عدن تتحدى الصعوبات المالية والإدارية بمجلس اقتصادي

المحافظ يكشف لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل وأهداف وخطوات الإصلاح المرتقب

جانب من مدينة عدن التي استعادتها الشرعية منذ عام وتسعى الحكومة لإنعاشها اقتصاديا (رويترز)
جانب من مدينة عدن التي استعادتها الشرعية منذ عام وتسعى الحكومة لإنعاشها اقتصاديا (رويترز)
TT

عدن تتحدى الصعوبات المالية والإدارية بمجلس اقتصادي

جانب من مدينة عدن التي استعادتها الشرعية منذ عام وتسعى الحكومة لإنعاشها اقتصاديا (رويترز)
جانب من مدينة عدن التي استعادتها الشرعية منذ عام وتسعى الحكومة لإنعاشها اقتصاديا (رويترز)

تعكس الأجواء الساخنة التي تعيشها مدينة عدن، ونقص الكهرباء الحاد، مدى حاجة المواطن اليمني إلى دفعة اقتصادية تنعشه قليلا. ولا تعدو هذه الملاحظة إلا انعكاسا لما يصبو إليه المواطنون الذين للتو أنهوا سنة واحدة بعد سيطرة الانقلاب على محافظتهم.
وتتحرك الحكومة اليمنية في الاتجاهات كافة التي قد تحدث فارقا أفضل، وأجرت عشرات اللقاءات والاجتماعات، إلى جانب الخطوات المبدئية لإنقاذ الوضع في المناطق المحررة، ولعل أبرزها، استحداث المجلس الاقتصادي في محافظة عدن.
حيال ذلك، كشف اللواء عيدروس الزبيدي محافظ عدن، لـ«الشرق الأوسط» عن جملة أهداف ورؤى متعلقة بالمجلس، وفصل في حديث خاص، أبرز نقاط التركيز التي سيتخذها المجلس الاقتصادي في عدن، برئاسته.
الزبيدي يؤكد بأن تشكيل مجلس اقتصادي للعاصمة المؤقتة عدن يأتي للمساعدة في حل الأزمات الاقتصادية المفتعلة من قبل الانقلابين، وتحسين مستوى الدخل الإيرادي، لافتًا إلى أن اجتماع المجلس سيكون بشكل دائم لمواجهة التحديات الاقتصادية كافة التي تواجه العاصمة عدن على حد قوله.
وتتمثل مهام المجلس الاقتصادي، في الإشراف العام على نشاط المؤسسات الاقتصادية في العاصمة المؤقتة عدن، ورفع مستوى أداء المؤسسات وتنمية مواردها وضمان حسن استخدامها، إلى جانب عمل آلية تضمن تدفق موارد المؤسسات بانتظام إلى الحسابات المصرفية المعتمدة ومنها حساب السلطة المحلية.
وأوضح محافظ عدن أن قرار إنشاء المجلس الاقتصادي في هذه المرحلة الحرجة يأتي بعد أن دمرت المؤسسات والمكاتب الإيرادية تدميرا ممنهجا، وقال: «أصبحت المؤسسات مليئة بالفساد».
ولأن الاقتصاد والتنمية من العوامل المهمة في تطوير وبناء العاصمة عدن من خلال الإيرادات وتحسين أداء هذه المكاتب وتقديم الدراسات التي من شأنها أن تنهض بعدن بشكل كبير وسريع، قال الزبيدي إن المجلس يضع في أبرز أهدافه تحقيق ذلك.
واستطرد المحافظ بالقول إن المرحلة التي تعقب مرحلة تثبيت الأمن والاستقرار لعدن والتي بذلت فيها السلطة المحلية جهودا كبيرة وحققت من خلالها إنجازات ملموسة في استتباب الأمن والاستقرار، وجب أيضا أن يولى العامل الاقتصادي أهمية مماثلة في هذه المرحلة، ولتحقيق المهام الاقتصادية وتحسين الإيرادات ولإشراك كل الكفاءات والمختصين جاءت أهمية تشكيل المجلس الاقتصادي لانتشال عدن من وضعها الاقتصادي المتدهور جراء الحرب الظالمة التي شنتها ميليشيا الحوثيين وقوات المخلوع صالح على عدن والجنوب.
ولفت الزبيدي إلى مهام أخرى للمجلس، ومنها إقرار آلية عمل منظمة للصرف من الميزانيات التشغيلية للجهازين المدني والأمني في عدن، فضلا عن عمليات الرقابة على مستوى أداء كل مؤسسة، إلى جانب رفع التقارير الدورية للحكومة على النمط الذي يقره المجلس.
وسيستعين المجلس بعدد من المختصين الأكفاء في سبيل إنجاز مهامه على أكمل وجه، وفقا للزبيدي، الذي جدد تأكيده بأن قرار تشكيل المجلس الاقتصادي لعدن جاء بعد سلسلة لقاءات مع الجهات الإيرادية ذات الاختصاص، آخرها الاجتماع الموسع الذي عقده المحافظ الزبيدي «الأحد» الماضي مع مديري ورؤساء المكاتب والهيئات والمؤسسات والمصالح الإيرادية في عدن والذي خرج بقرار تشكيل المجلس الاقتصادي لإدارة العملية الاقتصادية والتنموية والإيرادية والتغلب على الصعوبات والتحديات التي تعيشها العاصمة المؤقتة والحيلولة دون تفاقمها واتساعها.
