هل ينجح ترامب في تثبيت نفسه كمرشح للحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية؟

قبل يوم من انطلاق مؤتمر الحزبين الجمهوري والديمقراطي

أعضاء الحزب الجمهوري الأميركي خلال اجتماعهم الأخير في كليفلاند (رويترز)
أعضاء الحزب الجمهوري الأميركي خلال اجتماعهم الأخير في كليفلاند (رويترز)
TT

هل ينجح ترامب في تثبيت نفسه كمرشح للحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية؟

أعضاء الحزب الجمهوري الأميركي خلال اجتماعهم الأخير في كليفلاند (رويترز)
أعضاء الحزب الجمهوري الأميركي خلال اجتماعهم الأخير في كليفلاند (رويترز)

يبدأ الحزب الجمهوري غدًا الاثنين مؤتمره لاختيار مرشحه لرئاسة الجمهورية الذي يتوقع أن يكون دونالد ترامب، في كليفلاند (ولاية أوهايو). فيما يبدأ مؤتمر الحزب الديمقراطي بعد ذلك بأسبوع لاختيار مرشحته لرئاسة الجمهورية، والتي يتوقع أن تكون هيلاري كلينتون، في فلادلفيا (ولاية بنسلفانيا).
ووعد مسؤولو الحزب الجمهوري بأن يكون شعار مؤتمر الغد هو نفس شعار حملة ترامب: «لنعد لأميركا عظمتها». ومن المواضيع التي ستناقش في المؤتمر «الأمن القومي والهجرة والتجارة والوظائف»، بحسب جيف لارسون الرئيس التنفيذي للمؤتمر الوطني للحزب الجمهوري 2016.
وسيتطلع الملياردير ترامب لتثبيت تسميته مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية في مؤتمر كليفلاند، لكن يتوقع أن يكون شائكًا ومخالفًا للتقاليد المتبعة حتى الآن.
ويبدو أن هذا الديمقراطي السابق والجديد على عالم السياسة سيحصل رسميًا على تسميته مرشحًا للبيت الأبيض عن الحزب الجمهوري بعد فوز كاسح في الانتخابات التمهيدية. والغرض من المؤتمر الذي ينعقد مرة كل أربع سنوات، جمع الجمهوريين ليختاروا رسميًا مرشحهم الرئاسي وإطلاق الحزب لانتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. غير أن ترامب يواجه مهمة شاقة في إقناع منتقديه داخل الحزب.
وقبل أربعة أعوام ومع نهاية مؤتمر كل حزب لانتخابات الرئاسة خلال عام 2012، وضع كل حزب ملامح مؤتمر هذه الانتخابات الرئاسية الحالية. وقبل أن يحدد كل حزب مكان وزمان مؤتمره هذه المرة، ناقش عدة قضايا في غاية الأهمية، أبرزها نهاية جلسات الكونغرس، وتوقيت منافسات الألعاب الأولمبية في ريو دي جانيرو. لكن ليست هذه هي المرة الأولى التي يضع فيها الحزبان اعتبارات لمثل هذه العوامل.
ففي عام 1996 عقد كل حزب مؤتمره في أغسطس (آب)، وذلك لاستيعاب دورة الألعاب الأولمبية التي أقيمت في الشهر السابق يوليو (تموز) في أتلانتا (ولاية جورجيا). وفي عام 2000، عقد كل حزب مؤتمره في يوليو أيضا، قبل دورة الألعاب الأولمبية في مدينة سيدني الأسترالية، التي عقدت في الشهر التالي. وفي عام 2008، عقد الحزب الديمقراطي مؤتمره في نهاية أغسطس، فيما عقد الحزب الجمهوري مؤتمره في بداية سبتمبر (أيلول)، بسبب دورة الألعاب الأولمبية التي احتضنتها الصين في أغسطس.
لكن مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة، فعادة ما يستمر مؤتمر كل حزب أربعة أو خمسة أيام، وقبل كل مؤتمر بعام كامل تقريبًا، يطلب من لجنة الحزب في كل ولاية بداية إجراءات اختيار مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية (الاستعداد للانتخابات التمهيدية)، وتبلغ لجنة الحزب في كل ولاية عدد مقاعد الولاية في مؤتمر الحزب الذي سيختار المرشح، وذلك حسب عدد سكان الولاية، أو عدد نواب الحزب في مجلس النواب، أو ممثلين تختارهم لجنة الحزب، «سيوبر ديليقتز». كما تعلن طريقة اختيار، وتصويت ممثلي كل ولاية في المؤتمر، حيث يختار ممثلو الولاية مرشحًا واحدًا فاز على الباقين، أو يصوتون لكل مرشح حسب الأصوات التي نالها، أو يختارون من يريدون من المرشحين.
