موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

اللغة وعاء العالم ومأوى الوجود ولا إدراك خارجها

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي
TT

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

موسوعة «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب.. والوعي بالتغير الدلالي

لا يخفى على أحد، أن اللغة محدد أساسي في إنسانية الإنسان. فهي خاصية بشرية بامتياز، لا ترقى إليها بقية الحيوانات، وإن تواصلت بأعلى المستويات الغريزية، كالنمل بإفرازاته الكيميائية، والنحل برقصاته المعلنة عن مكان وجود الطعام، أو تلك الأصوات التي تلفظها الحيوانات للإخبار بالفزع أو التزاوج. فالإنسان له لغة متمفصلة، كما يقول عالم اللسانيات «بنفينيست». فالحروف الأبجدية مثلا، تمكن الإنسان من صناعة كلمة وجملة وفقرة ونص وكتاب ومجلدات.. وهذا ما يعجز عنه الحيوان. فالإنسان قادر على تشكيل الألفاظ بحسب الحاجة والمتغيرات، وما تنامي المعاجم إلا دليل ذلك.
لكن الخطير في اللغة، باعتبارها علامات وصور منطوقة أو مكتوبة، هو قدرتها على اختصار العالم وضمه في الذهن. وهذا عمل اقتصادي يلم شمل الجزئيات المتناثرة هنا وهناك في هذا الكون الفسيح. فماذا سيكون مصير الإنسان في غياب اللغة؟ من المؤكد أنه سيكون صورا حسية مشتتة لا ضابط لها ولا جامع يمكن الإنسان منها. فعندما أقول لك في غرفة مغلقة لفظة قمر، فأنا لا أحضر هذا القمر الملموس الخارجي الموضوعي، بل أختزل معناه في كلمة تسعفني وتغنيني عن الموضوع. فاللغة تحضر لي العالم كله وتختزله لي في ذهني. وكم يعتبر الأمر مثيرا وعجيبا وملغزا، إذ يكفي أن نتفق على إعطاء اسم لغوي لموضوع معين وسط جماعة معينة، لننسى نهائيا هذا الواقع، ونكتفي بالرموز فقط. وهذا اقتصاد شديد، فغياب اللغة يعني الدخول في بعثرة كاملة تفضي إلى غياب التواصل.
إن عقلنا البشري لا يستطيع فهم العالم بمعزل عن اللغة، فهي عدته وأداته الأساس. ولا يكتفي العقل بالتسميات المفردة اللصيقة بالمحسوس، بل يتجه صوب المجردات لمزيد من الجمع والضم، كي يسهل التعامل مع الواقع. فلفظة إنسان، تضم زيدا وعمرا ومحمدا وفاطمة.. وهي أشمل وأعم. إنها الكل والتعريف، إنها الاختصار الأكبر. ويقال الشيء نفسه عن لفظة حيوان ولفظة حشرة وغير ذلك. فعقلنا يسعى بواسطة اللغة، سواء في بعدها الملموس أو المجرد، إلى التجميع والترتيب، واختزال العالم في قوالب لغوية جامعة، تسهل الفهم والإدراك، وتبعد الغموض، وتمكن من التواصل الأحسن. إذن اللغة وعاء العالم ومأوى الوجود، ولا إدراك خارج اللغة.
أصول الفقه والتغير الدلالي
مع مرور القرون والتجارب والخبرات، نجد أن اللفظ الموضوع أولا، تعلق به معان تكون مختلفة، أحيانا، عن الأصل، فيصبح مشحونا بدلالات ومعان كأنها طبقات فوق طبقات، تشوش كل طبقة منها على الأخرى، فتظهر مشكلات في المعنى. ونجد أنفسنا نردد الألفاظ نفسها، لكن ليس بالدلالة نفسها. وتكون انعكاسات ذلك وخيمة على التواصل السليم. هذا الأمر المرتبط بالتغير الدلالي للألفاظ، بحسب التخصصات وبحسب مرور الزمن، تنبه له المسلمون بقوة. ويكفي التنبيه إلى علم أصول الفقه، وهو علم يزود الفقيه بالأدوات والخطة والمنهج اللازم لاستنباط الأحكام الشرعية، خاصة التكليفية منها، والأمر عندهم كان معقدا، والجري وراء إيقاف نزيف المعنى وسيولته كان أمرا ملحا. فاللفظ المتعامل معه مأخوذ من الوحي، والتعامل مع مراد الشارع محفوف بالمخاطر. وترك المعنى منفلتا من دون قيود، سيضرب