أولوية المرحلة: ترميم البيت السني

TT

أولوية المرحلة: ترميم البيت السني

هناك أزمة اعتراف تتسيد المشهد الفكري في العالم الإسلامي بأكثريته السنية تحديدًا، تتجلى في إنكار حالة التراجع والانقسام والتذرر التي يعيشها الإسلام السني منذ لحظة تثويره التي تعود إلى عصر النهضة كما يسمى، حين همّ محمد عبده بإصلاحه بدافع الاندماج في العالم الحديث الذي أبانه المستعمر المتفوق، إلا أن تلك المعالجة أنتجت إشكالية «التلفيق» لأغراض سياسية ساهمت في تضخم الشأن السياسي على الديني - باستثناء لحظة علي عبد الرازق التي لم تُوفَ حقها من الدرس. هذا التضخم مهد للحظة الانشقاق عن البيت السني، عبر نشوء الإسلام السياسي الذي حول ذلك التلفيق المفاهيمي إلى آيديولوجية رافضة معزولة عن سياقها الاجتماعي، باعتباره في قبضة الدولة القطرية الحديثة، وأخذت تتصاعد في الانفصال عن جسد الدولة إلى أن جاءت مرحلة العزلة الشعورية مع سيد قطب، ولم تكن عزلة أفراد «الجيل الفريد» عن المجتمع الجاهلي، بل كانت عزلة جماعات الإسلام السياسي بمفاهيمها وحركيتها ورموزها عن التأثر بالفضاء العام السياسي الذي تمسك بزمامه الدول والفضاء الديني الذي يمتد لتقاليد مدرسية ومفاهيمية محافظة جدًا فيما يخص الشأن السياسي، وحتى الاجتماعي. هذه المحافظة تم تصويرها على أنها تطرف وتشدد فقهي قابلته الجماعات بحملات واسعة لاختطاف الفضاء الديني، والظهور بشكل حداثي وما بعد حداثي، عبر استخدام أقانيم الإعلام وكثير من هيكلية وتراتبيات مستوردة من آيديولوجيات صاعدة مجاورة لها، وأبرزها الماركسية والقومية، لكن تم تقديمها بمضامين وشعارات دينية (العمليات الانتحارية التي استحالت استشهادية: مثال مهم على مستوى التكنيك والتعبئة).
مع انفجار حضور «داعش» وتمددها في المنطقة، بدأ القلق يسري حول حالة الاختطاف للفضاء الديني العام بعد سقوط الإسلام السياسي المهيمن عليه، وتراجع تأثير المؤسسات الدينية التقليدية، وبدأت أصوات تدعو إلى مؤتمرات للحوار بين المتنازعين، لا سيما على مستوى الطائفية، لكن السؤال عن جدوى مثل هذه المبادرات في ظل تصدعات البيت السني، التي لا يمكن لها أن تلتئم دون سنوات طويلة من استعادة «الإسلام المختطف»، ولا يمكن لفعاليات من هذا النوع التي تقترب من العلاقات العامة أن تؤتي ثمارها على الواقع دون أن تستقطب مرجعيات دينية غير رسمية، ممن لهم تأثير كبير في صياغة «الحالة الدينية» في المجتمعات العربية والإسلامية لأسباب كثيرة تعود إلى أنماط جديدة من التدين، كالتدين الشعبي والحركي والراديكالي والعنفي...إلخ. وكل نمط له أدواته ومقولاته ومرجعياته ونجومه، وإذا كانت هذه الملاحظات التي تطال هذه المؤتمرات صحيحة في الجملة، إلا أن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هو أن ثمة تغيرات كبرى في الخطابات الدينية الرسمية، لا سيما ذات الصبغة العالمية، التي تتأثر عادة بالأجواء السياسية العامة الضاغطة نحو خطاب ديني متسامح يمكنه التعايش مع العالم المتغير.