وبهذا الخصوص توقعت صحيفة «فلادلفيا انكوأيارار» أن يمثل الحزب الجمهوري 2,500 مندوب في مؤتمره في كليفلاند، وأن يمثل الحزب الديمقراطي 4,500 مندوب (و600 مندوب احتياطي) في مؤتمره في فلادلفيا. هذا بالإضافة إلى آلاف من الزوار (أميركيين وأجانب)، ومن الصحافيين والمتطوعين، ومندوبي شركات الإعلانات لمختلف أنواع الأكل والمشروبات والترفيه، وأيضا المتظاهرين. ولهذه العوامل مجتمعة قالت الصحيفة: «هذه المرة، ومثلما حدث في مرات سابقة، تظل عملية انتخاب مرشح للحزب معقدة، إذا لم تكن فوضوية». ورغم أن كل حزب يعلن، في النهاية، مرشحه، يحدث ذلك بعدما يقول كثير من الأميركيون إنه «سيرك سياسي».
لكن في الحقيقة فحتى الانتخابات التمهيدية التي سبقت مؤتمري الحزبين، يمكن أن توصف حسب بعض المحللين بأنها «سيرك سياسي»، وذلك بسبب اختلاف طريقة التصويت.
فمن جهة تصوت ولايات، مثل ولاية نيويورك، بالاقتصار على أعضاء كل حزب فقط لاختيار مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية. ومن جانب آخر تصوت ولايات، مثل ولاية وسكونسن، بفتح باب التصويت لجميع الناخبين المسجلين فيها، بما في ذلك غير المنتمين لأي من الحزبين. وفي المقابل، تصوت ولايات، مثل ولاية نيوهامشير، بفتح باب التصويت لجميع الناخبين المسجلين في الحزب الديمقراطي للتصويت في انتخابات الحزب الجمهوري، والعكس.
لكن، توجد ولايات لا تجرى فيها انتخابات تمهيدية بهذه الطريقة، حيث يتجمع أعضاء كل حزب في كل مقاطعة، أو مدينة، ويقدم المرشحون أنفسهم وبرامجهم، ويصوت ناخبو كل حزب لمن يريدون، وعندما ينتقل هؤلاء إلى مؤتمر الحزب (هذه المرة في فلادلفيا وكليفلاند) يصوتون حسب نفس النسب التي حصل عليها المرشحون في المؤتمرات الحزبية. وإضافة إلى هذا فإن مواعيد الانتخابات التمهيدية تختلف حسب قرار الحزبين في كل ولاية، وعادة تأتي في البداية ولاية آيوا، ثم ولاية نيو هامبشير.
وعبر السنوات ظل بعض الأميركيين ينتقدون هذا الترتيب، حيث تحظى أولاً هاتين الولايتين، وبقية الولايات الأوائل، بمتابعات إعلامية وشعبية ضخمة، ثم تزيد بعد ذلك نسب التصويت في تلك الولايات الأوائل، لأن اختيار المرشحين لم يحسم بعد. وكمثال على ذلك ففي عام 2004 أجرت ولاية نيوجيرسي انتخاباتها التمهيدية، بعدما حسم المرشح الديمقراطي آل غور المعركة، وفاز بأغلبية أصوات الانتخابات التمهيدية.
وبالإضافة إلى ميعاد المؤتمر، تحدد اللجنة الوطنية لكل حزب مكان المؤتمر. وعادة ما يحدث هذا قبل عامين تقريبا. وحول هذا الموضوع قالت مجلة «تايم» بمناسبة مؤتمري الحزبين في انتخابات عام 2012: «لقد تحول مؤتمر الحزب من تجمع سياسيين يتناقشون ويناورون إلى مناسبة اقتصادية عملاقة. ولهذا، صارت المدن الكبيرة تتنافس حوله، ليس حبًا في حزب دون حزب، ولكن لإنعاش اقتصادها، وخصوصًا الفنادق والمطاعم وأماكن الترفيه».
لكن الوضع كان مختلفًا نوعًا ما خلال العقود الأولى بعد تأسيس الولايات المتحدة، حيث كان كل حزب يختار مكان عقد مؤتمره حسب سهولة المواصلات. ولهذا كانت مدن الساحل الشرقي هي المفضلة، خاصة مدن الموانئ البحرية، مثل بولتيمور ونيويورك. ومع توسع الولايات المتحدة غربًا، وانتشار الخطوط الحديدية، ظهرت أهمية مدن الغرب الأوسط (مثل شيكاغو)، التي استضافت منذ عام 1860، 25 مؤتمرًا للحزبين.
