كيف تستفيد بريطانيا اقتصاديًا من «النموذج النرويجي» بعد الانفصال؟

ماي تسعى إلى الحصول على «أفضل صفقة ممكنة» لحماية صناعة بلادها

أحد الصيادين خلال عمله في سوق أوسلو للأسماك بالنرويج («نيويورك تايمز»)
أحد الصيادين خلال عمله في سوق أوسلو للأسماك بالنرويج («نيويورك تايمز»)
TT

كيف تستفيد بريطانيا اقتصاديًا من «النموذج النرويجي» بعد الانفصال؟

أحد الصيادين خلال عمله في سوق أوسلو للأسماك بالنرويج («نيويورك تايمز»)
أحد الصيادين خلال عمله في سوق أوسلو للأسماك بالنرويج («نيويورك تايمز»)

عمل سيغورد براذين طوال حياته في تأسيس شركة عائلته الصناعية وتحويلها إلى مشروع يحقق الأرباح عبر المبيعات في جميع أنحاء أوروبا، ثم صدر قرار من بروكسل يهدد بعدم قانونية نصف سخانات المياه الموفرة للطاقة في شركته، حتى داخل وطنه النرويج.
وحتى تكون منتجاته متوافقة مع المعايير الأوروبية، كان على السيد براذين إعادة تجديد مصنعه بالكامل بتكلفة بلغت 5 ملايين يورو. وقال السيد براذين عن ذلك: «كان أسوأ جزء في ذلك، أنه لم يكون هناك للنرويج أي تأثير يذكر في الأمر، نظرا لأننا لسنا من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ولكن برغم ذلك لا تزال النرويج تنفذ كل ما تمليه عليها بروكسل». ويبدو أن ذلك المستقبل المفعم بالصراعات هو ما ينتظر بريطانيا في الأفق.
ومع أن الفوضى السياسية التي خلفها التصويت البريطاني على مغادرة الاتحاد الأوروبي بدأت في التراجع، فإن إحدى أكثر القضايا إلحاحا بالنسبة إلى الزعيم الجديد بالبلاد تكمن في كيفية المحافظة على التعامل مع السوق الموحد الكبير للكتلة الأوروبية ذات الـ500 مليون مستهلك، ويشير كثير من المحللين إلى المضيق البحري «النرويجي» كأنموذج محتمل للمضي قدما على هذا الطريق.
صرحت تيريزا ماي، التي تولت مؤخرا رئاسة وزراء بريطانيا، الأربعاء الماضي، بأنها ترغب في الحصول على أفضل صفقة ممكنة من أجل حماية القاعدة الصناعية لبلادها وصناعة الخدمات، التي إذا ما تداعت، فإن الاقتصاد البريطاني سوف يواجه خطر السقوط في الهاوية.
ولصفقات الأنموذج النرويجي مميزاتها؛ فالنرويج ليست من دول الكتلة الأوروبية، وبرغم ذلك يمكنها بسهولة المتاجرة مع بقية الدول الأعضاء في الكتلة من خلال الهيكل المعروف باسم المنطقة الاقتصادية الأوروبية. والعقبة الوحيدة في الطريق، في مقابل الصفقة التجارية مع الاتحاد الأوروبي، هو الالتزام النرويجي بحرية حركة الناس، وهو المبدأ الأوروبي الذي قد لا تسلم به السيدة ماي، التي كانت قد تعهدت بتضييق الخناق على قضية الهجرة.
يقول سيمون تيلفرود، نائب مدير مركز الإصلاح الأوروبي في لندن: «من المرجح أن تحذو بريطانيا حذو الأنموذج النرويجي، ولكن بصورة ميسرة، بمعنى ضرورة التخلي عن بعض من حق الوصول إلى الأسواق الأوروبية في مقابل الاحتفاظ بحقها بفرض بعض القيود على حرية الحركة، ولكن بمجرد وضوح التكاليف الناجمة عن ذلك، فسوف يكون هناك المزيد من النقاش داخل المملكة المتحدة حول ما إذا كان الأمر كافيا بالنسبة إلى الطرفين، وسوف تكون السياسات المتبادلة حينئذ أشد سمية مما هي عليه الآن».