نحن بحاجة إلى تجاوز رصد الظواهر المرضية للخطاب الديني المعاصر، وعلى رأس ذلك تضخم السياسي على كل جوانب الحياة،، والانتقال إلى قراءة نقدية لجذور العطل في بنية الخطاب الذي أعاد إنتاج مفاهيم الإسلام بطريقة انتقائية توائم متغيرات الواقع السياسي، وفق رؤية صدامية آيديولوجية تستمد جذوتها من شعارات طوباوية تدعي قيادة الأمة، وتزعم التحكم في مصائرها، مع أنها لا تملك أحقية تمثيل الخطابات الدينية الأخرى المنافسة لها، فضلاً عن وهم امتلاك الحقيقة للحديث باسم المجتمعات والدول وفق رؤيتها الضيقة للعالم، بعد أن كانت المؤسسات الدينية صمام أمان مجتمعي فيما يخص علاقتها بالدولة أو بالمجتمع أو بالتعايش مع المستجدات والنوازل، رغم طابعها المحافظ في مسائل السلوك والتعبد.
الخطاب الديني المعاصر هو خطاب حديث من جهة تناوله للمسائل المعاصرة، وإن كان يستمد نتائجه من خلال الاعتماد على النصوص الدينية عبر آليات القياس وإلحاق المعاصر بوقائع قديمة، مع إلغاء الفوارق الزمانية الضخمة. والأهم من ذلك أن هذه الخطابات لا تمتلك حالة توافقية، أو أي إجماع، فهي منذ لحظة الاصطدام بالواقع الجديد مع سقوط الخلافة العثمانية وهي تعيش أشكالاً من التذرر والانشطار لمحاولة التكيف مع المستجدات التي يفرزها الواقع، من دون مساءلة للمقولات الأساسية التي اكتسبت هذه الجماعات كينونتها عبرها.
نعم لتجديد الخطاب الديني، فهو أمر مهم وحاسم حتى في كثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن الأهم هو تجديد أدوات القراءة والشرائح المستهدفة ومصادر التلقي، عبر فتح كل الملفات العالقة والحساسة حتى لا ندور في حلقة مفرغة.
دور الخطاب الديني المعتدل غائب في هذه المرحلة، والمضامين السياسية التي يطرحها شباب اليوم هي مضامين برافعات دينية تحتاج إلى إنتاج خطاب ديني معتدل أكثر من «وعي سياسي»، لا سيما أن دخول تيارات متطرفة كانت منحازة إلى خطابات «القاعدة» والإرهاب من بوابة السياسة زاد المسألة تعقيدا والتباسا، إلى أن وصلنا إلى وقت احتلت خطابات «داعش» المشهد، ليس برافعة دينية، وإنما بسبب الأمر الواقع وفرض قوتها العسكرية لقبول خطابها وسلوكها المنحرف والتبرير له.
لدى الإسلاميين بشتى أصنافهم فرصة ذهبية، متى ما استطاعوا إعادة النظر في حالة التمرد على مفهوم وشكل وأنماط الدولة الحديثة، بما تعنيه من مفهوم المواطنة للجميع والتعددية والاندماج في السياق المجتمعي العام وإعادة فهم الإسلام كهوية مشتركة، وليست طاردة أو منكفئة على نفسها. قد يحتاج هذا التحول إلى عقود، كما هو الحال في الوقت الذي استنفده الإسلامويون في ابتلاع «الديمقراطية» دون هضمها بشكل جيد. إعادة الشرعية المسلوبة إلى المؤسسات الدينية المعتدلة، وضخ دماء جديدة في الجسد الفقهي غير المسيس سيكون كفيلا بخلق توازن كبير في مجتمعات تعيش حالة من الفوضى الفكرية، كما أن الإنجاز على مستوى التنمية بمعناها الشامل سيخفف عبء ووطأة السياسي على كل ما هو اقتصادي واجتماعي، ومن دون خطوات عميقة للإصلاح الديني وترميم البيت السني، لا سيما في المفاهيم المتصلة بالفضاء العام، فإننا سنراوح مكاننا فيما يخص مواجهة الإرهاب والتطرف الذي يعيش عصره الذهبي هذه الأيام.
[email protected]