ومثل دورات الألعاب الأولمبية في كل مرة، تتنافس المدن على استضافة مؤتمر كل حزب، ثم تنتظر قرار كل حزب، وتحدد عدة عوامل هذا القرار. فمثلا في عام 2004 اختار الحزب الجمهوري نيويورك بسبب هجمات 11 سبتمبر هناك، وبسبب دور الرئيس جورج بوش الابن في مواجهة الهجمات، وفي إعلان «الحرب ضد الإرهاب». وفي عام 2012، قال مدير حملة الرئيس أوباما الانتخابية الثانية جيم ميسينا: «لقد اخترنا شارلوت (ولاية نورث كارولينا) لأننا نؤمن إيمانًا قويًا بالجنوب الجديد، ولأننا نرى أن الرئيس أوباما يمثل الجيل الجديد».
وكلما زادت أحجام المؤتمرات، توسعت أماكن عقدها. ففي السابق كانت تعقد في قاعات مؤتمرات تكفي لبضعة آلاف شخص. لكنها أصبحت تعقد الآن في استادات رياضية عملاقة. وفي عام 2008 اشترط الحزب الجمهوري على المدن التي ترشحت لاستضافة مؤتمره وجود قاعة تسع لعشرين ألف شخص، فانسحبت مدن كثيرة وفاز استاد «أكسيل» في سانت بول (ولاية منيسوتا). وفي نفس عام 2008، ومع تضاعف حماس كثير من الأميركيين للمرشح باراك أوباما، حضر 80,000 شخص تقريبًا اليوم الأخير لمؤتمر الحزب الديمقراطي في استاد «أنفبسكو» في دنفر (ولاية كولورادو).
لكن بسبب زيادة الإجراءات الأمنية في الولايات المتحدة منذ هجمات عام 2001، وبسبب زيادة تعقيدات الإجراءات التنظيمية، صار منظمو هذه المؤتمرات يوزعون أيام المؤتمر على نحو مختلف وغير متشابه. وفي هذا السياق قارنت مجلة «تايم» بين برامج الحزبين الأميركيين، وبين برامج الأحزاب الأوروبية فقالت: «يكتب الأميركيون برنامج الحزب كسياسة عامة وبلغة مائعة، تهدف إلى إرضاء الأجنحة المتنافسة داخل الحزب. وعكس هذا تركز البيانات الانتخابية للأحزاب الأوروبية على أجندة ملزمة بالنسبة للحزب، وبالنسبة للمرشح».
لكن مؤتمر الحزبين هذه المرة تشوبه عدة مخاوف، وفي تعليق على قتل أسود لخمسة من رجال الشرطة البيض في دالاس (ولاية تكساس)، وقتل شرطي أبيض لأسود في منيابوليس (ولاية منيسوتا)، تساءلت صحيفة «واشنطن بوست»: «ألا يجب أن نحتاط جميعًا لما يمكن أن يحدث من عنف خلال مؤتمري الحزبين، مع أننا نأمل ألا يحدث ذلك؟».
وبالإضافة إلى خطب ممثلي الولايات لكل حزب، وخطب قادة كل حزب في الكونغرس، جرت العادة على خطاب خاص له رمز معين، يلقيه «نجم» معين. في عام 1984، وخلال مؤتمر الحزب الديمقراطي، كان «النجم» هو القس الأسود جيسي جاكسون، وكانت تلك أول مرة يلقي فيها أسود خطابًا رئيسيًا في مؤتمر أي من الحزبين. وفي عام 1992 وخلال مؤتمر الحزب الديمقراطي كان «النجم» هو زيل ميلار، حاكم ولاية أركنسا، الذي ألقى خطابًا عن المرشح بيل كلينتون، ابن الولاية. وفي عام 1996، وخلال مؤتمر الحزب الجمهوري، كانت «النجمة» هي عضو الكونغرس سوزان موليناري، التي تحدثت بالنيابة عن «المعتدلين الجمهوريين»، في مواجهة لوبي الأغلبية الأخلاقية (مورال ماجوروتي) الذي بدأ يسيطر على الحزب.
وفي عام 2004، وخلال مؤتمر الحزب الديمقراطي، كان «النجم» هو السيناتور الأسود باراك أوباما، الذي تحدث تأييدًا لمرشح الحزب السيناتور جون كيري. وكانت تلك بداية تسليط الأضواء على أوباما (ترشح للرئاسة عام 2008).
وفي كتاب مذكراته بعنوان «الجرأة على الأمل»، قارن أوباما بين خطابه أمام مؤتمر الحزب في عام 2004، وبين خطاب القس الأسود جاكسون أمام مؤتمر الحزب في عام 1984. وقال: «لننظر ونتمعن ونستلهم ما حدث خلال عشرين عامًا، بين عامي 1984 و2004».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...