«داعش».. يراوغ ويقتل

مستخدمًا استراتيجيات «الذئاب المنفردة» و«سمكة الصحراء» و«الخلايا النائمة»

مسعفان ينقلان جريحا إلى المستشفى بعد أن اصيب في الهجوم على مطار أتاتورك في  الشهر الماضي  (إ.ب.أ)
مسعفان ينقلان جريحا إلى المستشفى بعد أن اصيب في الهجوم على مطار أتاتورك في الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

«داعش».. يراوغ ويقتل

مسعفان ينقلان جريحا إلى المستشفى بعد أن اصيب في الهجوم على مطار أتاتورك في  الشهر الماضي  (إ.ب.أ)
مسعفان ينقلان جريحا إلى المستشفى بعد أن اصيب في الهجوم على مطار أتاتورك في الشهر الماضي (إ.ب.أ)

حذّر خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية المتطرفة من خطورة مراوغة تنظيم داعش الإرهابي هذه الأيام، وشنه عمليات إرهابية في دول كثيرة من العالم عن طريق ثلاث استراتيجيات: الأولى تعرف بـ«الذئاب المنفردة» لـ«داعش» التي تعني أن منفذي العمليات الإرهابية يعملون بشكل فردي ويشكلون خلايا محدودة العدد تعمل في التخطيط والتنفيذ. والثانية «سمكة الصحراء» التي تقوم على انسحاب التنظيم من أماكن يتعرّض فيها لضربات عنيفة وهجمات متتالية إلى أماكن جديدة غير متوقعة؛ تمهيدا لتأسيس منطقة نفوذ جديدة يضمن فيها مزيدا من الأتباع. أما الثالثة فهي «الخلايا النائمة» المستوحاة من تنظيم «القاعدة»، وهي تكون دائما في فترة الإعداد تعمل وتدرس وتحضر، لحين القيام بعمليات إرهابية.
كان وراء تفجيرات المملكة العربية السعودية الأخيرة في نهاية شهر رمضان الماضي، وتفجير عبوة ناسفة خلال صلاة العيد في بنغلاديش، فضلا عن أحداث مطار إسطنبول - أتاتورك بتركيا، انتحاريون تابعون لـ«داعش» يرجح أنهم «ذئاب منفردة» أو «خلايا نائمة» نفذت العمليات الإرهابية.
في غضون ذلك، قال متخصصون أمنيون وعلماء دين: إن «جذب وتجنيد عناصر الاستراتيجيات الثلاثة يتم من خلال الإنترنت، فضلا عن التعرف إلى مخططات التنظيم والأهداف التي يضعها بهدف شن هجمات إرهابية». بينما أضاف خبراء أن «داعش» يصوغ استراتيجياته ليخاطب ثلاثة مستويات مختلفة تمامًا؛ فهناك خطاب للأتباع والمتعاطفين والمؤيدين، وخطاب آخر يستهدف المتابعين الذين يقفون على الحياد أو في مفترق طرق إزاء التنظيم وأعدائه، أما الخطاب الثالث فيستهدف أعداء التنظيم – على حد زعمه.
وتعليقا على استراتيجيات «داعش»، قال الدكتور محمد أحمد الدش، مدرس الدعوة والثقافة الإسلامية في كلية أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر في مصر: إنه «نتيجة للضربات المتلاحقة والهزائم المتتالية التي أصيب بها تنظيم داعش الإرهابي، اتجه تفكير قادته الحربي إلى خلق استراتيجيات عسكرية تضمن له البقاء بعض الوقت. وهو إذ يعلن عن تلك الاستراتيجيات في بياناته المتبنية لعملياته وجرائمه فهو بذلك يقدم خدمة لدول التحالف الدولي التي تحاربه ليكونوا على وعي بطريقة التفكير. ولقد تمكن التنظيم خلال الفترة الأخيرة من الاستفادة من مفردات بيئته، مثلما استفاد من ثورة التكنولوجيا والاتصالات في سبيل محاربة أعدائه وضم موالين جدد». وتابع قائلا: «إن (الذئاب المنفردة) تعبير يقصد به تحول شخص أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر إلى مقاتلين يقومون باستخدام المتاح لديهم من أسلحة أو عتاد، دون وجود أي رابطة عضوية أو تنظيمية يمكن تتبعها، من خطوط عامة أو مناشدات من التنظيم لأعضائه أو أنصاره باستهداف دولة أو رعاياها بالقتل، كما حدث في استهداف المطارات والمساجد».
