مصر حائرة بين المشروعات القومية الكبرى والمبادرات الفردية الفذة

الحكومة تروج للإنجازات الضخمة.. ورواد الأعمال يبتكرون طرقًا جديدة للنجاح

مي مدحت رائدة أعمال مصرية التقت الرئيس الأميركي ضمن فاعلية دولية لدعم رواد الأعمال الشباب الشهر الماضي
مي مدحت رائدة أعمال مصرية التقت الرئيس الأميركي ضمن فاعلية دولية لدعم رواد الأعمال الشباب الشهر الماضي
TT

مصر حائرة بين المشروعات القومية الكبرى والمبادرات الفردية الفذة

مي مدحت رائدة أعمال مصرية التقت الرئيس الأميركي ضمن فاعلية دولية لدعم رواد الأعمال الشباب الشهر الماضي
مي مدحت رائدة أعمال مصرية التقت الرئيس الأميركي ضمن فاعلية دولية لدعم رواد الأعمال الشباب الشهر الماضي

منذ شهر أصدرت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر كتاب «المشروعات القومية العملاقة.. قاطرة التنمية»، تضمن الكتاب 17 مشروعا قوميا تعمل الدولة على إنشائها والانتهاء منها في أسرع وقت ممكن، وتضمنت القائمة مشروعات بحجم «محور تنمية قناة السويس»، و«المليون ونصف المليون فدان»، و«إنشاء جيل جديد من المجتمعات العمرانية»، وغيرها من المشروعات الضخمة، ويُعتبر إصدار الكتاب أمرا متسقا تماما مع سلوك الحكومة المصرية خلال الأعوام الماضية، حيث يركز رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي ومعاونوه على الانتهاء من أكبر قدر من هذه المشروعات خلال أقصر فترة ممكنة.
ولكن خلال الأيام الماضية برزت للفضاء العام مرة أخرى نقاشات حول أهمية دعم الدولة المبادرات الشخصية والمشروعات الصغيرة ورواد الأعمال خصوصا في مجال التكنولوجيا الحديثة، ليس فقط بسبب الإيرادات الكبيرة التي تجنيها الدول والشركات بل والأفراد من نجاح هذه التطبيقات، مثلما الحال في شركة «نينتندو» التي ارتفعت قيمتها السوقية 5.7 مليار دولار في يومين بفضل لعبة بوكيمون جو الجديدة، وليس أيضا بسبب التوجه العالمي لدعم أصحاب هذه التطبيقات خصوصا في الولايات المتحدة وأوروبا، بل في دول الخليج أيضا، خصوصا دولة الإمارات والملكة العربية السعودية، بل لأن رواد الأعمال المصريين بدأوا في تحقيق نجاحات معقولة على المستوى الدولي كان آخرها اختيار مي مدحت، صاحبة شركة إيفنتوس ضمن 3 شباب حول العالم للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما ضمن فاعلية دولية لدعم رواد الأعمال الشباب.
وفقا للبيانات الحكومية المصرية، فإن المؤسسات التي يعمل بها أقل من 10 أفراد تبلغ 2.2 مليون منشأة من إجمالي 2.4 مليون منشأة في مصر، توظف 97 في المائة من العاملين في القطاع الخاص، ما يمثل أكثر من 60 في المائة من الأيدي العاملة المصرية، وهذه المؤسسات الصغيرة تُمثل شبكة ضمان اجتماعي في وقت الأزمات، لأنها تستطيع توفير فرص عمل لمن لا يجد فرصة عمل رسمية، وهو الوضع الحالي في مصر، ومع ذلك لا يجد هذا القطاع الواسع دعما يُذكر من الدولة، لهذا تُغلق معظم هذه المؤسسات أبوابها بعد فترة، أو تبقى صغيرة دون القدرة على التوسع، إذا حالفها الحظ.
من ضمن الناجين القلائل في السوق المصرية، كانت الشابة مي مدحت، التي، قبل أسبوعين، توسطت بين الرئيس الأميركي باراك أوباما، ومبتكر «فيسبوك» أغنى ملياردير شاب في العالم مارك زوكربرج، في جلسة خصصت لعرض أبرز نماذج النجاح في ريادة الأعمال حول العالم.
ومن ضمن أكثر من 46 ألف متقدم بطلب لحضور قمة رائد الأعمال الدولي، تم اختيار 1400 شخص للحضور، منهم 3 أشخاص فقط قاموا بمشاركة أوباما وزوكربرج أفكارهم ومشاريعهم أمام ممثلي 20 حكومة وعدد كبير من رجال الأعمال الدوليين، هم ماريان من بيرو وجون بوسكو من رواندا ومي مدحت من مصر، التي عرضت تجربتها بصفتها مُنظِمة لـ8000 فاعلية في مصر والإمارات و13 دولة أخرى منها الهند والولايات المتحدة وإسبانيا.