بدوره، وصف الدكتور سعودي علي عبيد أستاذ الاقتصاد بجامعة عدن تشكيل المجلس الاقتصادي في عدن الخطوة الضرورية والمهمة على طريق إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والإدارية والخدمية في عدن والتي تضررت كثيرًا بسبب الحرب التي أشعلها تحالف صالح والحوثيين، وتسببت بتدمير كثير من البنية التحتية والمؤسسات، وتم تعطيل فاعلية مؤسسات أخرى على حد قوله.
واستطرد في حديث لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: بسبب استمرار الحرب، وبسب المركزية الإدارية والمالية التي كانت متبعة، فقد أثر ذلك كثيرًا على المناطق المحررة ومنها عدن، موضحًا بأن صعوبات كثيرة ما زالت تعاني منها عدن حتى الآن، وخاصة في الجوانب الاقتصادية والإدارية والخدمية.
وأكد عبيد بأن تشكيل المجلس الاقتصادي في عدن يعتبر خطوة هامة، مشيرا إلى أن أبرز المهام التي تنتظر المجلس هي الإسراع في إعادة تشغيل المؤسسات الاقتصادية والخدمية وكذا ضرورة إعادة تقييم المؤسسات الاقتصادية في عدن، إلى جانب تصحيح الوضع القيادي في إدارات المؤسسات الاقتصادية والخدمية وإعادة تأهيلها، وكذا دراسة الطرق الممكنة التي من خلالها يتم تفعيل نشاط أهم المؤسسات الاقتصادية الإيرادية من أجل تحسين النشاط الاقتصادي، وزيادة الإيرادات المالية للمؤسسات الاقتصادية، بالإضافة إلى العمل على إقامة وإنشاء مؤسسات اقتصادية جديدة قادرة على المساهمة الفاعلة في رفد ميزانية عدن بالإيرادات المالية الضرورية.
ويضم المجلس الاقتصادي الذي تشكل برئاسة المحافظ عيدروس الزبيدي نخبة من الخبراء الاقتصاديين وأكاديميين من جامعة عدن وكفاءات متمكنة تعمل بعدد من المرافق والمكاتب الإيرادية في المدينة وتمتلك خبرات اقتصادية طويلة، حيث يهدف تشكيل المجلس إلى مواجهة التحديات الاقتصادية المفتعلة من قبل الميليشيات الانقلابية من تحالف الحوثيين والمخلوع صالح.
المتخصصة في الإدارة والاقتصاد الدكتورة ليلى قائد أكدت في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الأزمات المفتعلة في عدن على حد قولها خلقت أجواء ساخطة وزادت من معاناة المواطنين في مجالات الحياة المختلفة، مضيفة: نحن إذ نقول أزمات مفتعلة كونها لم تكن حاضرة بهذه الحدة في الماضي القريب وإبان حرب الحوثي العفاشي الظالمة على عدن والجنوب، كما أضافت: نحن نؤيد ونبارك الخطوة الفاعلة في تشكيل مجلس اقتصادي للعاصمة عدن للمساعدة في حل الأزمات الاقتصادية المفتعلة من قبل دعاة الحرب وتحسين الدخل الإيرادي كون عدن والجنوب زاخرة بالموارد الاقتصادية والكوادر الاقتصادية النزيهة، مشيرة إلى أن ذلك يأتي من أجل تحسين المستوى المعيشي وتحقيق الحياة الكريمة لأبنائنا، وسعيا وراء تحقيق الهدف المنشود في استعادة دولة الجنوب العربي لأننا أصحاب الأرض والعرض.
وأردفت ليلى قائد وهي أستاذة جامعية بكلية العلوم الإدارية جامعة عدن بالقول: من جملة الأزمات المفتعلة في عدن والجنوب يمكننا تلخيص عدد من المعالجات تتمثل في تدعيم المجلس الاقتصادي بالخبراء والمستشارين والأكاديميين الاقتصاديين المشهود لهم بالنزاهة، وتزويد جهاز الاستخبارات بأحدث الأجهزة التقنية الاستخباراتية وبقيادات وكوادر جنوبية مؤهلة، وأيضًا توريد جميع الإيرادات إلى خزينة البنك المركزي في عدن في ظل سلطة محلية منفصلة عن السلطة المركزية في صنعاء.
كما شددت على إعادة التعيينات الإدارية والمالية في المرافق وفق معايير وضوابط مهنية، وكذا تعيين رئيس جامعة عدن كونها الصرح الأعلى في بناء القاعدة العلمية التي تخدم التنمية في بلادنا، ودعت إلى إنشاء صندوق مالي لدعم النظافة التي تعكس ملامح الحضارة للبلاد، مؤكدًا على ضرورة إجراء مسح بالعينة للأسرة في الجنوب لمعرفة جملة الخصائص الديموغرافية الخاصة فيها ومنها معرفة حجم ومعدل البطالة ليتم معالجته واستغلال الطاقات المهدورة لشبابنا، وكذلك إعادة تفعيل الأجهزة القضائية والرقابية والمحاسبية والإحصائية وغيرها بعيدا عن السلطة المركزية في صنعاء.



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.