هل خسر ميسي تعاطف المصريين بعد إقصاء منتخبهم في مباراة مثيرة للجدل؟

مصريون يتخلون عن تشجيع ميسي في كأس العالم (رويترز)
مصريون يتخلون عن تشجيع ميسي في كأس العالم (رويترز)
TT

هل خسر ميسي تعاطف المصريين بعد إقصاء منتخبهم في مباراة مثيرة للجدل؟

مصريون يتخلون عن تشجيع ميسي في كأس العالم (رويترز)
مصريون يتخلون عن تشجيع ميسي في كأس العالم (رويترز)

لطالما احتلت صورة النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي مساحة بارزة من غرفة محمود أحمد شتا الذي يسكن بمدينة «كفر البطيخ» بمحافظة دمياط، (شمال مصر)، كما كانت أكياس البطاطس و«السناكس» التي تحمل صوره هي الخيار الأول للفتى الذي يبلغ من العمر 18 عاماً، لكن كل ذلك تغيّر بين يوم وليلة.

بمجرد أن أطلق الحكم الفرنسي فرنسوا ليتكسييه صفارة نهاية مباراة مصر والأرجنتين في الدور الـ16 بكأس العالم، حتى أزاح محمود الصورة وأفرغ الأكياس في صندوق القمامة، ولسان حاله يقول وهو في منتهى الغضب: «هذا فراق بيني وبينك يا من كنت حبيبي!» .

هذا الموقف لم يكن حالة فردية تخص محمود، لكنه يعبّر عن قطاع واسع من الجمهور المصري، يقول محمود لـ«الشرق الأوسط»: «بعد أن كنت (ميسي) تسكن قلوبنا أيقونة للفرح والسعادة، أصبحت مرادفاً لأسوأ ذكرياتنا، لذلك لن تحظى بهتاف حناجرنا في ليلتك المقبلة».

تشكل تلك الكلمات العنوان العريض لتحول لافت ومباغت في موقف مشجعين مصريين من أسطورة كرة القدم الشهير، على خلفية مباراة بلاده أمام المنتخب المصري في بطولة كأس العالم التي انتهت بهزيمة الأخير 2 - 3 في مباراة دراماتيكية مثيرة للجدل.

لقطة من المباراة المثيرة بين الأرجنتين ومصر في كأس العالم (أ.ف.ب)

وتحول ميسي عبر منشورات بعض المصريين في الساعات القليلة الماضية من «ساحر المستطيل الأخضر» و«الفتى الذهبي الذي يأمر ويطاع» إلى «لاعب يقبل بالظلم إذا كان لمصلحته»، و«الابن العاق الذي تنكر للجميل»، حسب تعبيرات مزجت الغضب بالسخرية.

ويعتقد مصريون أن منتخبهم تعرض لـ«ظلم تحكيمي فادح» في مباراته أمام منتخب «التانغو»، وأن ميسي مارس دوراً «غير أخلاقي» في هذا السياق، حيث قام بـ«ترهيب» الحكم الفرنسي، فما كان من الأخير إلا أن ظلم منتخب «الفراعنة» عبر إلغاء هدف اللاعب مصطفى زيكو، وعدم احتساب ضربة جزاء لمحمد صلاح.

وعدّ الناقد الرياضي محمد البرمي المشاعر السلبية التي يكنها كثير من المصريين تجاه ميسي ومنتخب الأرجنتين عموماً «سلوكاً منطقياً لدى جماهير تفكر بعاطفتها وعلى نحو انفعالي، خصوصاً أن الأمر يصاحبه إحساس عارم بالغضب من أداء الحكم».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الموقف السلبي ربما يتغير في المستقبل مع تراجع حملات الشحن والغضب على منصات التواصل الاجتماعي، وعبر وسائل الإعلام ».

مصريون يعلنون تشجيعهم النجم البريطاني هاري كين ضد ميسي (أ.ف.ب)

وكان لافتاً أن التحول من «النقيض إلى النقيض» في بوصلة التشجيع من جانب المصريين إزاء نجم الأرجنتين حمل مفارقة مدهشة، فقد اعتاد كثير من المشجعين المصريين النأي بأنفسهم عن تشجيع منتخب إنجلترا بحجة إرث «الاستعمار الإنجليزي لمصر ونهب ثروات الشعوب»، لكنّ كثيرين أعلنوا أنهم سوف يتغاضون عن هذا الموقف الذي يمزج الرياضة بالسياسة والتاريخ في مباراة هاري كين أمام الأرجنتين.

وعلّق أحدهم قائلاً في هذا السياق: «خلال التسعين دقيقة سأشجع إنجلترا، مجبرٌ لا بطل». وأضاف آخر: «يبدو أن الأرجنتين نجحت في تحقيق ما لم ينجح فيه التاريخ وجعلتني أنسى مؤقتاً الاحتلال البريطاني لمصر ونهب الثروات وسرقة الآثار». وعقّب ثالث: «مبروك للأرجنتين.. لقد جعلت الإنجليز يبدون لمدة 90 دقيقة فقط الخيار الأقل استفزازاً».

ويرى الناقد الرياضي أشرف محمود أن «ميسي خسر حباً غير مشروط من جمهور ذواقة يعشق اللعبة الحلوة، لكن الشعور بالظلم قادر على تحويل العشق إلى عداء»، على حد تعبيره. وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «غضب قطاع واسع من الجمهور المصري يعود إلى إحساسه العارم بأن نجمهم العالمي المحبوب لم يلتزم بقواعد اللعب النظيف». وفق وصفه.