تخصص إيفنتوس هو إقامة الفاعليات من مؤتمرات ومعارض ورحلات وحفلات، مع التركيز على فاعليات الأعمال، حيث يقوم تطبيق إيفنتوس محل كل الأوراق المرتبطة بالفاعلية من أجندة أعمال ومعلومات وتذاكر دخول وغيرها «في كثير من الفاعليات يتم تغيير المواعيد أو المتحدثين، وقتها تصبح الأوراق بلا قيمة، ولكن التطبيق يتم تحديثه بسهولة، ويتم إبلاغ الحضور بهذا التغيير، وفي النهاية هدفنا مساعدة المنظمين والجمهور على إقامة أو توطيد علاقات العمل».
وعلى عكس شركات تنظيم المؤتمرات التقليدية، فإن السمة الغالبة على مقر إيفنتوس في التجمع الخامس هي البساطة الشديدة، فلا توجد لافتة واحدة توضح مقر الشركة إلا على خرائط جوجل الافتراضية، ويرتدي الـ15 موظفا الذين يعملون في المقر ملابس شديدة البساطة، ولم نلحظ شعار الشركة إلا على لافتة طولية، تشبه تلك المستخدمة في فاعليات طلاب الجامعات، ولكن هذا لم يكن عائقا أمام اجتذاب رجل أعمال هندي لتنفيذ فاعليته عبر تطبيق صنع في مصر.
«لا أحد كان يعلم إن كان أوباما أو مارك زوكربرج سيحضرون الفاعلية، هذا الترتيب تم في اللحظة الأخيرة»، تقول مي مدحت، التي أسست إيفنتوس منذ 4 سنوات: «التطبيق يمكن رعاة ومنظمي المؤتمرات والفاعليات من معرفة مدى نجاح الفاعلية ومدى جدوى هذا الإنفاق، حيث يقيس التطبيق عدد الحضور ويتعرف ردود أفعالهم وما الشيء المميز أو من المتحدث الجيد أو الأمر الذي لاقى إعجاب الحضور، وهذا عبر تفاعل الحضور على التطبيق». وتتنوع الفاعليات التي يدعمها إيفنتوس من حيث الحجم: «نحن ننظم ورش عمل لـ15 فردا وننظم فاعلية بحجم فاعلية (قومي يا مصر)، التي حضرها نحو 5000 فرد، كما قمنا بتنظيم فاعلية تمهيدية في دبي تابعة لإكسبو 2020. حيث يقومون بتنظيم من 4 إلى 5 فاعليات سنوية تحضيرا لهذا الحدث المهم، هذا بالإضافة إلى فاعليات مع مؤسسات مثل عرب نت في لبنان والسعودية ودبي»، وفقا لمي مدحت.
ووفقا لمديرة التطبيق، فإن عددا كبيرا من حضور «قومي يا مصر» الـ5000 بقوا على تواصل عبر التطبيق، وكان المنظمون مهتمين بقياس ردود فعل الحضور بعد انتهاء الفاعلية سواء بالتعليقات أو استطلاعات الرأي، وهذا يفيد المنظمين في تطوير الفاعلية السنوية.
ووفقا لمي مدحت فإن 9 من كل 10 حضور في مؤتمرات يدعمها «إيفنتوس» يقومون باستخدام التطبيق «هذه نسبة انتشار كبيرة، فهذا هو جمهورنا، وليس كل الناس، هؤلاء مشتركون فاعلون وهذا الرقم أضعاف أضعاف ما يصل إليه منافسونا».
وأكدت مي مدحت - باسمة - أن طفرة حدثت في عدد المشتركين على التطبيق منذ لقائها بأوباما: «لدينا 20 تطبيقا على الهواتف، منها التطبيق الرئيسي ولدينا تطبيق خاص بالمنظمين، منه يمكنهم إضافة البيانات واستخدام الأدوات التحليلية، وعرض التذاكر، هذان التطبيقان زاد عدد مستخدميهما 50 في المائة خلال الـ4 أيام الماضية».
وفقا لمي مدحت، تحولت الشركة للربحية لأول مرة في العام الماضي، ومن المرجح أن تستمر الشركة في جني الأرباح وزيادة عدد العملاء بعد لقاء أوباما وما صاحبه من تغطية إعلامية موسعة، بعد أن بدأت استثمارها بأموالها الشخصية: «نحن مبرمجون نستطيع بناء الأكواد فلم نحتج إلى تعيين آخرين وبالتالي كانت تكلفة الاستثمار منخفضة للغاية»، هكذا تقول خريجة هندسة عين شمس.
