بعد أربعة دواوين شعرية، «مانكان» و«رصيف القيامة» و«لا أكاد أرى» و«دفتر العابر»، ومجموعتين قصصيتين «تفاح الظل» و«فرح البنات بالمطر الخفيف»، فضلاً عن عمل مشترك مع الشاعر سعد سرحان، تحت عنوان «مراكش.. أسرار معلنة»، رسخ الشاعر والإعلامي المغربي ياسين عدنان قدميه في أرض السرد بإصدار روايته الأولى «هوت ماروك».. رواية عن المغرب وتحولاته. عن مراكش «الحاضرة/ البستان» وما تتعرض له من ترييفٍ واغتيالٍ للأشجار. عن الجامعة وحراكها الطلابي، عن مضارب الإنترنت وقُطاع طرُقها الرقمية، عن أحوال الناس وطبائع البشر، عن السياسة والصحافة، وعن طرافة الحملات الانتخابية في مغرب العزوف عن التصويت والمشاركة السياسية. رواية عن شخصية رحال العوينة الجبان خامل الذكر الذي يصير جبارًا في الأحلام، أو حين يرقص على الحبال الافتراضية من وراء شاشة.
ويرى عدد من المتتبعين للمشهد الثقافي المغربي أن ياسين عدنان «فاجأ» جمهور القراء بروايته، التي صدرت عن «دار الفنك»، بالدار البيضاء، في 460 صفحة، من القطع المتوسط، وحظيت بمقروئية واسعة، فأعيد طبعها في ظرف وجيز، كما صدرت في طبعة عربية، عن «دار العين»، بالقاهرة.
وتبقى رواية (هوت ماروك) من المفاجآت الجميلة، التي تجد صداها في التداول الجيد لنسخها وفي الأصداء الإيجابية التي تركتها في نفوس القراء ولدى النقاد، على اعتبار أنها «تمتلك طاقة على إثارة الدهشة والإمتاع، عبر رسمها للشخوص وسبرها للنفسيات وسخريتها الذكية ورصدها العميق للمجتمع وتحولاته والسياسة وخفاياها، بلغة آسرة، وقدرتها على التعبير المطواع، وأسلوب محكم البناء سلس السرد».
وعن دلالات عنوان روايته، واختياره الكتابة «تحت سقف» الرواية، قال ياسين عدنان: «بما أن هذا العمل في عمقه صرخة ضد التضليل وخلط الأوراق بشكلٍ صار مُمنهجًا في مشهدنا الإعلامي والسياسي، آثرت أن أتقدم نحو القارئ منذ البداية بعنوان ملفق من الترجمة الفرنسية لاسم المغرب وكلمة (هوت) الإنجليزية التي تعني الساخن». هكذا تتحدث الرواية عن المغرب الساخن على وزن (البريد الساخن) هوتميل، مع العلم أن (هوت ماروك) هو اسم صحيفة إخبارية إلكترونية ستحتضن هيئة تحريرها وكذا فضاءاتها الإلكترونية التفاعلية عددًا من أحداث الرواية التي ألحت علي. إن طرافة شخصية رحال ومراوحته الشيقة بين حياتين متوازيتين، الواقعية والافتراضية، وثراء الأحداث والوقائع هو ما استدرجني إلى جنس الرواية».
ويحسب «هوت ماروك»، هذا التنقل الطريف بين البشر والحيوان في روايةٍ لكل من شخصياتها الأساسية قرين حيواني. إنها «كوميديا حيوانية» أبطالها أناس من لحم ودم ومشاعر وأحقاد. لذلك، نقرأ على ظهر غلافها: «لا يمكن لبجعةٍ أن تُنجِب سنجابًا من سرعوف. هذا قانون الطبيعة، وهو بالبداهة يمشي وِفق نسقٍ واضح. لكن، من قال إن مصائر بني البشر تُوافِق نواميس الطبيعة؟ وهل رحال سنجاب فعلاً، أم لعله جرذ يتنكر في ذيل سنجاب؟ ومع ذلك فالرواية عن البشر لا الحيوانات».
