«النقد الدولي»: انفصال بريطانيا عرقل النمو العالمي

نظرة إيجابية نحو الشرق الأوسط.. وتوقعات بتعافي تركيا

مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد (أ.ف.ب)
مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد (أ.ف.ب)
TT

«النقد الدولي»: انفصال بريطانيا عرقل النمو العالمي

مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد (أ.ف.ب)
مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يحاول فيه الاقتصاد العالمي تخفيف حدة التباطؤ الناتج عن ضعف الطلب العالمي، وتأثيرات المشكلات الجيوسياسية، رفع صندوق النقد الدولي، من توقعاته للنمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2016، بفعل تحسن طفيف في أسعار النفط، ورأى الصندوق في تقرير أصدره أمس أن المنطقة، إضافة إلى أفغانستان وباكستان، ستسجل نموًا اقتصاديًا يبلغ 3.4 في المائة هذه السنة، بزيادة طفيفة عن توقع سابق بلغ 3.1 في المائة.
في المقابل، خفض الصندوق توقعاته التي أصدرها في أبريل (نيسان) الماضي للنمو الاقتصادي في 2017، ليصبح 3.3 في المائة بدلاً من 3.5 في المائة، وعزت المؤسسة المالية الدولية هذا الخفض إلى عوامل عدة أبرزها «الإرهاب»، والتأثيرات الجيوسياسية في المنطقة.
وتشكل أسعار النفط عاملا مؤثرا في النمو الاقتصادي لدول المنطقة، والتي تشمل مستوردين أساسيين كمصر والمغرب، ومنتجين بارزين كدول الخليج والعراق وإيران التي بلغ مستوى إنتاجها اليومي أكثر من مليوني برميل بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وانخفضت أسعار النفط بشكل حاد عالميا منذ منتصف عام 2014، ووصلت إلى مستويات ما دون الثلاثين دولارًا للبرميل في وقت سابق من هذه السنة، إلا أن الأسعار شهدت بعض التحسن في الأسابيع الماضية، وتتداول حاليا عند مستويات تقارب الـ45 دولارا للبرميل.
ورأى صندوق النقد أنه «في منطقة الشرق الأوسط، يستفيد مصدّرو النفط من التعافي المتواضع راهنا في أسعار النفط، مع الاستمرار في إجراءات التعزيز المالي تجاوبا مع عائدات نفطية منخفضة».
واعتبر الصندوق أن «التوترات الجيوسياسية، النزاعات المحلية المسلحة، والإرهاب، تحظى أيضا بأثر كبير في التوقع في اقتصادات عدة، لا سيما في الشرق الأوسط»، حيث تؤدي هذه العوامل إلى «تأثيرات عبر الحدود».
وأبقى الصندوق توقعاته بنمو اقتصاد السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، عند 1.2 في المائة هذه السنة، و2.0 في المائة في 2017.
وأدى تراجع أسعار النفط عالميًا إلى خسارة الدول الخليجية إيرادات تقدر بمئات المليارات من الدولارات، في ظل اعتماد إيراداتها بشكل كبير على العائدات النفطية، واتخذت هذه الدول سلسلة خطوات تقشف واقتراض للحد من عجز الموازنة الذي تسبب به انخفاض الإيرادات.
وفي حين نوه صندوق النقد بهذه الإجراءات، شدد على ضرورة القيام بالمزيد، وفي تقرير أصدره الشهر الماضي، توقع الصندوق تراجع إيرادات النفط والغاز في دول مجلس التعاون الخليجي والجزائر بنحو 450 مليار دولار هذه السنة مقارنة بعام 2014، كما توقع أن تسجل هذه الدول عجزًا متراكمًا في ميزانياتها سيصل قدره لـ900 مليار دولار في سنة 2021.
أما على الصعيد التركي، فتوقع الصندوق استقرار الأمور رغم التقلب الشديد في الأسواق بعد الأحداث الأخيرة.
ويأتي ذلك في حين خفض صندوق النقد الدولي من توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي خلال عام 2017، بسبب الغموض الاقتصادي في أعقاب تصويت البريطانيين الشهر الماضي لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وخفض الصندوق، الذي يقوم بمهمة إقراض الدول في أوقات الأزمات ومقره واشنطن، من تنبؤاته الخاصة بنمو الاقتصاد العالمي عام 2016 إلى ما نسبته 3.1 في المائة، بانخفاض نسبته 0.1 في المائة من التقديرات التي أعلنها في أبريل الماضي، كما أشارت التقديرات التي تمت مراجعتها لعام 2017 إلى معدل نمو يبلغ 3.4 في المائة.