وحقًا، يصف الخبراء «الذئاب المنفردة» بأنهم أشخاص يقومون بهجمات بشكل منفرد من دون أن تربطهم علاقة واضحة بتنظيم ما، لكنهم ينفذون هجمات مسلحة بدوافع عقائدية، سواء كانت هذه العمليات بالأسلحة المتطورة أو بالطرق البدائية مثل السكين أو حتى العصا.
أما الخبير الأمني والاستراتيجي في مصر العميد السيد عبد المحسن، فذكر أنه يجري اجتذاب وتجنيد «الذئاب المنفردة» من خلال شبكة الإنترنت، ومن خلال الإنترنت يمكن التعرف إلى استراتيجيات التنظيم والأهداف التي يضعها بهدف شن هجمات إرهابية. ويكمل: «توفر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت مهمة تدريب أفراد (الذئاب المنفردة) من خلال توفير الإرشادات اللازمة لصناعة القنابل الناسفة واستخدام السلاح وغيره من التدريبات العسكرية التي تحول هؤلاء الأشخاص لمنفذين ماهرين».
ويشار إلى أن «أبو محمد العدناني»، الناطق باسم تنظيم داعش، كان قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم إلى قتل رعايا الدول في أي مكان، باستخدام أي سلاح متاح من دون العودة إلى قيادة «داعش»، أو حتى الانضمام إليه تنظيميًا. كذلك دعا «أبو بكر البغدادي» زعيم التنظيم المتطرف «الذئاب المنفردة» إلى استهداف المواطنين الشيعة في المملكة العربية السعودية، في حين توعد التنظيم عبر مؤسسة «دابق» الإعلامية بحرب جديدة تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
وقال الدكتور الدش: إن «الذئاب المنفردة» نفذوا عمليات إرهابية منفردة في دول أوروبا بعد فشل الدواعش في مواجهات سوريا والعراق وليبيا، وعدّد بين أبرز عمليات «الذئاب المنفردة» تلك العمليات الأخيرة التي وقعت في الولايات المتحدة وفرنسا والأردن على أيدي صبية متشبعين بالفكر الداعشي، وكان من بينهم من نفذ عمليته الإرهابية ولم يكن منضما لهذا التنظيم إلا قبل التنفيذ بلحظات. ولفت إلى أن قادة التنظيم يوصون هؤلاء «بضرورة التطبيع الظاهري مع مجتمعاتهم المحلية حتى يتوفر لهم مبدأ الأمن والسلامة، ثم مباغتة الدول كأهم مبدأ حربي. فلا مانع من عدم الإعلان عن كونهم مسلمين؛ بل عليهم أن يلبسوا مثل ما يلبسون ويتعطرون ويحلقون لحاهم، كل ذلك على سبيل المحاكاة والمماتنة كالحرباء في تلوّنها».
وأما عن استراتيجية «سمكة الصحراء»، فقال الدكتور إبراهيم نجم، مستشار مفتى مصر: إن «تنظيم داعش استوحى استراتيجية (سمك الصحراء) تلك من حركة سمكة الرمال وهي إحدى الزواحف التي تتنقل من مكان إلى مكان من خلال الغطس في الرمال، حيث تهرب من مكان لتظهر في مكان بعيدا عن أعين أعدائها، أو البحث عن فرائس جديدة لها. وهذه إشارة ذات دلالة قوية على تفكير التنظيم الذي لا يترك فرصة من الاستفادة بكل الوسائل المحيطة به، بدءًا من حركة الزواحف، وانتهاء بأعلى وسائل التكنولوجيا والاتصالات. وهذا ربما يضمن بقاءً مؤقتًا للتنظيم مع كثرة الضربات التي يتلقاها؛ إذ إن عملية تغيير الجلد – كالثعبان – تساعد الإرهابي أو الداعشي – على التأقلم في بيئات مختلفة وظروف مختلفة، ولو لوقت قليل، يعاود بعدها استحداث طرق جديدة ليظل باقيًا». وأوضح نجم، أن «هذه الاستراتيجية العسكرية للتنظيم بجانب أنها تضمن له هربا من نيران التحالفات العسكرية ضده، فهي في الوقت نفسه تساعده في الوصول إلى مناطق جديدة يسيطر عليها وتكون بعيدة عن أماكن تمركزه وسيطرته».