الأحكام الربانية في الصميم. ما جعل الأصوليين يتعاملون بجدية منقطعة النظير مع مسألة الدلالة وتغيرها. فقدموا في ذلك أعمالا فذة، لكي لا تكون الفوضى في استخراج المعنى من النص الشرعي، الذي يحتاج إلى الحذر والتريث والتؤدة، خشية الانزلاق في مطب التقول على الله بما يخالف قصده. فقام الأصوليون بوضع قواعد لفهم النصوص، وسنوا ضوابط تسمح للفقيه بالسير في درب أكثر أمانا، وهو يستخرج الأحكام من النص. وعولوا في ﺫلك بالأساس، على الفهم العربي، أي على معهود العرب في التداول. وأول ما قاموا به هو تحرير الألفاظ، حيث نجدهم يتحدثون عن اللفظ من حيث وضوحه (الظاهر – النص – المفسر - المحكم). وعن اللفظ من حيث عدم وضوحه (الخفي – المشكل – المجمل – المتشابه - المؤول). وعن اللفظ من حيث ضيق معناه أو اتساع معناه (الخاص والعام). وعن اللفظ من حيث الإطلاق والتقييد. وكذلك تحدث الأصوليون عن اللفظ كصيغ للتكليف، (الأمر والنهي).. إلى غير ذلك مما يعلمه أهل الاختصاص. ولنأخذ على ذلك مثال الصلاة، فهي على الأقل، تحتوي على ثلاث طبقات من المعاني عند الأصوليين. فنجد المعنى اللغوي، أي الدعاء، والمعنى الشرعي، أي الصلاة، كما جاءت بها التعاليم الإسلامية، والصلاة بالمعنى العرفي. وعلى هذا المنوال اشتغل علماء أصول الفقه، لإيقاف نزيف المعنى.
هذا العمق في استيعاب التغيرات الدلالية، سيزداد حدة مع التلاقحات الإسلامية بالحضارات الأخرى (سريانية وفارسية ويونانية..)، إلى درجة أنه كان من الطبيعي أن تبدأ عملية وضع معاجم متخصصة لضبط هذا السيل من الكلمات التي تحتاج إلى تفسير. وما كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، والتعريفات للجرجاني، ومفاتيح العلوم للخوارزمي، إلا أمثلة على ذلك. وسنقف عند هذا الكتاب الأخير لإبراز العمل العملاق الذي أنجزه المسلمون بخصوص اللغة.
«مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب
نشير بداية، إلى أن الخوارزمي المقصود هنا، ليس أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي، المتوفى سنة (232-847م) الرياضي الشهير، بل هو محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب البلخي الخوارزمي، المتوفى سنة (387-997م)، صاحب كتاب «مفاتيح العلوم».
يعد الكتاب الذي سنعتمد فيه على طبعة «دار المناهل»، لبنان، ط1. 2008، المصحوبة بتصدير ودراسة الدكتور عبد الأمير الأعسم، من أنفس المصادر في تاريخ العلوم. وظهوره إلى الوجود كان جوابا عن الكثير من الأسئلة العالقة في سؤال العلم عند العرب، خاصة فيما يتعلق بالمصطلح خلال القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، وذلك من حيث نحته أو استيراده من لغات أخرى، وإقحامه في بنية العربية بشكل ملائم. ناهيك على أن الكتاب يقف عند مسألة التغير الدلالي بحسب الحقول العلميّة. فاللفظة نفسها، تأخذ معاني مختلفة. والمفاهيم وهي تسافر، تعلق بها شحنات جديدة من الدلالات. وهذا ما سيضرب عليه الخوارزمي الكاتب، الكثير من الأمثلة في مقدمة كتابه. وهذا يدل على نضج عال في تلك الحقبة من تاريخ البشرية، فيما يخص المنهج، مثير للدهشة بحق. فالكتاب موسوعة لغوية شاملة للعلوم، سواء الشرعية أو الدخيلة. فهو يجمع كل المعجم الخاص بكل علم، ويقسمه إلى أبواب، هي: الفقه، والكلام، والنحو، والكتابة، والشعر، والأخبار، والفلسفة، والطب، والرياضيات، والفلك، والحيل، والكيمياء.
