توجيه الاتهامات إلى خلية كانت تخطط لهجمات خلال كأس أمم أوروبا

قضايا تمويل الإرهاب تضاعفت.. ومن مصادر مشروعة مثل الإعانات الاجتماعية

أطفال ينثرون ورودًا في شارع «متنزه الإنجليز» الذي شهد مجزرة نيس الفرنسية (إ.ب.أ)
أطفال ينثرون ورودًا في شارع «متنزه الإنجليز» الذي شهد مجزرة نيس الفرنسية (إ.ب.أ)
TT

توجيه الاتهامات إلى خلية كانت تخطط لهجمات خلال كأس أمم أوروبا

أطفال ينثرون ورودًا في شارع «متنزه الإنجليز» الذي شهد مجزرة نيس الفرنسية (إ.ب.أ)
أطفال ينثرون ورودًا في شارع «متنزه الإنجليز» الذي شهد مجزرة نيس الفرنسية (إ.ب.أ)

جاء الهجوم الذي وقع في نيس الفرنسية مساء الخميس الماضي، ليتسبب في حالة من الفزع والهلع بين الأوروبيين، وبخاصة في الدول الجارة، ومنها بلجيكا، التي كانت قد أعلنت قبل فترة وجيزة أنه توافرت لديها معلومات تفيد بأن عناصر تابعة لتنظيم داعش خرجت من سوريا في طريقها لتنفيذ هجمات في أوروبا، خصوصا في فرنسا وبلجيكا.
كما تأتي عملية نيس عقب سلسلة هجمات عرفتها البلاد منذ بداية العام الماضي (2015)، وبالتحديد منذ هجمات «شارل إيبدو»، وعدد من هذه الهجمات، وقع بالفعل، بينما هناك البعض الآخر التي نجحت السلطات في اكتشافها قبل الوقوع، أما بشكل أشمل فقد شهدت أوروبا خلال السنوات الماضية عددا من الهجمات الدموية التي أودت مجتمعة بحياة عشرات المدنيين، ولكن من الملاحظ أن الهجمات قد تزايدت في أوروبا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وبالتحديد منذ عام 2011.
ولوحظ أيضا أن تنظيم داعش تبنى أغلب هذه الهجمات إلى جانب هجمات أخرى نفذتها جماعات تابعة لتنظيم القاعدة، فضلا عن هجمات لمنظمات أوروبية متطرفة.
وقال رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال: إن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في بلاده، تدارست منذ فترة حول احتمالات تنفيذ هجوم إرهابي باستخدام شاحنة، على غرار ما وقع في نيس الفرنسية مساء الخميس الماضي، وأضاف «هناك خطة أمنية للتعامل مع هذا الأمر، لكن لن يستطيع أن يكشف المزيد من التفاصيل؛ لاعتبارات أمنية».
وجاءت التصريحات بعد أن عقد مجلس الأمن القومي البلجيكي اجتماعا في اليوم التالي لهجوم نيس، برئاسة شارل ميشال، وبحضور وزراء الدفاع والداخلية والعدل وغيرهم، وقيادات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية؛ وذلك لمناقشة اتخاذ تدابير أمنية جديدة في البلاد في أعقاب الهجوم الذي وقع في نيس الفرنسية.
وفي أعقاب ذلك، كشف تقرير أنشطة 2015 الخاص بخلية معالجة المعلومات المالية (CTIF) الذي نشر في بروكسل، عن أن عدد القضايا الجديدة التي عرضت على النيابات العامة البلجيكية، والتي لها علاقة بالإرهاب أو بتمويل الإرهاب ارتفع من 35 قضية سنة 2014 إلى 75 قضية في سنة 2015. وإذا ما أضفنا إلى هذه القضايا عمليات نقل إضافية لها علاقة بقضايا قديمة جدا، فإن حصة الإرهاب وتمويل الإرهاب في عمليات النقل لسنة 2015 بلغ 11 في المائة مقابل 3 في المائة فقط في سنة 2014 وسنة 2013.
يقول التقرير: «إن الأرقام الأولى لسنة 2016، التي أثرت فيها هجمات بروكسل، تؤكد- للأسف- هذا الاتجاه». وحول هذه المسألة، تُميز خلية معالجة المعلومات المالية (CTIF) بين تمويل تنظيم إرهابي كبير الحجم مثل تنظيم داعش، حيث تكون المبالغ ضخمة، وبين تمويل الهجمات، التي من ضمنها هجمات باريس وبروكسل، حيث يتم الحديث عن «تمويل صغير». وفي أكثر من 75 في المائة من الحالات، يكلف هجوم مدبر من قبل خلية متشددة أقل من 10 آلاف دولار، وذلك وفقا لخلية معالجة المعلومات المالية (CTIF).
وتقول الخلية (CTIF): إن «الأشخاص المتطرفين والمقاتلين الأجانب يستخدمون في كثير من الأحيان مصادر تمويل ذات مصدر مشروع، مثل الإعانات الاجتماعية أو قروض الاستهلاك، لتمويل سفرهم نحو سوريا، أو للإعداد للهجوم». وتتلقى نحو خلية جهادية أوروبية واحدة فقط من أصل أربع المال من منظمة إرهابية دولية. وتجري الخلية (CTIF) تحقيقا استنادا إلى معلومات مقدمة من القطاع المالي، ولا سيما مؤسسات القروض أو الإدارات أو كتاب العدل. وهي ترسل الملف إلى السلطات القضائية إذا ما اعتقدت أن هناك أدلة كافية للقيام بمتابعة قضائية.