وأوضح مستشار مفتي مصر، أن استراتيجية «سمكة الصحراء» العسكرية، التي أطلقها التنظيم في العام الماضي، مستمدة من شعار التنظيم «باقية وتتمدد» الذي أصبح شعارا لرؤية الدواعش لدولة الخلافة المزعومة. وبيّن أن «هذه الاستراتيجية تقوم على بناء تحالفات في أماكن مختلفة، وبخاصة من النخب المتأثرة بالفكر المتطرف، وسرعان ما يبدأ التحوّل إلى الفكر السياسي ومن ثم العسكري. وبعدها يصبح المنضمون بين عشية وضحاها مقاتلين داخل صفوف التنظيم، لكن هذه التحالفات وإن كانت تمثل للتنظيم قوة في فترة ما، فإن هذه القوة سرعان ما تضعف وتنهار في فترات متتالية. ويرجع ذلك إلى هشاشة تلك التحالفات، نتيجة لعدة أسباب منها ما هو عرقي وما هو ديني أو مذهبي أو آيديولوجي».
هذا، وبينما يذهب بعض المراقبين إلى اعتبار استراتيجيتي «الذئاب المنفردة» و«سمكة الصحراء» نتاجا طبيعيا ومتوقعا بعد الضربات الموجعة التي تلقاها «داعش» في سوريا والعراق، إضافة إلى التضييق الأمني وملاحقات في دول العالم كافة، يرى آخرون أن على أجهزة الأمن أن تقلق كثيرا بشأن هجمات متوقعة من التنظيم واختيار أسلوب جديد للتعامل مع الخطر الأمني الداهم جراء نشاط «الذئاب المنفردة» الدموي. وهنا يقول الدكتور الدش: «داعش» لجأ إلى «سمكة الصحراء» لاصطياد فرائس جديدة، والابتعاد عن الأماكن التي أصيب فيها بهزائم منكرة وأحكم عليه التحالف الدولي قبضته إلى أماكن جديدة لا يتوقعها أعداء التنظيم، موضحا «كما هو معلوم أن هذا التنظيم لا يقنع بتحقيق هدف واحدة بضربة واحدة؛ بل يسعى إلى تحقيق أهداف عدة بعملية واحدة. ففي استخدامهم استراتيجية «سمكة الصحراء» من وجهة نظرهم فوائد عدة، لعل من أهمها، كسب مؤيدين وموالين جدد، وخلق مناخ جديد لبث أفكارهم المتطرفة، والتنكيل برعايا أعدائهم». ووفق بعض التقارير، فإن «العدناني المكلف بالعمليات الخارجية والمقرب من البغدادي زعيم (داعش) نجح أخيرا في فرض خطه على زعيمه، والحصول على مباركته للتعديل الاستراتيجي الذي عرفه نشاط التنظيم، والذي يمكن تلخيصه في الانتقال من الاكتفاء بتبني العمليات التي تنفذها الجماعات المؤيدة والفروع الفعلية أو الوهمية للتنظيم، إلى مرحلة الاشتراك الفعلي في العمليات على الساحة الخارجية، والإشراف المباشر على توجيهها، كما كان الحال بمناسبة الهجمات الإرهابية التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي».
يذكر أن أول ظهور لمصطلح «الذئاب المنفردة»، وهو مصطلح القتال الفردي، الذي ظهر أحد فصول كتاب «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية» الذي أنجزه «أبو مصعب السوري» بعد التحديات الأمنية التي واجهها تنظيم القاعدة بعد أحداث وهجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، والذي يدعو فيه أفراد التنظيم والمتعاطفين مع التنظيم والمسلمين إلى الجهاد المنفرد ضد الغرب. وفي عام 2010 قدم تنظيم «القاعدة في اليمن» وصفة إرهابية بعنوان «كيف تصنع قنبلة في مطبخ أمك؟»، داعيًا المتعاطفين في الدول الغربية إلى القيام بعمليات إرهابية فردية هناك.
