بعد نحو مائة يوم من دخول قيادات المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز سراج إلى العاصمة طرابلس، دخلت البلاد في منعطف لافت، أهم ما فيه وجود توجه عام يبحث عن «توافق جديد»، بينما يسود شعور في أوساط القيادات العليا في الجيش الوطني الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر بأن الكفة يمكن أن تكون في صالح الميليشيات إذا لم يحصل الجيش على الدعم المطلوب من الدول الصديقة.
كان يفترض أن تحصل حكومة السراج، التي ولدت تحت رعاية الأمم المتحدة، على ثقة البرلمان المعترف به دوليا، إلا أن عراقيل واجهت رئيس المجلس الرئاسي أدت على ما يبدو إلى تراجع الآمال التي كانت معقودة على حكومته، بينما في الجانب الآخر يبدو الخصم اللدود للميليشيات، حفتر، يراوح مكانه في حربه ضد المتطرفين في الشرق.
أدى هذا الواقع إلى انتعاش حكومة موازية تعمل، منذ أكثر من عامين، انطلاقا من طرابلس أيضا، والمعروفة باسم «حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل، وهي حكومة مدعومة ممن تبقى من نواب المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)، ولديها ميليشيات أيضا. وهي تعادي المجلس الرئاسي وتؤيد المتطرفين في بنغازي، لكنها فتحت المجال لحوار مع بعض القيادات السياسية في الشرق، ووضعت تحفظات على حفتر.
على الرغم من قيام المجلس الرئاسي بعمله طوال الفترة الماضية، فإن الوضع في الدولة يبدو أنه لا يزال في حاجة إلى «توافق آخر». العلاقات متوترة والمستقبل غامض. كان يفترض أن يحسم الجيش حربه المستمرة منذ نحو 27 شهرا ضد ميليشيات المتطرفين المتحصنين في درنة وبنغازي، قبل أن ينطلق إلى محاربة الميليشيات في الغرب، لكن، ومن بين ما رشح من معلومات أثناء الزيارتين اللتين قام بهما حفتر إلى القاهرة خلال أقل من شهر، تبين أن الميليشيات في الغرب يمكن أن تشن حربا استباقية ضد قوات الجيش في الشرق.
يوجد تشاؤم من الوضع الراهن، بما في ذلك محاولات الاقتراب بين سياسيي برلمان طبرق وسياسيي برلمان طرابلس. أكثر من ينظرون إلى الأمور من هذه الزاوية، نواب يمثلون مدنا ملتهبة بالحروب أو منخرطة فيها، مثل درنة وبنغازي ومصراتة وطرابلس، ويسعون لوضع حد للدماء المراقة. يعلق إبراهيم عميش، النائب في البرلمان عن بنغازي التي تشهد قتالا عنيفا بين الجيش الوطني ومجموعات متطرفة: «الليبيون فاض بهم الكيل وحكومة السراج تبدو بلا فاعلية، بينما الحلول الليبية الخالصة التي نحاول طرحها، تواجه معارضة من أطراف دولية».
تزيد من مشكلات الواقع الليبي حروب مستعرة على عدة جبهات ضد تنظيم داعش، وضد تنظيمات متطرفة أخرى، وبخاصة في المنطقة الشرقية التي تتمركز فيها حكومة مؤقتة برئاسة عبد الله الثني، وهي حكومة مدعومة من البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق. وتحدى الثني نفسه من حاولوا تهميش حكومته خلال الأسابيع الأخيرة، بمن فيهم المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر، ويقول إنه مستمر في ممارسة صلاحياته إلى أن يقر البرلمان حكومة السراج. ويقول أحد مساعدي الثني: «لدينا معلومات عن نية الميليشيات في الغرب غزو المنطقة الشرقية. هذا خطير ولا بد من تدخل الدول الصديقة بتقديم المساعدة؛ لأن انتصار المجموعات المتطرفة سيحرق الكل».
المجتمع الدولي يفرض حظرا على توريد الأسلحة للجيش الليبي منذ 2011، بينما البلدان التي كان يعول عليها حفتر وحكومة الثني تبدو أنها «لم تقدم الدعم المطلوب»، وفقا لأحد قادة الجيش. وفي الوقت الحالي يتحدث بعض قادة القوات المسلحة، ممن جاءوا مع حفتر أخيرا إلى القاهرة، عن وجود مخاوف لدى العسكريين من وصول مدد إضافي ضخم من المنطقة الغربية للمتطرفين، خاصة في بنغازي. وتحصل الميليشيات على العتاد الحربي من سماسرة في البحر المتوسط، وفقا للقائد العسكري نفسه، والذي يعلق مشترطا عدم ذكر اسمه، قائلا إن «هذه الجماعات المسلحة تمكنت من جلب كميات كبيرة ومتطورة من الأسلحة، في الأسابيع الماضية، بحجة محاربة تنظيم داعش».