من بعض المناحي، يمكن للنرويج أن تمت للخروج البريطاني بصلة. فهذه الدولة الاسكندينافية الغنية بموارده الطبيعية وبتعداد سكانها الصغير الذي يجاوز 5 ملايين نسمة بقليل، قد صوتت مرتين للبقاء خارج السرب الأوروبي في استفتاءات شعبية اتسمت بالسخونة، التي ألقت بظلالها كذلك على قضية السيادة الوطنية.
كما أن الحياة خارج الاتحاد الأوروبي لطيفة؛ فالنرويج من الدول الغنية، وفيها موارد طبيعية هائلة، بما في ذلك النفط، والأراضي الزراعية، ومناطق الصيد الكثيرة المنتشرة على طول السواحل الوعرة الممتدة لمسافة 400 ميل. والعاصمة أوسلو تحظى بمتاجر فاخرة، ومنازل راقية، إلى جانب القصر الملكي، وهو إشارة لقيمة الاستقلال الكبيرة لدى الشعب النرويجي. ويغذي وقود الطاقة الكهرومائية النظيفة مجموعة واسعة من الصناعات والمنتجات، من القطارات فائقة السرعة وحتى سخانات المياه الخاصة بالسيد براذين.
ولكن هناك في الأمر مساومات؛ فمن أجل الوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة، الذي لا تزال بريطانيا تسعى وراءه، تضخ النرويج الملايين من اليورو في كل عام إلى ميزانية الكتلة الأوروبية، كما أنها مضطرة كذلك إلى قبول كل القوانين التي تتبناها بروكسل، مثل ذلك القانون الذي هدد أعمال السيد براذين، ومن دون حتى إجراء الاستفتاء الوطني على قبول تلك القوانين من عدمها.
ومن الأمور الحاسمة أيضا، ضرورة السماح للمواطنين من الاتحاد الأوروبي بحرية الحركة عبر حدودها، مما يعني فقدان السيطرة الوطنية على مسألة الهجرة، وهي من القضايا المحورية ذات الأهمية بالنسبة إلى الناخبين البريطانيين الذين يؤيدون مغادرة الكتلة الأوروبية. ونتيجة لذلك، فإن النرويج لديها أعلى معدل للهجرة وفق نصيب الفرد عن بريطانيا.
يقول أولف سفيردروب، مدير المعهد النرويجي للشؤون الدولية ومؤلف التقرير الذي يعدد التكاليف الملقاة على عاتق النرويج لبقائها خارج الاتحاد الأوروبي: «إنه التكامل من دون التمثيل.. بمعنى، أنك تحصل على حق الوصول إلى السوق الأوروبية مع فقدان الحق في التصويت على القوانين الأوروبية. وذلك بالنسبة إلى دولة مثل بريطانيا، إذا ما كانت لديها طموحات لأن تتزعم الريادة والقيادة داخل أوروبا، ليس من الأمور الجيدة بحال». وأمام بريطانيا خيارات أخرى، ولكنها ليست أكثر قبولا على أي حال، حيث يمكن لبريطانيا التفاوض حول الصفقات التجارية مع الدول الـ27 الباقية ضمن كتلة الاتحاد، كما صنعت سويسرا. ولكن هذه الطريقة سوف تكون أشبه بالفوضى طويلة الأجل، أو يمكنها متابعة المسار الكندي، أي إبرام الاتفاقات لمبادلة السلع التجارية، ولكن مع الحد من الخدمات، مما يسبب أضرارا مباشرة بالصناعة المالية التي تتفاخر بها بريطانيا كثيرا.