وحسب الخبراء، لم يختلف أسلوب دعوة قادة «داعش» عن طريق عمل تنظيم القاعدة في دعوة أنصاره للجهاد المنفرد؛ إذ دعا «العدناني» عام 2014 في تسجيل صوتي بعنوان «إن ربك لبالمرصاد» المتعاطفين مع التنظيم إلى قتل رعايا دول التحالف الدولي للإرهاب في أي مكان، باستخدام أي سلاح متاح، وهو ما يمكن من تنفيذ العملية من دون العودة إلى قيادات التنظيم، ومن دون الانضمام إليه.
ويشير الدكتور حسام شاكر، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، إلى أن «داعش» يصوغ استراتيجياته ليخاطب ثلاثة مستويات مختلفة تمامًا: فهناك خطاب للأتباع والمتعاطفين والمؤيدين، وخطاب آخر يستهدف المتابعين الذين يقفون على الحياد أو في مفترق طرق إزاء التنظيم وأعدائه، أما الخطاب الثالث فيستهدف أعداء التنظيم. وفي سياق متصل، يقول الخبراء عن خلايا «داعش» النائمة إنها «كانت وراء تحقيق النجاحات في الأراضي التي يسيطر عليها في سوريا والعراق وفي اقتحام المدن». وبحسب شاكر «تعد الخلايا النائمة أبرز ما يثير القلق هذه الأيام؛ لأن عناصرها يعملون في الخفاء في مساعدة المسلحين، بينما هم في العلن يمارسون أعمالا عادية، وبخاصة في الدول الأوروبية». ولفت شاكر أن «الخلايا النائمة» المتعارف عليها داخل «داعش» في الأراضي التي تقع تحت سيطرته في سوريا والعراق تختلف عن «الخلايا الناشطة»؛ فالعناصر الناشطة «لها بيعة وأمير مباشر ووظيفة داخل الهيكل التنظيمي وغير مرتبطة بعمل حكومي وتأخذ كفالات شهرية (رواتب) وملزمة بولاية من ولايات التنظيم».
ويضيف شاكر «أما الخلايا النائمة، فهي مرتبطة ببيعة وأمير مباشر فقط، وهم ثلاثة أنواع: الأول مجمد عن العمل بسبب قرار أمني أو تنظيمي أو شرعي، والثاني مكلف باختراق الأجهزة الحكومية الأمنية والعسكرية والمعلوماتية، والثالث مكلف بالدعوة والتدريب الشرعي والعسكري وجمع الصدقات ونشر الفكر؛ لكن بحذر ودون إحداث أي مؤشرات». ويلفت إلى أن «الخلايا النائمة» لـ«داعش» في سوريا والعراق تستيقظ وتكون نشطة عندما ينجح المسلحون في السيطرة على منطقة ما. وبعدها «ينسحب المسلحون الميدانيون من المنطقة ويتوجهون إلى مناطق أخرى للسيطرة عليها، فيما تقوم الخلايا النائمة سابقًا بإدارة شؤون المناطق وكأنهم مسؤولون عنها».
وعن مهام ودور «الخلايا النائمة» في أراضي «داعش»، يقول متخصّصون أمنيون في مصر: «إن بينها التجسس على سكان المنطقة الذين يعيشون فيها وإعداد قوائم بالعاملين في القوات الأمنية والوظائف الحكومية المدنية المهمة وإرسالها إلى المسلحين، كما أن من مهامهم معرفة حجم القوات الأمنية وعدد نقاط التفتيش في المناطق». ومن جهة أخرى، فإن «الذئاب المنفردة» أو «سمكة الصحراء» أو «الخلايا النائمة»، كما يقول الخبير الأمني المصري العميد عبد المحسن: «هم أفراد يعتنقون الأفكار المتطرفة ويرتبطون آيديولوجيًا بتنظيمات متشددة دون أن يرتبطوا تنظيميا بهذه الجماعات المتطرفة، ويقومون بالتخطيط لعمليات إرهابية بصورة مستقلة، وبتخطيط وتمويل ذاتي خدمة لأهداف التنظيم وفلسفته. وفي الغالب لا يتجاوز عدد هؤلاء في العملية الواحدة ثلاثة أفراد على أقصى تقدير».
