الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

تصاميم رومانسية.. خطوط أنثوية وهروب من الواقع.. عنوان الـ«هوت كوتير» للخريف والشتاء المقبلين

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع
TT

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

في موسم تحول فيه الكل في باريس إلى محللين سياسيين، لا حديث لهم سوى عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتبعات هذا الخروج على الحياة عموما والموضة خصوصا، أكد المصممون، كما أكدت بريطانيا، أن الأعوام القادمة ستكون للمرأة.
بريطانيا قالت كلمتها باختيارها امرأة لمنصب رئيس الوزراء لأول مرة منذ ثاتشر. فبعد منافسة بين وزيرة الدولة للطاقة أندريا ليدسوم، ووزيرة الداخلية تيريزا ماي، على زعامة حزب المحافظين البريطاني ومن ثم رئاسة الوزراء، كان الفوز من نصيب ماي. أما الموضة فعبرت عن الأمر باحتفالها بالأنوثة من خلال أزياء رومانسية تفوح من جوانبها رائحة التفاؤل، أو بالأحرى الرغبة في إلغاء كل ما يتعلق بالواقع، من تراجع الاقتصاد إلى العمليات الإرهابية التي تهز العالم. كانت هناك أيضًا عودة إلى الماضي البعيد، لأنه بالنسبة لهم أضمن من الحاضر والمستقبل، خصوصًا وأنهم يعرفون ما يتوقعونه منه. وبالفعل، بدءا من «ديور»، و«أتولييه فرساتشي»، و«أرماني بريفيه»، و«رالف أند روسو»، إلى «جيامباتيستا فالي» و«إيلي صعب» وغيرهم، تحولت عروض باريس إلى شبه واحة للهروب، ليس من الواقع الحزين بكل مشكلاته وتعقيداته فحسب، بل أيضًا من الموضة «السبور» الدارجة حاليًا. فأغلب المصممين وظفوا خيالهم في التفصيل والعودة إلى الزمن الجميل، حين كانت المرأة تحتفل بأنوثتها على الملأ، من دون خوف أن يدينها العالم على بذخها وإسرافها. ورغم أن دماء الإمبراطورة ماري أنطوانيت، التي جسدت هذا البذخ في القرن الثامن عشر، لا تجري في عروق زبونة الـ«هوت كوتير» المعاصرة، إلا أنها لا تختلف عنها في عشقها للموضة وتوقها للتفرد. هذه الزبونة تتميز أيضًا بالقوة، سواء من ناحية شخصيتها أو قدرتها المالية، وتأتي باريس في هذا الموسم خصيصا لتنتقي فساتين لا مثيل لها، بغض النظر عن أسعارها. وهذا يعني أنها لا تريدها بتصاميم أو خامات تأخذ بعين الاعتبار الأحوال الاقتصادية المتردية، كما لا تريدها أن تعكس ثقافة الشارع والواقع، بل تريدها أن تحلق بها عاليًا وتحقق أحلامها، وبالتالي تتوقع فساتين تحاكي التحف، لا يبخل عليها المصممون بشيء، سواء تطلبت هذه الفساتين تنورات مستديرة أو بذيول طويلة تليق بالقصور والمناسبات الكبيرة. والحقيقة أن كل المصممين، ودون استثناء، اجتهدوا أن لا يخيبوا آمال هذه المرأة وتوقعاتها، ونجحوا بنسب مختلفة. فقد غاب الأسلوب الـ«سبور» الدارج حاليا في شوارع الموضة العالمية، وحلت محله تصاميم تستحضر الخمسينات من القرن الماضي، حين تمرد أمثال كريستيان ديور على تقشف الحرب العالمية الثانية وأعادوا للمرأة أنوثتها المسروقة، من خلال تحف يستغرق تنفيذها آلاف الساعات وتتطلب أمتارا طويلة من أقمشة مترفة تبرر أسعارها التي قد تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات.
إضافة إلى تأثير الخمسينات من القرن الماضي، عاد بعضهم إلى ماري أنطوانيت، وبعضهم الآخر إلى العهد الإليزابيثي، مثل «فالنتينو»، وجيامباتيستا فالي، وأليكسي مابيل، والثنائي «فيكتور أند رولف»، حيث كانت هنا الكثير من التنورات المستديرة بأحجام مبالغ فيه أحيانًا، كما كان هناك كم سخي من الياقات العالية والأكمام ذات الكشاكش. جون غاليانو أيضًا عاد بأنظاره إلى الماضي، وتحديدا إلى عهد نابليون بونابرت، وقدم لـ«ميزون مارجيلا» تشكيلة ثورية بكل معنى الكلمة، الأمر الذي يؤكد أنه بدأ يتأقلم مع دوره الجديدة في الدار، التي كانت قبله تميل إلى الاختبارات والتجارب أكثر من السريالية والدراما.