ويمكن للاتحاد الأوروبي رفض إبرام أي صفقات مع بريطانيا، مما يشيع حالة من عدم اليقين في المملكة المتحدة وحول العالم. وفي اجتماع عقد خلال هذا الأسبوع بين جاكوب جيه ليو وزير الخزانة الأميركي، ونظيره البريطاني جورج أوزبورن، حث السيد ليو كلا الطرفين على إظهار قدر أكبر من «المرونة» في المناقشات، وقال مضيفا: «إن العلاقات المتكاملة للغاية ما بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تصب في صالح أوروبا، والولايات المتحدة، والنمو الاقتصادي العالمي، وفي صالح قضايا الاستقرار والأمن كذلك». وأسهل شيء، كما يقول المحللون، هو مجرد الانضمام إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية على غرار النرويج. وهذه الترتيبات تمنح النرويج السيادة الوطنية المطلوبة على اثنتين من الصناعات الحيوية، التي كانت محل تركيز الناخبين البريطانيين المؤيدين للخروج البريطاني من الاتحاد، فالنرويج تحظى بالحرية في تطبيق السياسات التي تحمي بها المزارعين والصيادين المحليين، عن طريق فرض رسوم الاستيراد على الجبن من أوروبا بأكثر من 270 في المائة على سبيل المثال.
ولكن هذه المقاربة لن تمكن بريطانيا من تدليل أحد أهم الصناعات الوطنية لديها - التمويل.
كانت بريطانيا، كعضو في الاتحاد الأوروبي، قادرة على إحباط المحاولات من قبل فرنسا وألمانيا على الحد من أو تمرير الأعمال من خلال الاعتراض على بعض التدابير المعينة، مثل الاقتراح بفرض ضريبة خاصة على القطاع المالي في المنطقة الأوروبية. كما حازت بريطانيا على الانتصار في المحكمة العامة الأوروبية ضد قرار البنك المركزي الأوروبي، الذي من شأنه تحريك التداول في الأوراق المالية المسعرة باليورو إلى الدول التي تستخدم تلك العملة؛ مما كان يعني خسائر فادحة في الأعمال بالنسبة إلى البنوك التي حولت مركز الأعمال والأموال في لندن إلى العاصمة المالية لأوروبا.
وبخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لن يكون أمام بريطانيا سوى متابعة المسار النرويجي: ممارسة المزيد من الضغوط خلف الكواليس مع الأمل في أن يستمع أحد داخل بروكسل لصوتها.
تقول إليزابيث ساندي ترونستاد، نائبة الوزير النرويجي لشؤون المنطقة الاقتصادية الأوروبية والاتحاد الأوروبي: «غني عن القول: إن ممارسة النفوذ في كتلة تعاونية مثل الاتحاد الأوروبي، التي لسنا عضوا فيها، هو من الأمور المثيرة للتحدي». ومن شأن بريطانيا، بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا والقوة السياسية التي لا يستهان بها، أن يكون لديها قدر لا بأس به من النفوذ بأكثر مما تحظى به النرويج الصغيرة، ولكن لكل نفوذ مخاطره. وقالت وزارة الخزانة البريطانية في دراسة نشرت قبل إجراء الاستفتاء الأخير: «خارج الاتحاد الأوروبي، يمكن للمملكة المتحدة أن تتخلى عن النفوذ الكبير الذي تتمتع به في الوقت الحالي في صناعة القرار الأوروبي، وأن تتحول إلى متلقٍ للقواعد بدلا من أن تكون صانعًا للقواعد». ومن موقعه في هوكسوند، المدينة الصناعية الرعوية التي تقع بين غابات الزمرد الخضراء والمضايق المظلمة إلى الغرب من أوسلو، شهد السيد براذين العواقب كلها. فلقد استفادت الشركة التي أسسها جده كثيرا في عام 1932 كثيرا من قدرتها على بيع المنتجات في جميع أنحاء أوروبا مع القليل مما يذكر من التدخل والنفوذ.
* خدمة «نيويورك تايمز»



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.