لم يحظ كتاب «مفاتيح العلوم» باهتمام لائق من الباحثين العرب إلا نادرا. لكنه وجد بالمقابل، صدى وتفصيلا في الدراسة من طرف المستشرقين، على نحو يثير الإعجاب. لقد قام الدكتور عبد الأمير الأعسم، بدراسة جعلها مقدمة لكتاب مفاتيح العلوم، واستنتج الأمر التالي: إنه شخصيا، كان له موقف صارم من الاستشراق الآيديولوجي. أما هذه المرة، خاصة مع هذا الكتاب، فعلى العكس تماما، تشكلت في ذهنه تصورات إيجابية عن الاستشراق العلمي، الذي أنجز الكثير في تاريخ العلوم عند العرب. فخلص إلى فكرة مفادها أنه ليس كل ما هو قادم من الاستشراق سيئ أو مغرض.
ظهر كتاب «مفاتيح العلوم» للخوارزمي الكاتب، بنصه العربي ولأول مرة، في نشرة المستشرق الألماني فان فلوتن van vloten، سنة 1895، أي أواخر القرن التاسع عشر. وكان ذلك أمرا مدهشا لدى المستشرقين، نظرا لطريقة بنائه وطريقة تفصيلاته. لقد كان إعلانا بانفتاح البحث العلمي الجاد على دراسة المصطلحات التي ضمها الكتاب، خلال القرن الرابع الهجري، أي العاشر الميلادي.
استهل الخوارزمي كتابه بمقدمة بها وضوح في الرؤية. ويمكن أن نقف عند بعض محطاتها التي حاول من خلالها الخوارزمي توضيح عمله ومشروعه، وهي كالآتي:
يعلن الخوارزمي الكاتب أنه من الدواعي لكتابة هذا النموذج من الموسوعات اللغوية، تزويد الباحث بمفاتيح للعلوم، أي جمع كل المواضعات والاصطلاحات المسعفة خاصة للغوي. فهو يقول، بأن كتب علم اللغة تخلو من هذه المواضعات، حتى إن البارز من اللغويين، إذا نظر كتب بعض التخصصات، كان كالأمي الذي لا يفقه شيئا. ومن ثم قرر الخوارزمي تزويده بما يلزم لاختراق كل علم على حدة.
وبعد حديثه عن دواعي الكتابة، قام الخوارزمي بتقديم التفاتة رائعة حول التغير الدلالي من حقل إلى آخر. فاللفظة يكون لها معنى، لكن عندما تسافر إلى علم آخر، فإنها تكتسي دلالة جديدة وتشحن بمعان أخرى. ويضرب لذلك ثلاثة أمثلة:
لفظة الرجعة: وسيحصر لها الخوارزمي خمسة تغيرات في الدلالة وهي:
ا - عند أصحاب اللغة: المرة الواحدة من الرجوع. ويقول: وهم لا يكادون يعرفون غيرها.
ب - عند الفقهاء: الرجوع في الطلاق والذي ليس ببائن.
ج - عند المتكلمين: ما يزعمه بعض الشيعة من رجوع الإمام بعد موته أو غيبته.
د - عند الكتاب: حساب يرفعه المعطي في العسكر لطمع واحد «الأجير».
- عند أهل الفلك: سير الكواكب من الخمسة المتحيرة على خلاف نضد البروج.
لفظة الفك: وحصر لها أربعة تغيرات وهي:
ا - عند أصحاب اللغة والفقهاء: فك الأسير أو الرهن أو الرقبة، أو أحد الفكين وهما اللحيان.
ب - عند أصحاب العروض: إخراج جنس من الشعر من جنس آخر تجمعهما دائرة.
ج - عند الكتاب: أي كتاب الدواوين: الفك هو تصحيح اسم المرتزق في الجريدة السوداء، بعد أن كان وضع عنها.
لفظة الوتد: حصر لها ثلاثة تغيرات.
ا - عند اللغويين والمفسرين: أحد أوتاد البيت أو الجبل من قوله تعالى «والجبال أوتادا».
ب - عند أصحاب العروض: ثلاثة أحرف اثنان متحركان وثالث ساكن.
ج - عند المنجمين: الوتد هو أحد المنازل الأربعة في منطقة البروج وهي الطالع الغار.
يبدو بوضوح أن اللغة العربية قد أصبحت ألفاظها تحتوي على طبقات متعددة من المعاني، مما كان يجعل التواصل صعبا بين الناس. فهم نعم يتحدثون اللغة نفسها لكن بدلالات مختلفة حد التضارب. ومن ثم كانت ضرورة المعاجم المتخصصة، لكي يتمكن الباحث من الحصول على مفاتيح تسمح له باقتحام العلوم. وهذا ما فعله الخوارزمي الكاتب، بجمعه للمصطلحات الرائجة آنذاك، في كل صنوف المعارف، سواء في العلوم الشرعية أو ما سماه علوم العجم.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.