وقال صندوق النقد في تقرير ربع سنوي لتحديث توقعاته للآفاق الاقتصادية العالمية، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمثل «مخاطر جسيمة نحو تراجع معدل النمو» بالنسبة للاقتصاد العالمي، كما أنه شكل مفاجأة لأسواق المال العالمية، وتسبب في هزة في أسواق الأوراق المالية والعملات.
وأضاف التقرير «إنه كنتيجة لهذا الخروج فإن النظرة العالمية للعام المالي 2017 - 2016 تراجعت، على الرغم من الأداء الذي فاق التوقعات أوائل عام 2016».
وأوضح التقرير أن من المتوقع أن يكون التراجع أشد قوة في بريطانيا، حيث خفض صندوق النقد توقعاته للنمو خلال 2016 بنسبة 0.2 في المائة، إلى 1.7 في المائة، وتم توقع نسبة التراجع العام المقبل لتكون 0.9 في المائة، وتوقع معدل للنمو بنسبة 1.3 في المائة.
وقال تقرير الصندوق إن المراجعات المرتبطة بخروج بريطانيا تتركز في الاقتصادات الأوروبية المتقدمة، مع وجود تأثير ضئيل نسبيا في دول أخرى بما فيها الولايات المتحدة والصين».
كما أن التوقعات بالنسبة للأسواق الصاعدة والنامية ظلت دون تغيير عند معدل نمو يبلغ 4.1 في المائة عام 2016، مع نمو بنسبة 4.6 في المائة العام المقبل.
ويرى الصندوق أن نتيجة الاستفتاء البريطاني «أضافت حالة كبيرة من انعدام اليقين في تحقيق نهوض ضعيف في الاقتصاد العالمي»، مؤكدًا أنه من الصعب في الوقت الراهن توقع الأثر الدقيق للخروج من الاتحاد الأوروبي.
ولكن بريطانيا ستكون أول من يعاني من تبعاته وفق الصندوق الذي خفض توقعات النمو في المملكة المتحدة في 2016 إلى 1.7 في المائة بتراجع 0.2 نقطة مئوية، وإلى 1.3 في المائة في 2017 بتراجع 0.9 نقطة مئوية.
وقال التقرير إن الوضع مهيأ لمزيد من التراجع إذا لم تتوصل لندن وشركاؤها الأوروبيون إلى اتفاق «يتجنب زيادة كبيرة في الحواجز الاقتصادية والجمركية». فإذا حدث هذا السيناريو الأسود الذي اعتبره الصندوق «أقل ترجيحًا» ستعاني بريطانيا من «الركود» بسبب ترجيح انتقال قسم كبير من الخدمات من وسط الأعمال في لندن إلى مدن أوروبية أخرى وتراجع أقوى من المتوقع في الاستهلاك والاستثمار.
وستؤدي مثل هذه الفرضية المربكة للأسواق إلى تراجع نمو الاقتصاد العالمي إلى 2.8 في المائة في 2016، وستكون منطقة اليورو معرضة «لتوترات معممة في القطاع المصرفي» وفق صندوق النقد.
ولاحظ الصندوق في تقريره بعض مواطن الضعف الاقتصادي في العالم. فالدول الناشئة ولا سيما في أفريقيا لا تزال تعاني من تراجع أسعار النفط، وبعض المصارف في منطقة اليورو - لا سيما في إيطاليا والبرتغال - لا تزال تعاني من الضعف.
بينما قال الخبير الاقتصادي الأول بصندوق النقد الدولي ماوري أوبستفيلد إن «مستقبل الخروج البريطاني غامض بشكل خاص». وحذر من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أضاف «ضغوطًا للتراجع» على الاقتصاد العالمي، حيث كانت توجد «علامات واعدة» في النصف الأول من العام الحالي، وكان معدل النمو أفضل إلى حد ما مما كان متوقعا في منطقة اليورو واليابان، كما ساعد الانتعاش الجزئي في أسعار السلع بعض الدول على تصدير المواد الخام.
وأشار أوبستفيلد إلى أن صندوق النقد كان يراقب الارتفاع المتواضع في التوقعات للعام المالي 2016 - 2017 قبل إجراء الاستفتاء في بريطانيا، وقال: «غير أن الخروج البريطاني عرقل الاتجاه التصاعدي».
وأشار إلى أن أسواق المال «أثبتت مرونتها» خلال الأسابيع التي تلت الاستفتاء، وأضاف: «غير أن أوجه الضعف لا تزال موجودة، ليس أقلها تلك التي تعاني منها بعض المصارف الأوروبية».
وعلى صعيد آخر، تواجه الدول الواقعة جنوب الصحراء الأفريقية أشد درجات التراجع، حيث من المتوقع أن ينخفض معدل النمو لعام 2016 ليصل إلى 1.6 في المائة فقط، نتيجة الركود في نيجيريا وجنوب أفريقيا.
وحذر أوبستفيلد من «التداعيات الشديدة» الناجمة عن تراجع معدلات النمو في دول جنوب الصحراء الأفريقية بواقع النصف تقريبا هذا العام إلى 1.6 في المائة فقط، مما يتسبب في انخفاض دخل الفرد.



