجهزة الشرطة في مدينة نيس بسبب جنح ارتكبها لم يدخل السجن بتاتا، ولم ينحرف باتجاه أصولي إلا في الفترة الأخيرة. وفي أي حال، ورغم تبني تنظيم داعش عملية نيس التي قام بها «جندي من داعش» بحسب بيان وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، لم يثبت بعد للنيابة العامة أو الأجهزة الأمنية بشكل قاطع أن بوهلال كان على اتصال مع «داعش»، أو أنه نفذ أوامر التنظيم.
وبموازاة ذلك، ما زال الرئيس الفرنسي الذي يعد أول الخاسرين من تكرار العمليات الإرهابية، لأن ذلك يحط بشعبيته إلى الحضيض، ويقضي على آماله بالبقاء في قصر الإليزيه لولاية جديدة من 5 سنوات، يدعو إلى البقاء «فوق المعمعة»، عن طريق تكرار الدعوة إلى المحافظة على الوحدة الوطنية، وعلى «صدقية وجدية» الكلام السياسي والعام، بمعنى الابتعاد عن الغوغائية والشعبوية.
بيد أن الجهود الفرنسية لا تنحصر فقط بالبعد الداخلي، على أهميته، بل إن باريس تريد أن تكون فاعلة أيضًا في محاربة الإرهاب في الخارج. وقد استبق وزير الدفاع جان إيف لو دريان اجتماعات العاصمة الأميركية، الثلاثاء والأربعاء، حول محاربة الإرهاب في سوريا والعراق، بتأكيد أن بلاده «مستمرة في حرب لا هوادة فيها على (داعش) في الداخل كما في الخارج». وأشار لو دريان إلى أن الطائرات الفرنسية تقوم كل يوم بعمليات عسكرية في سوريا والعراق، وأنها قامت الليلة قبل الماضية بضربات جوية ضد مواقع لـ«داعش» في تل عفار، قريبا من الموصل. ويرى الوزير الفرنسي أن العمليات العسكرية في العراق وسوريا «تساهم أيضًا في ضمان أمن فرنسا وأوروبا بشكل عام». وفي انتقادات مغلفة لأداء التحالف الدولي، طالب لو دريان بأن يعززوا عملياتهم الهجومية ضد «داعش» حتى النهاية ضد أهم حصنين للتنظيم المذكور في الموصل والرقة، حيث تنطلق «مجموعات الكوماندوز الإرهابية» التابعة له. وبما أن «داعش» قد خسر 40 في المائة من الأراضي التي كان يحتلها، وكثيرا من موارده «المالية» ومقاتليه، فإنه يتعين بالتالي «زيادة الضغط من أجل القضاء التام عليه». لكن وزير الدفاع اعترف بأن هذا الهدف سيحتاج لمزيد من الوقت.
أما على صعيد التحقيق، فإن المعلومات المتوافرة تفيد أنه حقق بعض التقدم، من غير أن تحسم مسألة انتماء بوهلال إلى «داعش». ولكن ما توصل إليه المحققون، وفق المدعي العام فرنسوا مولينس، هو أن الأخير مال إلى «الجهادية» في الأسابيع الأخيرة التي سبقت مجزرة نيس، الأمر الذي تأكد للمحققين من خلال فحص حاسوبه الشخصي، إذ إن التونسي حمل أناشيد جهادية، وتابع عن قرب عمليات إرهابية حصلت في فرنسا وفي الولايات المتحدة الأميركية. ويسعى المحققون إلى جلاء ما إذا كان لبوهلال شركاء، أو أنه استفاد من دعم ومساعدة محلية. وباستثناء زوجته السابقة التي أخلي سبيلها، فإن الأشخاص الستة الموقوفين على ذمة التحقيق ما زالوا رهن الاعتقال، ويخضعون للتحقيق، ومنهم اثنان نقلا إلى مقر المخابرات الداخلية قريبا من باريس.
على صعيد متصل قالت صحيفة «لو فيغارو» أمس، إنه وفقا لتقديرات المخابرات العسكرية الفرنسية، ما زال نحو مائة أجنبي يدخلون سوريا أسبوعيا عبر الحدود التركية للانضمام لصفوف داعش.
وقال وزير الخارجية الفرنسي يوم الأحد الماضي إنه ينبغي طرح تساؤلات عما إذا كانت تركيا شريكا حقيقيا في الحرب ضد تنظيم داعش في سوريا. ونقلت «رويترز» عنه قوله إنه سيثير هذه المسألة خلال اجتماع في واشنطن هذا الأسبوع لأعضاء التحالف الدولي ضد التنظيم.
ونقلت «لو فيغارو» عن مصادر قولها: «وفقا لإدارة المخابرات العسكرية (دي آر إم) في باريس، ما زال نحو مائة أجنبي يعبرون الحدود التركية كل أسبوع إلى سوريا للانضمام لتنظيم داعش».
ولم تعلق وزارة الدفاع حتى الآن على هذا التقرير.
فرنسا تمدد الطوارىء.. وتوتر سياسي على خلفية تبعات عملية نيس الإرهابية
المحققون لم يتوصلوا إلى رابط أكيد بين الإرهابي التونسي و«داعش» * مصادر فرنسية: مائة مقاتل يدخلون سوريا أسبوعيًا عبر الحدود التركية للالتحاق بـ«داعش»
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال حضوره تدريبا عسكريا بإحدى ثكنات مدينة سانت أستييه أمس في إطار التدابير التي تتخدها السلطات الفرنسية لوقف العمليات الإرهابية (أ.ف.ب)
فرنسا تمدد الطوارىء.. وتوتر سياسي على خلفية تبعات عملية نيس الإرهابية
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خلال حضوره تدريبا عسكريا بإحدى ثكنات مدينة سانت أستييه أمس في إطار التدابير التي تتخدها السلطات الفرنسية لوقف العمليات الإرهابية (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