لكن الرواية هي، أيضًا، «كوميديا إلكترونية»، ما دام جزء من مغامراتها وأحداثها يدور بين خيوط الشبكة العنكبوتية، على «فيسبوك» أساسًا، لكن، أيضًا، من خلال موقع «هوت ماروك» الإخباري الإلكتروني.
وتبقى «هوت ماروك» رواية معاصرة، تتكئ على شخصيات طريفة تسبر الروايةُ أغوارها النفسية، ترصد محيطها الاجتماعي، وترسم ملامحها الإشكالية بطريقة فنية. رواية حضرية تستدعي مدينة مراكش وتستضيفها بأسلوب مغاير للطريقة التي اعتادت أن تحضر بها في الرواية المغربية والعالمية. لذلك، فمراكش «هوت ماروك» هي مراكش أخرى، مختلفة عن مراكش التي استهوت الكتاب العرب والغربيين: من السوري أدونيس والعراقي سعدي يوسف، إلى الإسباني خوان غويتصولو والألماني هانس فيرنر غيردتس، وقبلهم الفرنسي - الألماني إلياس كانيتي والفرنسي كلود أوليي، وغيرهم.
مراكش ياسين عدنان، في روايته، هي مراكش الطبقة الوسطى غير المُرفهة من سكان الأحياء الجديدة والبعيدة عن المدينة العتيقة وعن القلب السياحي النابض لعاصمة المرابطين. مراكش غير السياحية حيث يعيش الشعب بمنأى عن الأسطورة. مراكش العشوائيات والهوامش المستفحلة لمدينة تكبر وتتسع يوما عن يوم، وتستقبل هجرات القرى سنة بعد سنة، لتصير الحياة فيها أصعب وأكثر ضغطًا. لكن مقاربة ياسين عدنان النقدية لتحولات المدينة والمجتمع من خلال هذه الرواية، تتم بلغة رشيقة وأسلوب شيق ونبرة ساخرة مما أضفى على «هوت ماروك» الكثير من عناصر المتعة والتشويق.
خلال حفل توقيع «هوت ماروك»، نظم أخيرًا بمراكش، من طرف مندوبية وزارة الثقافة، توقف كل من القاص والروائي والناقد أبو يوسف طه والناقد والمترجم محمد آيت العميم عند القيمة المضافة للإصدار الجديد، في حضور كاتبه، بشكل أكد للجمهور النوعي الحاضر، أن مبدع «هوت ماروك» الذي قدم من عمق قصيدة النثر، مرورًا بلحظة قصصية أثمرت مجموعتين قصصيتين، لم يتبع الموضة حين كتب روايته، بل قدم الإضافة، مؤكدًا قيمة منجز عدد من الشعراء المغاربة الذين دخلوا على خط السرد، فأبدعوا، بشكل جعلنا «نقرأ روايات ممتعة، تشد القارئ إلى عوالمها، وتغذي خياله، وتشرع أمامه أبواب القراءة والتأويل»، على رأي آيت العميم.
وقال أبو يوسف إن رواية «هوت ماروك».. «لها ما قبلها وما بعدها، لأنها فاصلة من حيث إنها أحدثت صدمة، في أن نتعرف على الشيء الذي كنا نراه من دون أن نجرؤ على تسميته ولا التقاطه ولا التعبير عنه، خصوصًا ما تعلق بالدجل السياسي والعبث وقيم الريع والخداع في السياسة والمتاجرة في آمال شعب. وفيما ظهر أننا تعايشنا مع هذا الواقع جاءت رواية ياسين عدنان فنكأت الجرح، ومن هنا أهميتها. فضلا عن أنها ذهبت إلى المهمل والهامش والبسيط الذي نعتقد أنه بلا قيمة». لكل هذا، رأى أبو يوسف أن «هذه الرواية فضحتنا، ووضعت على المشرحة ذاتنا المرائية المخادعة، لأننا جميعًا نمارس الدجل والخداع، مستعملين، في ذلك، أكثر من قناع، مع الزعم أننا من الطهرانيين. باختصار، الرواية فضحت الضعف البشري من دون أن تزدري التفاصيل».