من اليوم الأول للأسبوع، وفي عرض «أتوليته فرساتشي» تأكد هذا الحنين إلى الماضي. فقد قدمت دوناتيلا فرساتشي قطعا متنوعة، تتباين بين فساتين السهرة ومعاطف للنهار، تضج بالإثارة والأنوثة وأيضًا بالحرفية وكأن المصممة تريد أن تنأى بنفسها عن الاستسهال. في اليوم التالي قدمت «ديور» أيضًا تشكيلة، رغم بساطتها، تصب في خانة السهل الممتنع، والسبب أن المصممين، لوسي ماير وسيرج ريفيو، يعرفان أنهما مؤقتان وبأن هذه آخر تشكيلة سيقدمانها للدار قبل أن تتسلم ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة دار «فالنتينو» سابقًا، المشعل منهما. الفصل الذي كتباها كان واضحًا وبسيطًا بالأبيض والأسود فقط، ولم يضعا في آخره نقطة النهاية. فهما يعرفان جيدًا أن الفصل القادم سيكون مهمًا في تاريخ الدار، كون ماريا غراتزا ستكون أول مصممة تدخل «ديور» منذ تأسيسها في الأربعينات من القرن الماضي.
المصمم إيلي صعب ينجح دائما في أن يُهدي المرأة ما تطلبه وتحلم به، بحكم باعه الطويل مع الأنوثة الرومانسية من جهة، وعلاقته بهذه المرأة من جهة أخرى. فهو يفهمها جيدًا ويعرف أحيانًا ما تريد قبل أن تعرفه هي أحيانًا. ديكور القاعة الواقعة في «شارع غامبون»، كان بسيطًا لكن بدلالات كبيرة. فهو يعكس مدينة نيويورك، وتحديدا بنايات مانهاتن و«غرايزلر»، وهو ما تجسد في الأحجام والطيات وأيضًا في موتيفات ظهرت في مجموعة من الفساتين استهل بها عرضا لم يكن ينقصه سوى أغنية «نيو يورك نيو يورك» الشهيرة لفرانك سيناترا حتى تكتمل الرسالة. والرسالة هنا ليس إعجاب المصمم بالمدينة وإيقاعها فحسب، بل أيضًا نيته افتتاح محل كبير بماديسون سكواير، بحلول عام 2017، الأمر الذي يؤكد أن لا شيء يحدث في عالم الموضة اعتباطًا ودون دراسة مسبقة. بدأ العرض وتوالت الفساتين والاقتراحات، لنتبين أن وصفته الناجحة واللذيذة لم تتغير، وأن كل ما في الأمر أنها اكتسبت قوة وديناميكية، لمسناها في تشكيلاته السابقة لكن جرعتها زادت فخامة هذه المرة. كانت أيضًا أكثر جرأة، سواء من ناحية سخاء التطريزات التي غطت، في بعض الأحيان، فساتين بالكامل، وجاء أغلبها على شكل ورود ثلاثية الأبعاد، أو من ناحية الأقمشة الكلاسيكية مثل الحرير والتول والمخمل الذي عانق الجسم مع طيات أو فتحات هنا وهناك. الألوان أيضًا كانت لافتة، لأن إيلي صعب كان يركز في السابق، على لون واحد في كل إطلالة يضخه بالتطريزات الغنية بالخرز والترتر والأحجار، بينما كانت الألوان هنا متداخلة مع بعض. كلما زادت جرأتها، تشعر كما لو أنها كانت بمثابة اكتشاف بالنسبة للمصمم، وبأنه استحلى عذوبتها وهي تتماوج أو تتداخل مع بعض، فظل يزيد من جرعتها بالتدريج.
لم يكتف إيلي صعب برومانسية الألوان والأقمشة ولا أنثوية الخطوط والتطريزات التي غلبت عليها الورود، بل أضاف جديدا، يعرف بحسه التجاري أنه سيلمس وترا حساسا بداخل كل امرأة. هذه الإضافة جاءت على شكل مجموعة فساتين للأطفال تخاطب مناسبات الأعراس والأفراح.