انخفاض صافي الأرباح المتوقعة لـ«سينوبك» الصينية 36.8 % لعام 2025

نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)
نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)
TT

انخفاض صافي الأرباح المتوقعة لـ«سينوبك» الصينية 36.8 % لعام 2025

نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)
نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)

أعلنت شركة سينوبك الصينية، الأحد، انخفاض صافي أرباحها المتوقعة لعام 2025 بنسبة 36.8 في المائة.

وسجلت الشركة، والتي تمتلك أكبر مصفاة نفط في العالم من حيث الطاقة الإنتاجية، صافي دخل عائد للمساهمين بلغ 31.8 مليار يوان (4.62 مليار دولار)، وفقاً للمعايير المحاسبية الصينية، وذلك في بيانٍ قدّمته لبورصة شنغهاي، الأحد.

وانخفضت طاقة التكرير بنسبة 0.8 في المائة، العام الماضي، لتصل إلى 250.33 مليون طن متري؛ أي ما يعادل 5 ملايين برميل يومياً. وتوقعت الشركة أن يظل إنتاج المصفاة مستقراً عند نحو 250 مليون طن في عام 2026.

وانخفض إنتاج البنزين والديزل بنسبتيْ 2.4 و9.1 في المائة على التوالي، ليصل إلى 62.61 مليون طن و52.64 مليون طن، بينما ارتفع إنتاج الكيروسين بنسبة 7.3 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 33.71 مليون طن.

وبلغ هامش الربح الإجمالي السنوي للتكرير 330 يواناً (47.93 دولار) للطن، بزيادة قدرها 27 يواناً على أساس سنوي، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى التحسن الكبير في هوامش الربح لمنتجات التكرير الثانوية مثل الكبريت وفحم الكوك، مما عوَّض أثر ارتفاع علاوات استيراد النفط الخام وتكاليف الشحن.

مبيعات البنزين

انخفضت مبيعات الشركة من البنزين بنسبة 2.5 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 61.1 مليون طن، مع انخفاض متوسط ​​السعر بنسبة 7.7 في المائة، بينما انخفضت مبيعات الديزل بنسبة 9.1 في المائة لتصل إلى 51.2 مليون طن، وانخفض متوسط ​​السعر بنسبة 8 في المائة في عام 2025.