كما لاحظ أبو يوسف أن «الرواية تقتنص التحولات التي طرأت على مراكش، من جهة ترييف المدينة وتوسعها ونشوء قيم جديدة ودخول أساليب جديدة للتواصل، خلقت حياة موازية لها تأثير على الحياة الواقعية، كما رصدت التحولات بتدرج، سواء من حيث العادات والممارسات أو القيم». ورأى أن «الرواية حاولت أن تكون جامعة وأن تلخص بحرًا في نهر أو نهرًا في قطرة، وأن تعطي صورة ميكروسكوبية للمدينة، بل للمغرب كاملا»، مشددًا على أنه «يحسب لكاتبها أنه استطاع السيطرة على انتظامية السرد، خصوصا من حيث تعدد الجوانب التي طرحتها».
من جهته، قال آيت العميم إن ياسين عدنان جعل من تجربته الشعرية والقصصية خلفية ثقافية لروايته، لذلك «اشتبك فيها التخييل الذاتي وشذرات السيرة والالتصاق بالواقع المعيش، على هدي أن الواقع أعقد من الخيال، والدقة في الوصف ونقل المشاهد بلغة حية قادرة على استيعاب الظاهر والباطن، والسخرية والتنوع في الأسلوب والضحك والإضحاك مما ضمن للرواية بعدًا كرنفاليًا».
ولاحظ آيت العميم أن «حيونة الشخوص» في الرواية تبدو «ملمحًا مهيمنًا يستدعي توقفًا عميقًا من أجل استيعابه وإدراك المغزى من توظيفه في هذا النص»، مشددًا على أن هذا النزوع نحو «حيونة الشخوص» قد خدم الرواية في أكثر من جانب: أولا في إبراز طبائع الشخصيات، وهي الطبائع التي يجعلها الرمز الحيواني أكثر وضوحا ورسوخا لأن خيالنا مفعم بما ننسبه للحيوان من خصائص.
وذهب آيت العميم إلى أن «الاستعارة الحيوانية» عملت، في «هوت ماروك»، على «فضح الاضطرابات الحاصلة في المجتمع الذي تحول إلى غابة أو حديقة حيوان، لتصبح الغرائز هي الموجهة لهذا المجتمع».
واستعرض آيت العميم، في سياق رصده لعوالم «هوت ماروك»، مجموعة نقط، تلخص للعمل، أولاها أنها «رواية منشغلة ومهمومة بأحوال المغرب الراهن، وعملت على فضح أعطابه، وتشريح أمراضه، عبر شخوص معطوبين يسبحون في التعاسة»، وثانيها أنها «أول رواية مراكشية اشتغلت على مراكش الجديدة أو مراكش الضاحية، مكسرة بذلك الصورة الخالدة على أن مراكش هو ما أحاط به السور فقط». أما ثالث النقط، فتتلخص في أن نص الرواية هو «نص لذة بالمفهوم البارتي (نسبة إلى رولان بارت) وليس نص متعة، فنص اللذة يستجيب لآفاق القراء، في حين أن نص المتعة يخلخل تلك الآفاق وقد يكون ملولا، في حين أن نص اللذة يملك على القارئ ذاته ويتمنى أن لا يترك الكتاب من يده. وفي هذه النقطة بالذات يمكن أن نجد الجواب عن سر الاهتمام بهذا النص حتى أصبح من بين الكتب الأكثر مبيعًا، فهو نص يفضح أعطاب المجتمع المغربي في مستويات متعددة بدءا من الجامعة وقبلها المدرسة ثم الصحافة والأحزاب السياسية، علاوة على المشكلات الأسرية والبؤس الاجتماعي. وقد عملت الرواية على صوغ كل هذه المكونات ضمن شخصيات عنوانها الفشل والتزييف والتخابر والحشرية».
المغرب وتحولاته في «هوت ماروك» لياسين عدنان
كوميديا «إلكترونية».. أبطالها أناس من لحم ودم
جانب من حفل توقيع الرواية - غلاف الرواية
المغرب وتحولاته في «هوت ماروك» لياسين عدنان
جانب من حفل توقيع الرواية - غلاف الرواية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