لا شك أن الأمر كان سيبدو محاولة تجارية ساذجة، لكن المصمم يعرف ذلك جيدًا، ولا يمكن أن يخطر بباله أن يقوم بخطوة لها تبعات سلبية، كما أنه من الصعب اتهامه بالسذاجة أو الاستسهال لتحقيق الربح. فكل خطوة يقوم بها تكون مدروسة من كل الجوانب. ما يشفع له أن هذه المجموعة الصغيرة جمعت في عمقها الأناقة وظاهرها البراءة. ثم أنه لم يكن يحتاج لعرضها أمام الحضور، حتى يصل إلى قلوب زبوناته، وهن كُثر، لأن المتعارف عليه أن أغلبية زبونات الـ«هوت كوتير» تطلبن أزياء خاصة لأطفالهن للمناسبات الخاصة، لكن وراء الكواليس.
في عرض «أتولييه أرماني» لا يمكن لأحد أن يتهم المخضرم جيورجيو أرماني بالرومانسية أو الدراما على حساب الأناقة العصرية. فهو يعتمد دائما على مكمن قوته، وهو التفصيل الدقيق والمحسوب من الأكتاف العالية إلى البنطلونات المستقيمة أو الفساتين المحددة على الجسم. لهذا ليس غريبا أن يفتتح عرضه بتايور، مكون من جاكيت وبنطلون، مستوحى من خزانة الرجل بأكتاف عالية وأقمشة أنثوية، تلمع حينا وتتطاير حينا آخر، قبل أن يتسلل المخمل للفساتين الموجهة للمساء والسهرة. لم تكن هناك أي مبالغات أو تفاصيل لا تحتاجها المرأة، بل العكس كل غرزة وكل طية مدروسة وتتمركز في جزء استراتيجي، سواء كان الخصر أو الأكتاف أو الصدر، مع لعب على الأقمشة التي مزجها في الإطلالة الواحدة. مثلا كان هناك جاكيت من الساتان الأسود مع تنورة من نفس اللون من المخمل بفتحة جانبية. نفس الفكرة تكررت في اقتراحات أخرى، ركز فيها على درجات ألوان هادئة مثل الأبيض اللؤلؤي، والوردي الفاتح والأزرق السماوي. كانت العارضات يتخايلن على وقع نغمات موسيقية أوبرالية، تجعلك تسبح في عالم ساحر يتأرجح بين الخيال والواقع، لتستفيق منه على صوت تصفيق عال، عندما تطل عارضة في فستان من المخمل الأسود وقبعة مثيرة تغطي مجموعة الرأس وتتدلى منها ستارة خفيفة من التول المطرز لتغطي نصف الوجه. هذه القبعة قد تكون عملة ذهبية في يد جيورجيو أرماني، لأنها تلعب على مشاعر متعددة وتخاطب ثقافات مختلفة.
نفس الشيء يمكن أن يقال عن تشكيلة الثنائي «رالف أند روسو» التي لعبت هي الأخرى على المشاعر، لا سيما الحنين إلى الزمن الجميل. ما قدماه في الأسبوع الماضي هو سادس عرض لهما في برنامج أسبوع الـ«هوت كوتير» الرسمي بباريس. قبل ذلك، لم يكن يعرف بالماركة، سوى قلة من الناس، إلا أن اسم «رالف أند روسو» سرعان ما فرض نفسه على ساحة الموضة وأصبح لصيقًا اليوم بالأناقة الراقية. عندما اختيرا للمشاركة في الأسبوع، منذ ثلاث سنوات تقريبًا، عبرا عن رغبتهما في إعادة الحلم إلى المرأة، وهذا ما نجحا فيه لحد الآن، بعودتهما دائما إلى الخمسينات والسبعينات هذه المرة. لم تتغير استراتيجيتهما لكنهما يعرفان أن الأزمة الاقتصادية تعني المزيد من الاجتهاد لشد انتباه المرأة وكسب ودها، الأمر الذي يُفسر سخاءهما في التطريز وغرفهما من الطبيعة المتفتحة، إلى حد جعل الكثير من الفساتين والتنورات والبنطلونات المستقيمة تبدو وكأنها لوحات فنية متحركة. كل أنواع التطريزات استعملت هنا، من الترصيع بأحجار الكريستال والزجاج واللؤلؤ إلى تطريزات الورود ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى الريش. بعض هذه الفساتين، تطلبت مهارة نحو 20 حرفية وآلاف الساعات لإنهائها بالمستوى المطلوب.