وبلغت مبيعات الكيروسين 24.2 مليون طن؛ بزيادة قدرها 4 في المائة على أساس سنوي، بينما انخفض متوسط ​​السعر بنسبة 9.9 في المائة، مقارنة بعام 2024.

وفي عام 2025، بلغ إنتاج الشركة المحلي من النفط الخام 255.75 مليون برميل، بزيادة قدرها 0.7 في المائة على أساس سنوي، بينما بلغ إنتاجها الخارجي من النفط الخام 26.65 مليون برميل.

وتتوقع «سينوبك» أن يصل إنتاجها المحلي من النفط الخام إلى 255.6 مليون برميل في عام 2026، ليظل مستقراً إلى حد كبير، بينما من المتوقع أن ينخفض ​​الإنتاج الخارجي إلى 25.31 مليون برميل.

الغاز الطبيعي

ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 4 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 1.456.6 مليار قدم مكعبة في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 1.471.7 مليار قدم مكعبة في عام 2026.

وزاد إنتاج الشركة من الإيثيلين بنسبة 13.5 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 15.28 مليون طن في عام 2025.

وفي عام 2025، بلغ إجمالي إيرادات مبيعات الشركة الخارجية من المنتجات الكيميائية 378 مليار يوان، بانخفاض قدره 9.6 في المائة على أساس سنوي، ويُعزى ذلك، بشكل رئيسي، إلى انخفاض أسعار المنتجات.

وبلغت نفقات «سينوبك» الرأسمالية 147.2 مليار يوان في عام 2025، منها 70.9 مليار يوان مخصصة للاستكشاف والتطوير.

الإنفاق الرأسمالي

أعلنت «سينوبك» أنها تخطط لزيادة الإنفاق الرأسمالي، هذا العام، من 131.6 مليار إلى 148.6 مليار يوان، بما في ذلك 72.3 مليار يوان للاستكشاف والتطوير، وتحديداً لتوسيع طاقة إنتاج النفط الخام في «جييانغ» و«تاهي»، ومشاريع طاقة الغاز الطبيعي في غرب وجنوب سيتشوان، ومرافق تخزين ونقل النفط والغاز.

وارتفعت أسهم «سينوبك» المُدرجة في بورصة هونغ كونغ بنسبة 0.21 في المائة، منذ بداية العام، متفوقة على مؤشر هانغ سينغ الذي انخفض بنسبة 1.38 في المائة، بينما جاءت متأخرة عن نظيرتيها «بتروتشاينا» و«سينوك»، اللتين حققتا مكاسب بنسبتيْ 17.58 في المائة و42.63 في المائة، على التوالي، منذ بداية العام.


ماليزيا ترفع حجم الدعم الحكومي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
TT

ماليزيا ترفع حجم الدعم الحكومي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)

أعلن رئيس وزراء ماليزيا، أنور إبراهيم، الأحد، أن الحكومة رفعت حجم الدعم المالي من نحو 700 مليون رينغيت (177.7 مليون دولار) إلى 3.2 مليار رينغيت (0.81 مليار دولار) خلال أقل من أسبوع، في أعقاب الارتفاع الكبير بأسعار النفط العالمية الناجم عن الصراع في غرب آسيا.

وقال أنور إبراهيم: «إن حماية رفاهية المواطنين والتجار تبقى أولوية للحكومة في ظل حالة عدم اليقين»، مبيناً أن الدعم يتيح للماليزيين دفع أقل من أسعار السوق الكاملة.

وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط مرتبط بتعطل مضيق هرمز، وهو من الطرق الرئيسية لنقل النفط العالمي، مشيراً إلى أن ماليزيا - رغم أنها دولة منتجة للنفط - تتأثر بالأزمة؛ لأنها تستورد كميات نفط أكبر مما تصدر.


العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
TT

العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)

تمرُّ سوق الطاقة العالمية بلحظة فارقة، حيث تشير التقارير إلى أنَّ الدول المستورِدة للغاز الطبيعي المسال ستواجه فراغاً حاداً في الإمدادات خلال الأيام الـ10 المقبلة. هذا التاريخ يمثل الموعد النهائي لوصول آخر الناقلات التي غادرت المواني الخليجية قبل اندلاع العمليات العسكرية وإغلاق مضيق هرمز، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». ومع وصول هذه الشحنات المتبقية إلى وجهاتها، ستنقطع الصلة تماماً بقطر التي تمد العالم بنحو خُمس احتياجاته من الغاز، مما يضع الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد أمام خيارات صعبة ومكلفة للغاية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

فقد اضطرت قطر، التي تنتج خُمس إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال، إلى وقف صادراتها بعد أن فرضت إيران حصاراً على مضيق هرمز عند مدخل الخليج، في الأيام الأولى من النزاع. ومنذ ذلك الحين، تكبَّدت قطر أضراراً جسيمة في محطة رأس لفان العملاقة للغاز الطبيعي المسال، التي تعرَّضت لهجوم صاروخي إيراني هذا الأسبوع؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في آسيا وأوروبا بشكلٍ حاد.

لكن وفقاً لتحليل أجرته شركة الوساطة البحرية المستقلة «أفينيتي»، فإن كثيراً من ناقلات الغاز الطبيعي المسال التي حمَّلت حمولتها في قطر والإمارات كانت في طريقها إلى وجهاتها قبل بدء الحرب، ما يعني أن بعض العملاء على وشك الشعور بأثر انقطاع الإمدادات.

وستضطر الدول التي تعتمد على الواردات لتشغيل اقتصاداتها إلى دفع أسعار باهظة للتنافس على إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وغيرها، أو التحوُّل إلى أنواع وقود أخرى، أو إجبار الأسر والشركات على ترشيد الاستهلاك، وفق تقرير «فاينانشال تايمز».

وقد فرضت كثير من الدول الآسيوية الفقيرة بالنفط والغاز إجراءات لتجنب النقص، مثل تطبيق نظام العمل 4 أيام في الأسبوع.

ولا تزال شحنة واحدة فقط من الغاز الطبيعي المسال من الخليج من المُقرر وصولها إلى آسيا، التي تستورد نحو 90 في المائة من إنتاج المنطقة، وفقاً لبيانات تتبع السفن. كما لا تزال 6 شحنات من الغاز الطبيعي المسال من المُقرر وصولها إلى أوروبا.

أسعار الوقود معروضة في محطة وقود بمدينة أتلانتا بولاية جورجيا (رويترز)

باكستان من بين الأكثر تضرراً

تُعدُّ باكستان اليوم في واجهة الدول الأكثر تضرراً وهشاشة أمام هذه الأزمة، حيث كانت تعتمد في العام الماضي بنسبة تصل إلى 99 في المائة على واردات الغاز الطبيعي المسال المقبلة من قطر وحدها. ومع اندلاع الصراع، وصلت آخر الشحنات المقبلة من مجمع رأس لفان في اليومين الثاني والثالث من الحرب، لتبدأ بعدها مرحلة العد التنازلي القاسية؛ إذ اضطرت محطات الاستيراد في البلاد إلى خفض عملياتها إلى سُدس مستوياتها الطبيعية، وسط توقعات بتوقف ضخ الغاز تماماً بنهاية الشهر الحالي، وفقاً لمصادر مطلعة على الوضع الميداني لـ«فاينانشال تايمز».

ويزداد المشهد قتامةً مع تصريحات رئيس مجلس إدارة شركة «باكستان غاز بورت» إقبال أحمد، الذي أكد أن إحدى المحطتين الرئيسيَّتين ستنفد تماماً من الغاز المخصص للمعالجة خلال الأيام القليلة المقبلة، محذراً من حالة «جفاف» كاملة في الإمدادات دون أي رؤية واضحة لموعد وصول شحنات جديدة.

ومن المفارقات المؤلمة أن إسلام آباد كانت، قبيل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، تواجه فائضاً في الإمدادات، لدرجة أنَّها طلبت من شركتَي «قطر للطاقة»، و«إيني» الإيطالية إعادة توجيه عشرات الشحنات التي كانت مجدولة للوصول هذا العام.