تقول انتصار شنيب، النائبة في البرلمان الليبي عن مدينة درنة التي كان يتحصن فيها تنظيم داعش قبل أن يترك مواقعه لتنظيم القاعدة: «إن وجود 3 حكومات في البلاد، له تأثير غير طيب على كل الليبيين، وإنه لا بد من حكومة موحدة ترضي الجميع». وتضيف موضحة: «تعدد الحكومات يؤثر تأثيرا سلبيا وكبيرا على كل ليبيا».
حين وصل أعضاء المجلس الرئاسي برئاسة السراج إلى طرابلس، قادمين من تونس عبر البحر، في الثلاثين من مارس (آذار) الماضي، كان يعتقد أن الخطوات الأولى لعمل هذا المجلس هو وضع جدول زمني للتخلص من الميليشيات التي ظهرت في البلاد عقب سقوط نظام القذافي، واستكمال الإجراءات الدستورية لكي يكون المجلس قادرا على العمل من خلال حكومة تنفيذية تحظى بثقة برلمان طبرق. لكن هذا لم يحدث.
يقول عميش، الذي يرأس لجنة العدل والمصالحة وخريطة الطريق في البرلمان لـ«الشرق الأوسط»: «عدم حصول حكومة السراج على الثقة البرلمانية حتى الآن، يجعلها حكومة بلا قيمة.. كأنها غير موجودة». ويضيف أن تداعيات هذا الأمر خطيرة، مشيرا إلى أن استمرار وجود الميليشيات يعرقل الحلول السياسية.
الأمر هنا لا يتعلق بقصة منح الثقة لحكومة السراج فقط، ولكن الأزمة لها أبعاد أخرى كما يقول عميش. فالبرلمان الذي وافق على مخرجات الحوار برعاية الأمم المتحدة والمعروف باسم «حوار الصخيرات»، تعد «موافقته مشروطة». أولا لا بد من تضمين مخرجات الصخيرات بالإعلان الدستوري المعمول به كدستور مؤقت للبلاد، منذ الإطاحة بالنظام السابق.
وثانيا يريد عدد من أعضاء البرلمان تعديل المادة الثامنة من اتفاق الصخيرات أو إلغاءها، إضافة إلى إجراءات أخرى، منها تقليص عدد نواب رئيس المجلس الرئاسي من 8 نواب إلى نائبين فقط. وتعد المادة الثامنة من اتفاق الصخيرات هي «مربط الفرس»؛ لأنها تعطي للمجلس الرئاسي حق إصدار ما يراه من قرارات فيما يتعلق بالجيش والأمن.
السراج سارع للعمل وفقا لهذه المادة، على الرغم من أنها موضوعة على جدول أعمال البرلمان لإلغائها أو تعديلها. وبناء على هذه المادة نصَّب السراج نفسه قائدا أعلى للجيش الليبي، على الرغم من أن الذي يشغل هذا الموقع، حتى الآن، وفقا للإعلان الدستوري، هو المستشار عقيلة صالح، رئيس البرلمان المنعقد في طبرق.
على الرغم من الخلاف بين البرلمانين الحالي والسابق، فإن كلا منهما يبدو أنه يمد يده إلى الآخر من أجل إقصاء السراج عن الساحة. وشهدت العاصمة طرابلس أول لقاء من نوعه بين مندوبين من الجانبين. وتمخض الحوار الذي جرى بعيدا عن الأضواء، عن عدة مقترحات، منها البند الـ15 الذي ينص على «احتكار الدولة للحق الحصري في الاستخدام المشروع للقوة»، كما ورد نص في البند الـ18 على «احتكار الدولة لمؤسستي الجيش والأمن»، ما يعني إلغاء دور الميليشيات التي يعتمد عليها المجلس الرئاسي في الوقت الراهن. وشارك في وضع مثل هذه المقترحات عوض عبد الصادق، ممثلا عن البرلمان السابق.
كما قلصت المادة الثامنة، بعد تعديلها في «الاتفاق المقترح»، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، من صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي بشأن أحقيته في أن يكون قائدا أعلى للجيش أو أن يتدخل في الشؤون العسكرية والأمنية، كما كان الحال في النص الوارد في «اتفاق الصخيرات».
أيا ما كان الوضع، فإن الانطباع العام عن مجلس السراج يظهر أنه لم يعد بتلك القوة التي كان عليها حين دخل طرابلس. تبدو القوة الصاعدة من جديد هي قوة الميليشيات التي «لديها استعداد لتجاوز السراج نفسه» كما يقول أحد القادة العسكريين. هذا دفع قيادات في برلمان الشرق للتحرك لدى دول صديقة لتعضيد قوة الجيش بقيادة حفتر، كان من بينها زيارته لموسكو عبر القاهرة، إضافة إلى زيارته الأسبوع الماضي للعاصمة المصرية ، وبقائه فيها أياما «أطول من المعتاد».
وفي الغرب استغل برلمان طرابلس القوة الصاعدة للميليشيات، في تحريك المياه الراكدة على ما يبدو. يعتقد البعض أن هذا أنعش أيضا حكومة الغويل التي تعتمد هي الأخرى على بعض الميليشيات لحمايتها في طرابلس، وتقدم دعما لمقاتليها ضد الجيش في بنغازي. ولم تسلّم حكومة الغويل السلطة للسراج بعد، ما يسهم في تعقيد حسابات القوى على الأرض وطبيعة ولاءاتها.