ويشير الخبراء إلى أن خطط «داعش» تقوم على عدم الاكتفاء بإلهام المنظمات المتطرفة أو «الذئاب المنفردة» بتنفيذ عمليات إرهابية في الخارج، بل إن التنظيم انتقل إلى تأكيد مشاركته، أو على الأقل الإشراف عليها، بما يخدم أهدافه عبر تقرير الأهداف والتوقيت والاستراتيجية، على أن يترك للمكلفين بهذه المهام اختيار سُبل تنفيذها والمشاركين فيها. وهو يفضل أن يكونوا من البيئة المحلية، تماما كما يوضحه تكليفه عبد الحميد أبا عود بالعملية الفرنسية والسماح له باختيار الأشخاص القادرين على مساعدته في مشروعه. لقد سمح هذا الخيار الذي يُعد العنوان الجديد لخطة تحرك «داعش» الجديدة، بضمان الإشراف الاستراتيجي على مسار العمليات؛ لكن دون تورط مباشر فيها.. فضلا عن الاعتماد بشكل متزايد على مواطني الدول الأجنبية نفسها لتنفيذ هجمات ضدها، أو قريبين منها، كما كان الأمر تماما في هجمات باريس وبلجيكا».
في هذه الأثناء، تشير الهجمات الأخيرة في السعودية، تركيا، الولايات المتحدة، فرنسا، الأردن وبنغلادش، التي بارك «داعش» بعضها، إلى انتهاج التنظيم فعليًا أسلوبي «الذئاب المنفردة» أو «سمكة الصحراء». ويقدر مراقبون أتباع التنظيم بالآلاف في الغرب، وأن دول أوروبا تحولت أخيرا إلى دول حاضنة لـ«الذئاب المنفردة». ووفق العميد عبد المحسن «هناك عدد كبير من المقاتلين الأجانب والمنتمين لجنسيات مختلفة من دول أوروبية ضمن صفوف تنظيم داعش في سوريا والعراق وليبيا، وهو ما يشير إلى أنه حال عودة هؤلاء إلى مدنهم ودولهم مرة أخرى متشبعين بأفكار متطرفة، إضافة إلى متلقي الأفكار الراديكالية عبر مواقع الإنترنت، فإنهم يمثلون نواة لضم (الذئاب المنفردة) في خلايا موالية للتنظيم المتطرف، لكنه لا ينتظر أمرا من قادتها لبدء تنفيذ العملية».
ولقد دشّن «داعش» بتلك العمليات الأخيرة التي انتهجها في الكثير من الدول استراتيجية جديدة مختلفة عن طريقة عمله السابقة التي كانت تركز على السيطرة على أراضٍ ميدانية، والتمدد عبرها إلى توجيه ضربات خارجية، أما السبب فمنافسته لـ«القاعدة» على صعيد الإرهاب العالمي.
ويتوعد «داعش» الغربيين باستمرار بهجمات «تنسيهم» – على حد زعمهم – هجمات نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001، وكذلك هجمات باريس وبروكسل.
وراهنًا، حسب باحثين، فإن تنظيم داعش يمتلك أكثر من 90 ألف صفحة على موقعي التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» باللغة العربية، و40 ألفا بلغات أخرى، بما يوسع من قدرات التنظيم على شن هجمات دون أن تتمكن الدول الغربية من تتبع تحركاتهم. ويؤكد هؤلاء أن التنظيم المتطرف ينشر يوميًا ما يقرب من 250 ألف تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي «تويتر» و«فيسبوك» لتوصيل رسالة بأن عدد الداعمين لأفكار التنظيم في تزايد مستمر. ويلفتون إلى أن «داعش» يعتمد اعتمادا كليا على ما يطلق عليهم «الهاكرز» لاختراق حسابات رواد التواصل الاجتماعي لجذب المزيد من المتابعين والتأثير فيهم، كما أن «الهاكرز» يصورون الحياة في مناطق سيطرتها على أنها حياة طبيعية، متجاهلين فيديوهات القتل والذبح والوحشية التي يرتكبها عناصر التنظيم. وهذا يعني أن التنظيم يمتلك ويستثمر جيشا إلكترونيًا لنشر الفيديوهات المصورة عبر دول العالم لزيادة شعبيته، خصوصا في أوروبا.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.