بيلي إليوت.. دهشة كل مرة

بعد 11 عامًا من عرضها بلندن.. جولات في أنحاء بريطانيا وآيرلندا

احتفاء بالعرض الأخير في لندن
احتفاء بالعرض الأخير في لندن
TT

بيلي إليوت.. دهشة كل مرة

احتفاء بالعرض الأخير في لندن
احتفاء بالعرض الأخير في لندن

في عام 2010، في زيارة إلى لندن، تسنىّ لي – من بين «غنائم» ثقافية عدة – حضور المسرحية الغنائية الاستعراضية «بيلي إليوت» على خشبة مسرح «فيكتوريا بالاس». تصادف ذلك العام الاحتفال بمرور خمس سنوات على انطلاق العمل، ذي الإنتاج السخي، نجح خلالها في أن يكون من العروض الأكثر جذبا في منطقة الـ«ويست إند»، قلب النشاط الترفيهي في العاصمة البريطانية، متوِّجا نجاحه النقدي والجماهيري بنيله أربع جوائز «لورانس أوليفييه» من أصل تسعة ترشيحات للجائزة المسرحية المرموقة التي تقدمها جمعية المسرح في لندن.
والحق يقال، إنه بينما كانت قدماي تتقدمان خطوةً نحو العرض المسرحي، فإن قلبي كان ينسحب خطوات؛ ذلك أن العمل يقوم حكايةً وحبكةً على الفيلم البريطاني الدافئ «بيلي إليوت» (2000)، الذي كان من بين تجارب سينمائية قليلة جدا ولافتة ذات وقعٍ بالغ الأثر في ذاتي، وهي تجربة عاطفية سكنت جوارحي. أعتقد أن تلكّؤ قلبي عن متابعة «بيلي إليوت ذا ميوزيكال» مردّه أنني كنتُ أخشى أن أفقد الأثر البهي للفيلم، أو بالأحرى الدهشة الأولى للرواية السينمائية الأولى التي استقر سحرها في نفسي عميقا. لكن الشوق، في النهاية، غلبني؛ أردت أن أعيش التجربة من مقاربة ثانية، مسرحيا هذه المرة، مجازفة بالتفريط بتحويشة السحر المصرورة في خيالي.
ومع أن واضع «صيغة» المسرحية هو نفسه مؤلف الفيلم: الكاتب البريطاني لي هول، كما أن مخرج المسرحية، كما الفيلم، هو رفيق دربه ستيفن دالدري؛ وهو ما يضمن حدا أدنى متوقعا من الالتزام بالسحر الأصلي، إلا أن ذلك كله لم يكن كافيا لطمأنتي، نظريا على الأقل.
تروي مسرحية «بيل إليوت ذا ميوزيكال» – على غرار الفيلم – قصة الفتى بيلي إليوت، يتيم الأم، الذي يعيش في دارم كاونتي، في منطقة نورث إيست (شمال شرق إنجلترا)، مع والده وشقيقه الأكبر وجدته. يقع بيلي في غرام الباليه، ويجد نفسه ملتحقا بصف الرقص مع مجموعة من الفتيات، متهيبا ومترِدا أول الأمر قبل أن يجرفه الشغف للفن الشفيف، مضطرا في الوقت نفسه إلى إخفاء الأمر عن والده، عامل المنجم، الذي يعتقد أن صغيره يتلقى دروسا في الملاكمة. حين تكتشف مسز ويلكنسون، مدربة الباليه والمشرفة على الصف، موهبة الفتى الفطرية، تواصل إعطاءه دروسا خاصة وحده بعدما أقنعته بأن لديه فرصة كي يلتحق بكلية الباليه الملكية في لندن. لكن بيلي يضطر إلى التفريط بحلم الرقص – مؤقتا – بعدما اكتشف والده الأمر، الذي يرى في الباليه ترفا (وربما «فعلا غير رجولي»)، كل ذلك وسط تصاعد الأحداث دراميا على خلفية إضراب عمال مناجم الفحم في بريطانيا في الفترة 1984 – 1985، وما رافق ذلك من احتقان مجتمعي مع تحوّل الاشتباكات بين العمال وبين شرطة مكافحة الشغب إلى واقع يومي في ما عُدّ «أسوأ نزاع صناعي شهدته بريطانيا في تاريخها»، كما وصفته «بي بي سي» في تقرير لها، انتهى بهزيمة مُرة لنقابة العمال لتعزّز حكومة مارغريت ثاتشر قبضتها، فارضةً برنامجها الاقتصادي الذي تسبّب في طحن مجتمع صناعي بأكمله. يتحدث هول عن تلك الحقبة الثاتشرية المريرة في مقالة ضافية له تتناول الظروف الاجتماعية والسياسية لنصه السينمائي – المسرحي قائلا: «بدا الأمر في نورث إيست كما لو كنا تحت الحصار. البطالة كانت متفشية، وبدت ثاتشر كما لو أنها تهاجم كل ما كان يشكّل مصدر فخار واعتزاز للمنطقة: إرثها الصناعي، وإحساسها بوجود هدف مشترك، حتى روح الدعابة الفطرية كانت تتعرض للهجوم من غطرسة الطبقة الوسطى التي مثّلتها ثاتشر».