مثل إيلي صعب وجيورجيو أرماني وغيرهما، تعرف تمارا رالف ومايكل روسو بأن الموسم قد يكون خاصا بأزياء الـ«هوت كوتير» وأجمل المناسبات، لكن لا بأس من بعض الإكسسوارات لإكمال الصورة، لهذا قدما مجموعة من حقائب يد مع أحذية وقبعات رأس يُمكن أن تُدخل شريحة أوسع، نادي ال«هوت كوتير» النخبوي.
إذا كان الأغلبية هربوا من الواقع إلى الماضي، القريب والبعيد، فإن جون بول غوتييه، فضل الهروب إلى الطبيعة، من خلال تشكيلة لعبت فيها الألوان دورا مهما، بدءا من الأخضر الغامق إلى البني المستوحى من الأخشاب. لم يكن العرض مسرحيًا كعهدنا به ولا بشقاوة أيام زمان، بل كان هادئا ركز فيه على الأزياء أولا وأخيرا، والتصاميم التي تحتفل بمقاييس أنثوية للمرأة، بتركيزه على تحديد الخصر وإبراز منطقة الصدر. رغم أن كل ما قدمه يشي بحرفيته وخياله الخصب، فإن العرض افتقد حرارة أيام زمان عندما كان الحضور يخرجون وشعور بالنشوة يغمرهم.. النتيجة أن التشكيلة كانت متقنة وليس فيها ما يُعيبها، كما أنها ستروق حتمًا للطبقات الأوروبية البورجوازية، إلا أنها تفتقد إلى الإبهار وذلك العنصر الحيوي الذي يجعلها تتميز عما تم تقديمه طوال الأسبوع.
فشقي الموضة الفرنسية، كما يُلقب في أوساط الموضة، اكتوى بالأزمة منذ بضع سنوات، إلى حد أنه أوقف خطه الخاص بالأزياء الجاهزة مُبقيًا على خط الـ«هوت كوتير» فقط. وربما هذا ما جعلنا نتوقع أن يُقدم أفكارا جديدة وجريئة في الوقت ذاته، لكن العكس حدث، حيث ركز على ما يُتقنه ويعرفه جيدًا، وكأنه خائف أن يخض المتعارف عليه ويفقد زبوناته المخلصات، لا سيما وأن استقطاب زبونات جديدات ليس مضمونًا مائة في المائة في ظل الأوضاع الحالية. المؤسف أن اسم جون بول غوتييه مترسخ في الذهن على أنه مصمم شقي يميل إلى تكسير التابوهات، لهذا فإن ما قدمه مؤخرًا يشير إلى أنه، بعد أكثر من 35 عامًا من الجرأة، أصبح يتوخى السلامة، وهو ما يمكن أن يقتل الإبداع على المدى البعيد.
جيامباتيستا فالي، مثل جون بول غوتييه، احتمى بالطبيعة، لكنه على العكس من غوتييه قدم جديدًا واختار حديقة غناء تتفتح فيها الورود بشتى الألوان، وتنسدل على الجسم بخفة وخطوط تلعب على دراما من نوع خفي وهادئ. إلى جانب الألوان والطبيعة، عاد المصمم إلى الأحجام التي يمكن القول إنها ماركته المسجلة، وخفف من مبالغاتها بطرحه فساتين «بايبي دول» وأخرى مستوحاة من الخمسينات بأكمام منفوخة. في البداية قدم مجموعة باللون الأبيض تعبق بالأنوثة رغم إيحاءاتها التجريدية، سرعان ما تطورت إلى فساتين طويلة من الحرير وأخرى من الموسلين بكشاكش وأكمام وكأنها بالونات أحيانًا، بألوان الأبيض، والأسود، والأزرق السماوي مع زخات من الأحمر. استعمل أيضًا الفرو، بعد أن جعله بخفة وملمس الحرير وطرزه بسخاء. بيد أن ما نجح فيه المصمم فالي أنه مزج إيحاءات تاريخية بتفاصيل عصرية منحت كل قطعة تفردًا وفنية تروق لزبوناته الشابات. وحتى يُذكرهن بالسبب الذي جعلهن يعشقن تصاميمه منذ بدايته، أنهى عرضه بثلاث فساتين ضخمة لعب فيها على الدراما والأحجام اللافتة.



الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.