ويتوفر الدخل الرئيسي للشركة عبر منظمي المؤتمرات، فهناك نسخة مجانية من التطبيق ثم تتدرج النسخ التي يدفع المشتركون مصروفات منتظمة فيها تتراوح بين 600 دولار إلى 1400 دولار، وهناك تسعيرة أخرى خاصة بالفاعليات الكبرى.
ونفت مي مدحت تلقي الشركة عروضا جادة للاستحواذ أو الاندماج مع إيفنتوس: «نحن منفتحون على أي عرض ولكننا نعرف أننا أمام طريق طويل ونجاحات أخرى يمكن تحقيقها وأحلام أكبر، وما أنجزناه شيء بسيط، لا نخشى الاستحواذ، ولكن أمامنا طريق طويل وأفكار للتوسع داخل وخارج العالم العربي».
أما عن المصاعب التي تواجه رواد الأعمال في مصر فتقول مي مدحت إنه لا يوجد دعم كاف من الحكومة أو من غيرها، بالإضافة إلى تقصير من الإعلام بالتعريف بالمبادرات، ما يقلل الفجوة بين رواد الأعمال وكبار المستثمرين والفئة المستهدفة من الخدمات التي يقدمونها، فكبار المستثمرين لا يثقون في جدية رواد الأعمال في مصر، على عكس الوضع في دول أخرى مثل الولايات المتحدة التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على رواد الأعمال والمبادرات الفردية: «على سبيل المثال فإن قمة رائد الأعمال الدولية التي التقيت فيها بأوباما وزوكربرج، هي فاعلية تابعة لحكومة الولايات المتحدة يحضرها رجال أعمال وممثلون لـ20 حكومة، جاءوا للاستماع إلى رواد الأعمال».
وتضيف أنه على الحكومة وصناع القرار في مصر أن يعرفوا أن توفير التمويل من القطاع البنكي وغيره هو أولوية لرواد الأعمال، بالإضافة إلى حماية أموال المستثمرين، وضرورة تسهيل الإجراءات فيما يتعلق بتأسيس الأعمال، خصوصا تلك المرتبطة بالإنترنت، وهناك حاجة أيضا إلى دعم البنية التحتية، خصوصا فيما يتعلق بسرعة الإنترنت واستمرارية إتاحته من الأساس.
وعن الفارق بين فرعي الشركة في دبي والقاهرة، تقول مي مدحت: «الموضوع واضح في دبي، حيث يتم التسجيل في استمارة معينة بغرض تأسيس الشركة، ومن المعروف أن الوقت المطلوب للانتظار هو ما بين أسبوع وأسبوعين مع تكلفة أعلى، في مصر الموضوع مُبهم قليلا، فربما يتم التسجيل في أسبوعين أيضا لكن لا توجد إرشادات بدرجة الوضوح نفسها الموجودة في دبي».
أما بالنسبة لفوارق الطلب بين البلدين، فترى مي مدحت أن الطلب أعلى في دبي، فسياحة الفاعليات جزء أساسي من الاقتصاد، والدولة تشجعه بشدة، وكثير من الناس تسافر إلى دبي بغرض حضور المؤتمرات والفاعليات: «وبالتالي هذا يفتح لنا فرصا للعمل في دول الضيوف الذين يحضرون الفاعليات بعد التعرف عليهم، بالإضافة إلى الانتشار الواسع لاستخدام التكنولوجيا».
وتخطط إدارة «إيفنتوس» للتوسع خارج مصر ودبي: «لدينا فاعليات في كثير من الدول، ونستهدف أن يصل التطبيق لأكبر عدد ممكن في العالم، وهذا مرتبط بتطبيقنا الذي يسهل انتشاره في كل دول العالم على عكس كثير من التطبيقات ذات الطابع المحلي، ونريد أيضا جذب استثمارات أجنبية للتطبيق، وإظهار قدرة المواهب المصرية على النجاح عالميا، وهذا أمر أصعب، ولكننا ككثير من التطبيقات المصرية قادرة على المنافسة في الخارج، وفي النهاية ستبقى السوق المصرية أساسية بالنسبة للشركة وسيبقى فريق العمل المصري مستمرا، المهم أننا نخطط خلال عامين لأن يكون لنا مكتب في أوروبا».