بالنسبة لهول، كما للمشاهدين الذين تابعوا طريق بيلي إليوت إلى الأمل والإبداع، عبر الشاشة السينمائية، ثم على خشبة المسرح، فإن نجاة الفتى من اليأس وارتقاءه من القاع، محلِّقا في الفضاء بالمعنيين المادي والمعنوي للتحليق وهو يرقص إنما ينجينا وينتشلنا من «الانحطاط» ولو آنيا. وحين يتمكن من تحقيق حلمه أخيرا، فإن في ذلك إرضاء عظيما لذواتنا التي تنشد التحرر والانطلاق والتعبير عن الذات. والأهم أن هذا التحرّر الفردي للفتى بيلي لم يكن ليتم لولا تضافر مجتمعه معه، وإيمان أقرب الناس به: والده، الذي يصرّ أخيرا على أن يساعد ابنه في تحقيق حلمه، مقتنعا بأن صغيره «يمكن أن يكون نجما». فالإبداع، وإن كان منتجا فرديا أو صنيعة ذاتية، فإنه يشعّ ويتوهّج أكثر بدعم جمعي أو مجتمعي. ويوم يغادر بيلي بلدته المطحونة إلى لندن ساعيا وراء تحقيق طموحه بصفته راقص باليه، لا يجد والده وشقيقه ورجال مجتمعه بُدّا من النزول إلى القاع فعليا، عائدين إلى مناجمهم، بعد «فض» الإضراب، الذي انتهى بهزيمتهم. على الأقل تم صنع أمل وحيد من بينهم، من خلال فتاهم بيلي، مطمئنين إلى أنه لن يهوي معهم إلى ظلمة قاعهم.
أعترف بأن الفرجة المسرحية التي امتدت لأكثر من ثلاث ساعات لم تسلب أيًّا من الدهشة الأولى، دهشة الرواية السينمائية، بل على العكس تماما رسختها، مع «علاوة» جمالية إضافية تمثّلت في توليفة موسيقية وغنائية، اتكأت على «ليبريتو» ملهم، ذي نبرة عاطفية جيّاشة وضعها الموسيقي البريطاني المبدع إلتون جون، فجُدلت كلمات الأغنيات بالألحان بسلاسة، حتى ليبدو كما لو أن الكلمات، التي صاغها لي هول بوصفه الأقرب إلى روح نصه، هي التي حفزت الموسيقى، أو لعل الموسيقى هي التي وُلدت من رحم الكلمات دون كبير تدخل ودون تعسُّر في عملية الخلْق. ولعل أغنيتي «الرسالة» و«كهرباء» من الأمثلة الحيية على التلازم العضوي بين الكلمة والنغمة. في الأولى، يقرأ بيلي رسالة تركتها أمّه له، تتخيّله فيها وقد كبر، بعدما مرت سنوات على رحيلها، وتتخيّل كل الأشياء الجميلة في حياته التي فاتتها: كأن تراه وهو يكبر وهو يبكي وهو يضحك؛ وفي الثانية يصف بيلي شعوره حين يرقص، وهو شعور – في معرض وصفه – أشبه بتيار كهربائي يسري فيه، فيكون كما لو أنه يستلّه من شعورنا نحن، في ما نتابع رحلته، حتى إن الأمر يبدو أقرب ما يكون إلى شعور تطهيري، فردي بقدر ما هو جماعي لا يني ينتشل الروح من وحْل اليأس. في النهاية، خرجتُ من «الفرجة» المسرحية، أكثر افتتانا بالحكاية، وأكثر اكتمالا، مستعيدة الدهشة، باتساع شاسع في العينين، مسلمةً درفات النفس المشرعة لكل ذاك البهاء، دون أدنى نقص أو فتور.
لكن هذه الدهشة «الثانية» ظلّت قابلةً للاختبار؛ ففي الشهر الماضي، في آخر زيارة إلى لندن، توقفت أمام واجهة مسرح «فيكتوريا بالاس»، أفتّش عن ملصق المسرحية الذي انطبع في ذاكرتي. راعني توقف العرض بسبب خضوع مبنى المسرح لعمليات تجديد. بعد بحث، اكتشفت أن المسرحية تقوم بجولة في مختلف أنحاء بريطانيا وآيرلندا، وكانت أولى عروض هذه الجولة تُقدَّم على خشبة مسرح «ويلز ميلينيام سنتر» في مدينة كارديف، عاصمة ويلز، التي تبعد عن لندن أكثر من ساعتين بالقطار. وهكذا كان.. لم أقاوم استدعاء الشعور من جديد بعد ست سنوات، فقطعت الطريق من لندن إلى كارديف، لأعيش الدهشة للمرة الثالثة. لم يكبر الفتى بيلي، ها هو ببنيته الطرية «الخام» يرقص ويطير ويغني، مكتشفا ذاته لأول مرة. بل بدا لي أحلى وأرقّ. البكاء هو البكاء والضحك هو الضحك، كلاهما من القلب، من قلْب القلب، لتكون المحصِّلة «فرجةً» أكثر إدهاشا.
هذه هي عظمة الفن وعظمة الإبداع، أن تظل تُدهش في كل قراءة وفي كل مشاهدة وفي كل فضاء تعبيري، في كل الأزمنة وفي كل الأماكن. وفي كل مرة، تكون كأنها أول مرة، وربما أجمل.

*كاتبة فلسطينية تقيم في دبي



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».