الجانب المتفائل بالمستقبل، يرى أن وجود المجلس الرئاسي في حد ذاته أمر جيد ويمكن البناء عليه، وأن «القضية الخلافية ليست مع الجيش الوطني ولكن مع قائده حفتر»، على الرغم من أن حفتر صرح أكثر من مرة بأن الجيش لا علاقة له بالنزاع السياسي، وبأنه يعمل فقط على محاربة المتطرفين وميليشياتهم.
ويقول النائب في البرلمان الليبي عن مدينة طرابلس، حمودة سيالة، إن ما حدث من توافق نتج عنه «المجلس الرئاسي»، حتى الآن.. «تستطيع أن تقول إنه بلغ نسبة تزيد عن 70 في المائة، ومن ثمَّ نحن في مراحل بناء الثقة، وصولا لحل شامل للأزمة الليبية». ويضيف: «هناك من المتفائلين من ينظر إليه من هذا الجانب. وخلال الأسابيع المقبلة أتوقع أن يكون هناك حلحلة لبعض المسائل العالقة».
أما النائبة شنيب فترى أن البلاد تحتاج وبشكل سريع إلى «قيام حكومة موحدة». وتقول إن هذا أمل لجميع الليبيين، وأنه لا اختلاف على هذا الموضوع. وهي من بين من ينتقدون «المجلس الرئاسي» وطريقته في العمل منذ دخوله طرابلس حتى الآن. وتقول: «قيام المجلس الرئاسي بهذه الطريقة، ودون أن أخوض في تفاصيل، أدى إلى تعقيد الأمور أكثر مما هي معقدة، وهذا ينعكس على عموم الدولة، وينعكس بالسلب على أهالي ليبيا. نحن نحاول أن نصل إلى حكومة موحدة لجميع الليبيين».
«العمل كحكومة أمر واقع والاعتماد على الدعم الدولي في هذا الأمر، لن يؤدي إلا لطريق مسدود أمام السراج»، هكذا يقول عميش، مشيرا إلى أن «تجاهل البرلمان في طبرق من جانب المجلس الرئاسي، مسألة خطيرة تعني تجاوز القواعد الدستورية وقواعد الديمقراطية المعروفة». ويبدي عميش دهشة مما قال إنها «مواقف مستغربة من السيد كوبلر». وهناك بعض الأطراف، بمن فيهم عميش وعبد الصادق، من يرون في عمل المبعوث الأممي انحيازا إلى طرف على حساب الآخر.
إحدى معضلات التوافق الليبي، قيام جانب من أعضاء البرلمان السابق بالاجتماع تحت مظلة المسمى الجديد الوارد في الاتفاق السياسي، ألا وهو «مجلس الدولة»، وانتخاب رئيس لهذا المجلس. ومن المفترض أن «مجلس الدولة» سيعمل بوصفه مجلسا استشاريا معاونا لمجلس النواب، إلا أن عمله هو الآخر مشروط بتضمين «اتفاق الصخيرات» في الإعلان الدستوري، وهو أمر لم يتمكن برلمان طبرق من القيام به حتى الآن.
السلطات التي ينبغي أن تتولى الأمور في ليبيا وفقا لاتفاق الصخيرات، هي «المجلس الرئاسي وحكومته» و«مجلس النواب (القائم بالفعل)» و«مجلس الدولة»، بيد أنه، وحتى هذه اللحظة، يظهر وجود ميل للتعاون بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني، وليس بين هذين الجسمين والمجلس الرئاسي الذي تعول عليه الأطراف الدولية. ومع ذلك يتسبب تأخر الجيش في حسم حربه ضد المتطرفين في بنغازي، في منح نقاط تفوق لكل من الميليشيات الداعمة للسراج والأخرى الداعمة للمؤتمر الوطني (وحكومة الغويل)، على حساب برلمان طبرق وعلى حساب مستقبل حفتر.
اشتعال المنافسة بين 3 حكومات ليبية.. وسياسيون يبحثون عن «توافق جديد»
زيارات حفتر إلى موسكو والقاهرة جددت النقاش حول مستقبل حكومة السراج.. و«جبهات مفتوحة» بين الميليشيات
لقاء نادر بين قيادات من برلمان طبرق وأخرى من برلمان طرابلس في محاولة لإنقاذ البلاد. ويبدو في الصورة رئيس لجنة المصالحة في برلمان طبرق إبراهيم عميش ورئيس برلمان طرابلس نوري أبو سهمين («الشرق الأوسط»)
اشتعال المنافسة بين 3 حكومات ليبية.. وسياسيون يبحثون عن «توافق جديد»
لقاء نادر بين قيادات من برلمان طبرق وأخرى من برلمان طرابلس في محاولة لإنقاذ البلاد. ويبدو في الصورة رئيس لجنة المصالحة في برلمان طبرق إبراهيم عميش ورئيس برلمان طرابلس نوري أبو سهمين («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