وعن أفضل النماذج لرواد الأعمال في مصر، اختارت مي مدحت شركة كيجامي التي تدير صفحات التواصل الاجتماعي العربية لعدد كبير من العملاء الدوليين مثل نت فليكس، وإي سي روما، وغيرها من الأندية العالمية.
وقد أعلن موقع كليك المتخصص في التكنولوجيا على قناة دويتش فيلة، منذ أشهر، أن متخصصي صفحات السوشيال ميديا المصرية هم الأفضل عالميا في التعامل مع العملاء، وفقا للإحصاءات، بالإضافة إلى شركة «وظف» التي تم الاستثمار فيها من شركات أوروبية. وتفتخر مي مدحت بتعليمها الحكومي وتخرجها في كلية الهندسة بجامعة عين شمس «لم أكن لأصل إلى ربع ما وصلت إليه دون تعليمي، واستفدت للغاية بالطبع، ولكن هذا لا يمنع أن تعليم طلبة الهندسة مادة مرتبطة بريادة وإدارة الأعمال أمر مهم حتى يستطيعوا إدارة الشركات».
وعن سؤالها حول إمكانية تكرار تجربة «فيسبوك» في مصر، قالت: «صعب تتكرر في العالم كله وليس مصر فقط، ولكن ليس مستحيلا، المهم أن يكون هناك رؤية وعمل جاد، و(فيسبوك) حتى اليوم يقومون بالتحديث بشكل يومي».
* اهتمام دولي بريادة الأعمال في مصر
* في شهر فبراير (شباط) الماضي قال تقرير نشره موقع صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأميركية إن مشروعات ريادة الأعمال تعيش حالة من الازدهار في مصر «رغم سنوات الاضطراب الماضية التي مرت بها البلاد والضغوط الاقتصادية». ونقلت الصحيفة عن أحمد الألفي، مؤسس شركة سواري فنجرز، قوله إن «مشروعات ريادة الأعمال في القاهرة مستمرة في الازدهار رغم الظروف الاقتصادية والوضع السياسي».
وأضاف الألفي، الذي أسس أيضا شركة فلات 6 لابس، أول شركة قطاع خاص لتحفيز مشروعات ريادة الأعمال، أن ريادة الأعمال «واحدة من النقاط المضيئة في السنوات القليلة الماضية». وأرجع الألفي ازدهار استثمارات ريادة الأعمال إلى نشاطها على المستوى العالمي، بالإضافة إلى أن الشباب لا يتوقعون أو يطمحون للعمل مع شركة واحدة بقية حياتهم، بالإضافة إلى دور التكنولوجيا وأنشطة الاتصالات العالمية في تحفيز هذه الاستثمارات.
وسرد تقرير كريستيان ساينس مونيتور، الذي جاء بعنوان «انتفاضة أخرى في مصر: شركات ريادة الأعمال تزدهر»، تجربة مي مدحت التي تركت في 2011 وظيفتها باعتبارها مهندسة سوفت وير في شركة كبرى للعمل في مجال ريادة الأعمال. وبحسب التقرير، كانت أسرة مي تشعر بالانزعاج من تركها لوظيفتها بالشركة ولكن نشاطها الريادي في تقديم خدمات على الإنترنت للتواصل وتنظيم الفعاليات تطور بحيث يوظف حاليا 15 عاملا في مكتبين للشركة بالقاهرة ودبي. ولكن الصحيفة الأميركية تقول إن الأوضاع بمصر لا تزال تفرض تحديات على نشاط ريادة الأعمال.
ونقلت عن مي مدحت قولها إن عدم الاستقرار ساهم في إلغاء كثير من الفعاليات في مصر، كما أن تعيين الكوادر قد يكون صعبا بسبب ما وصفته بحالة «استنزاف العقول في مصر». ولكن في الوقت ذاته يعتبر جابر «التفكير في أننا بنينا شركة نجحت في وسط ثورتين.. هذا يجعلنا مصممين على العمل بشكل أفضل وأسرع وأكثر من أي أحد».
وفي نهاية 2015، نشر موقع «فوربس» مقالا عن أهم 10 مدن لبدء الأعمال في العالم، كانت القاهرة واحدة منها، وقالت الكاتبة إيمي جوتمان في المقال إن القاهرة تحتوي على مجموعة هائلة من شباب الخريجين المتعلمين المستنيرين في مصر، الذين اتجهوا لإنشاء مجموعة من الشركات الناشئة، على الرغم من التحديات، وذكرت أن رجال الأعمال الصغار اكتشفوا طرقا جديدة للنجاح ومنها إنشاء حاضنات الأعمال ومعالجاتها.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.