من جهة أخرى، وفي الإطار نفسه، قالت النيابة العامة الفدرالية: «إن غرفة المستشارين في محكمة بروكسل مددت نهاية الأسبوع الماضي الحبس الاحتياطي في حق سمير شاهجواني البالغ 27 سنة، ومصطفى بنحتال البالغ 40 سنة، وجواد بنحتال البالغ 29 سنة، وهم ثلاثة رجال اعتقلوا ليلة 17 يونيو (حزيران) ويشتبه في كونهم كانوا يخططون للقيام بهجوم في منطقة fan zone بساحة روجييه ببروكسل». وألقي القبض على الأشخاص الثلاثة خلال عملية موجة من عمليات التفتيش قامت بها الشرطة في أربعين عنوانا في بروكسل، مولنبيك سان جان، سكاربيك، أندرلخت، وكوكلبيرغ، إيفير، فورست، غانشورين وزافنتيم، وخارج بروكسل في نينوف، توبيز ولييج. وتم إطلاق سراح الأشخاص التسعة الآخرين الذين اعتقلوا في أعقاب هذه العمليات، وذلك بعد الاستماع إلى أقوالهم.
وتم توجيه الاتهام إلى كل من سمير شاهجواني ومصطفى بنحتال وجواد بنحتال بالمشاركة في محاولة القتل في سياق إرهابي والمشاركة في أنشطة جماعة إرهابية، بصفتهم منفذين وشركاء في التنفيذ. وهم ينتمون إلى دائرة معارف الشقيقين البكراوي، وكذلك نجيم العشراوي، الإرهابيون الذين فجروا أنفسهم يوم 22 مارس (آذار) الماضي في مطار بروكسل ومحطة المترو مالبيك. وكان الأشخاص الثلاثة ينوون القيام بهجوم خلال إعادة بث المقابلة الرياضية التي كان المنتخب البلجيكي سيجريها يوم 18 يونيو في منطقة fan zone بساحة روجييه. ولم يتم العثور على أي أسلحة ولا متفجرات خلال عمليات التفتيش التي شملت أيضا 152 مرآبا.
وقال أوليفيير مارتينز، محامي سمير شاهجواني، الذي طالب بالإفراج عن هذا الأخير: «إن موكلي ينفي بشدة أنه كانت لديه نية ارتكاب هجوم. وفي النصوص المكتوبة للمحادثات التي تم التنصت عليها ليس هناك أي عنصر يشير إلى تورط موكلي. وليس هناك أي عنصر يشير إلى أنه تم التخطيط لهجوم أو كان في طور الإعداد. وبالتأكيد هناك مكالمات جرت في أماكن تثير الشكوك، ولكن ليس هناك أي شيء ملموس». وكان الإعلام البلجيكي قد ذكر منتصف الشهر الماضي، أن التنصت على المكالمات الهاتفية لعدد من عناصر هذه الخلية كشف عن وجود خطط لتنفيذ هجمات إرهابية، وأن هناك أدلة واضحة لدى عناصر التحقيق حول وجود هجمات عدة كان سيتم القيام بها، ومن بينها أثناء مشاهدة مباراة كرة القدم بين بلجيكا وآيرلندا، وذلك بأحد الميادين العامة عبر شاشات العرض الكبيرة في منطقة وسط المدينة، هذا إلى جانب أهداف أخرى.
وعقد مجلس الأمن الوطني البلجيكي اجتماعا، برئاسة شارل ميشال، رئيس الوزراء، وذلك في أعقاب الإعلان عن اعتقال عناصر الخلية، وقال رئيس الحكومة: «إن السلطات لن ترفع حالة الاستنفار الأمني»، ودعا إلى الهدوء. وسبق ذلك بأيام قليلة، تلقت الشرطة البلجيكية معلومات بأن إرهابيين خرجوا من سوريا في طريقهم إلى بلجيكا، لتنفيذ هجمات إرهابية، وتستهدف المراكز التجارية، ومراكز الشرطة ومطاعم عالمية. غير أن وسائل إعلام محلية قالت: «هذه المعلومات غير واضحة، ولم يتم تأكيدها من أي مصادر داخل أو خارج الأجهزة الأمنية؛ ولهذا لم تتخذ إدارة مركز الأزمات وتحليل المخاطر أي قرار برفع درجة الاستنفار الأمني في البلاد الحالية والموجودة عند الدرجة الثالثة، وهي الدرجة التي تصلح لحالات تشمل التهديد الإرهابي، أو وجود مخاطر بعملية محتملة، أما الدرجة الرابعة فهي تعني وجود مخطط إرهابي بالفعل، ولكن من وجهة نظر إدارة الأزمات وتحليل المخاطر فإن الأمور لم تصل بعد إلى هذه الدرجة».
وقد أدى نشر هذه المعلومات في وسائل الإعلام إلى خلق حالة من الفزع والترقب لدى البعض في بروكسل، وبخاصة الشركات والمؤسسات، والمحال الموجودة في مركز المدينة وقد تلقى الآلاف من الموظفين في إحدى الشركات الكبرى ببروكسل، عبر الإيميل نصائح من الإدارة، بتقييد تحركاتهم في الخارج بقدر الإمكان أثناء فترة الاستراحة المخصصة لتناول الوجبات.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...