ومع اندلاع الحرب وانعكاس الآية من الفائض إلى العجز الحاد، حاولت شركة الغاز الباكستانية الحكومية استعادة تلك الشحنات أو التواصل مع مورِّدين وتجار في عمان وأذربيجان وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، إلا أنَّ كل تلك الجهود باءت بالفشل نتيجة الأسعار الفلكية التي عرضها المورِّدون، والتي تجاوزت قدرة الاقتصاد الباكستاني على الاحتمال. فقد تضاعفت أسعار الغاز في آسيا وفق مؤشر «بلاتس جي كي إم» لتصل إلى 23 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، يضاف إليها الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وتأمين المسارات الطويلة البديلة، مما جعل الشراء من السوق الفورية خياراً شبه مستحيل لباكستان في ظلِّ ظروفها الراهنة.

شخص يمر أمام لافتة تعرض أسعار الوقود في سان سلفادور (إ.ب.أ)

بنغلاديش تعيش حالة مشابهة

أما بنغلاديش، فهي تعيش حالة مشابهة من الهشاشة وإن كانت بدرجة أقل حدة بقليل، نظراً لامتلاكها بعض مصادر التوريد من خارج منطقة الخليج. ومع ذلك، تجد الحكومة نفسها اليوم في مواجهة عجز مالي خانق يمنعها من سداد الأسعار الجنونية المطلوبة لتأمين بدائل للغاز الخليجي المفقود، خصوصاً في ظلِّ افتقارها للوقود البديل. وقد دفعت هذه الأزمة السلطات إلى اتخاذ تدابير قاسية لترشيد الاستهلاك وتقنين توزيع الغاز، وصل صداها إلى القطاع التعليمي بقرارات شملت إغلاق الجامعات لمحاولة السيطرة على العجز المتفاقم.

وفي شرق آسيا، تبرز تايوان من أكبر المتضررين بصفتها من كبار مشتري الغاز الخليجي، حيث تجد نفسها اليوم في مأزق ناتج عن استراتيجيتها السابقة بالتحول من الفحم إلى الغاز النظيف بالتزامن مع التخلص التدريجي من الطاقة النووية. ورغم تحركها السريع لتأمين 22 شحنة بديلة فور اندلاع الحرب لضمان استقرار الإمدادات حتى نهاية أبريل (نيسان)، فإنَّ القلق الحقيقي يكمن في فصل الصيف؛ حيث يرتفع الطلب على الكهرباء بشكل حاد، مما يضع البلاد أمام خطر حدوث نقص حاد في الطاقة إذا استمرَّ إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول.

الصين والسيادة الطاقية

تتعامل الصين مع أزمة انقطاع إمدادات الخليج من موقع القوة النسبية مقارنة بجيرانها، رغم أنها تستورد نحو 30 في المائة من حاجتها من الغاز المسال عبر مضيق هرمز. وتعتمد بكين في مواجهة هذا النقص على قاعدة إنتاج محلية صلبة؛ حيث نجحت في رفع وتيرة استخراج الغاز الطبيعي من حقولها الداخلية لتغطي أكثر من نصف استهلاكها الإجمالي. هذا الاكتفاء الذاتي الجزئي يمنح الحكومة الصينية هامش مناورة واسعاً، ويجنبها الاضطرار للدخول في سباق محموم على الشحنات الفورية بأسعارها الفلكية التي ترهق ميزانيات الدول النامية.

علاوة على ذلك، تستفيد الصين من شبكة أنابيب برية عملاقة تربطها بروسيا ودول آسيا الوسطى، وهي مسارات إمداد تقع تماماً خارج نطاق التوترات البحرية في الخليج العربي. وفي حال تفاقم العجز، تمتلك بكين خياراً استراتيجياً جاهزاً يتمثل في العودة السريعة والواسعة لمحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم، مفضلةً تأمين استقرار التيار الكهربائي والمصانع على الالتزامات البيئية المؤقتة، مما يجعل اقتصادها الأكثر مرونة في وجه «حافة الهاوية» التي يواجهها قطاع الغاز العالمي.

شخص يملأ خزان وقود دراجته النارية في محطة وقود بمدينة سان سلفادور (إ.ب.أ)

المناورة اليابانية

أما في اليابان، التي تُعدُّ ثاني أكبر مستورِد للغاز المسال في العالم، فإنَّ الموقف يدار بحذر شديد وضبط دقيق للتكاليف. ورغم أنَّ نسبة ضئيلة نسبياً (نحو 6 في المائة) من إمدادات الغاز اليابانية تمرُّ عبر مضيق هرمز، فإن الحساسية العالية للاقتصاد الياباني تجاه أسعار الطاقة العالمية جعلت الحكومة تسرع في تفعيل بدائل استراتيجية. وقد برزت الطاقة النووية بوصفها طوق نجاة رئيسيّاً؛ حيث تزامن اندلاع الأزمة مع إعادة تشغيل عمليات في أكبر محطة نووية في العالم بمحافظة «نييغاتا»، وهي خطوة وفَّرت لليابان ملايين الأطنان من الغاز المسال التي كانت ستضطر لشرائها بأسعار مضاعفة.

وفي غضون ذلك، تتبنى شركات المرافق والتجار في اليابان استراتيجية «الانتظار والترقب»، معتمدين على المخزونات الاستراتيجية التي تمَّ تأمينها مسبقاً. وبدلاً من الاندفاع نحو السوق الفورية المشتعلة، بدأت اليابان بالفعل في زيادة الاعتماد على محطات الفحم لضمان استمرارية الطاقة بأسعار معقولة. هذا التوجُّه الحذر يهدف إلى حماية المستهلكين من تضخم فواتير الكهرباء والحفاظ على استقرار الين الياباني، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات في الممرات الملاحية الدولية.

علاوة على القلق اللحظي من توقف الملاحة، تواجه سوق الطاقة العالمية آفاقاً قاتمةً تمتد لسنوات، حيث تُرهَن عودة الاستقرار بفتح مضيق هرمز من جهة، وبقدرة المنشآت الإنتاجية على التعافي من جهة أخرى. وحتى في حال السماح للسفن بالمرور مجدداً، سيبقى المعروض العالمي من الغاز المسال محدوداً ومضغوطاً بشكل كبير؛ وذلك نتيجة الأضرار الهيكلية الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية القطرية، والتي أخرجت جزءاً أصيلاً من الإمدادات العالمية عن دائرة الخدمة.

وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري سعد الكعبي (أرشيفية - رويترز)

وقد جاءت تصريحات وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، سعد الكعبي، لتعمِّق هذه المخاوف، حيث كشف عن أن نحو 17 في المائة من طاقة قطر الإنتاجية للغاز المسال ستظل متوقفةً لفترة تتراوح بين 3 و5 سنوات؛ نتيجة الهجمات التي استهدفت مجمع رأس لفان. هذا الانقطاع الطويل الأمد يعني أن السوق لن تستعيد توازنها بمجرد انتهاء الصراع العسكري، بل ستعاني من فجوة مزمنة في الإمدادات تفرض واقعاً جديداً على الدول المستهلكة التي كانت تعتمد على العقود القطرية المستقرة.

وفي ظلِّ هذه الظروف القسرية، أكد الكعبي أن الدوحة ستجد نفسها مضطرةً لإعلان حالة «القوة القاهرة» على بعض عقود توريد الغاز المسال طويلة الأجل لمدة قد تصل إلى 5 سنوات. هذا الإجراء القانوني يعفي المورد من التزاماته التعاقدية؛ بسبب ظروف خارجة عن إرادته، ولكنه يترك المشترين حول العالم في مواجهة مباشرة مع أسواق فورية متقلبة وأسعار مرتفعة، مما يعيد صياغة أمن الطاقة العالمي ويجعل من البحث عن بدائل دائمة أمراً لا مفر منه للاستقرار الاقتصادي.