البلجيكي تروسارد من آرسنال إلى بشيكتاش

الجناح الدولي البلجيكي لياندرو تروسارد (أ.ف.ب)
الجناح الدولي البلجيكي لياندرو تروسارد (أ.ف.ب)
TT

البلجيكي تروسارد من آرسنال إلى بشيكتاش

الجناح الدولي البلجيكي لياندرو تروسارد (أ.ف.ب)
الجناح الدولي البلجيكي لياندرو تروسارد (أ.ف.ب)

انتقل الجناح الدولي البلجيكي لياندرو تروسارد، المتوج الموسم الماضي مع آرسنال بلقب الدوري الإنجليزي لكرة القدم إضافة لوصوله إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، إلى بشيكتاش التركي بعد ثلاثة أعوام ونصف مع النادي اللندني، وفق ما أعلن الأخير.

وبعد مشوار سجل خلاله 36 هدفاً مع 34 تمريرة حاسمة في 174 مباراة، حصل اللاعب البلجيكي البالغ 31 عاماً على «إذن للسفر إلى إسطنبول من أجل الخضوع للفحص الطبي واستكمال الإجراءات الإدارية الخاصة بانتقاله»، بحسب ما جاء في بيان آرسنال.

وفي حين أعلن آرسنال توصله إلى «اتفاق بشأن قيمة الصفقة» مع بشيكتاش، نشر النادي التركي عبر منصة «إكس» صورة لرئيسه سردال أدالي إلى جانب اللاعب البلجيكي في مطار إسطنبول.

ويسعى بشيكتاش إلى استعادة لقب الدوري التركي الذي أحرزه للمرة الأخيرة عام 2021، ومن أجل ذلك عزز صفوفه مطلع يونيو (حزيران) بالتعاقد مع المدرب الإيطالي فينتشنزو إيتاليانو.

وبرز تروسارد، القادم من مشاركة موفقة مع بلجيكا في مونديال 2026 حيث وصل «الشياطين الحمر» إلى ربع النهائي في مشوار سجل خلاله هدفين، بشكل لافت مع آرسنال في الأسابيع الأخيرة من الموسم المنصرم الذي انتهى بإحراز الفريق اللندني لقب الدوري الممتاز للمرة الأولى منذ 2004.

وسجل الجناح الأعسر القصير القامة (1.72 م) هدف الفوز لآرسنال على أرض جاره وست هام 1-0 في المرحلة السادسة والثلاثين، مانحاً «المدفعجية» أفضلية خمس نقاط أمام مانشستر سيتي.

وبعد أيام قليلة، صنع هدفاً للألماني كاي هافيرتز في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان الفرنسي الذي احتفظ باللقب القاري عبر ركلات الترجيح بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل 1-1، في أول نهائي للنادي اللندني في المسابقة منذ 2006.


4 نجوم صاعدين سطعوا في كأس العالم 2026

يوهان مانزامبي وفرحة فوز سويسرا على البوسنة والهرسك بعد تقديمه أداء رائع (رويترز)
يوهان مانزامبي وفرحة فوز سويسرا على البوسنة والهرسك بعد تقديمه أداء رائع (رويترز)
TT

4 نجوم صاعدين سطعوا في كأس العالم 2026

يوهان مانزامبي وفرحة فوز سويسرا على البوسنة والهرسك بعد تقديمه أداء رائع (رويترز)
يوهان مانزامبي وفرحة فوز سويسرا على البوسنة والهرسك بعد تقديمه أداء رائع (رويترز)

في كل بطولة كأس عالم، يبرز عدد من اللاعبين الصاعدين المميزين؛ ففي عام 2010، سطع نجم لاعبين مثل أليكسيس سانشيز، ومسعود أوزيل، ولويس سواريز. وفي عام 2014، أصبح خاميس رودريغيز اسماً لامعاً بعد أن قاد كولومبيا إلى ربع نهائي كأس العالم لأول مرة في تاريخها.

وشهدت البطولتان الأخيرتان تألق بنجامين بافارد (فرنسا)، وهيرفينغ لوزانو (المكسيك)، وإنزو فرنانديز (الأرجنتين)، وعز الدين أوناحي (المغرب)، وغيرهم. ولا يعني بروز نجم خلال كأس العالم بالضرورة، ضمان تألقه في المستقبل. ويُعدّ لوزانو وأوناحي أبرز مثالين على لاعبين قدّموا عروضاً مبهرة في كأس العالم، وواصلوا مسيرتهم الكروية بنجاح، لكنهم لم يخطفوا الأنظار هذه المرة كما فعلوا في عامي 2018 و2022 على التوالي.

وينطبق الأمر نفسه على رودريغيز، الذي قدّم موسماً أول رائعاً مع ريال مدريد في 2014 - 2015، لكنّ مسيرته اللاحقة تأثرت كثيراً بالإصابات وتذبذب الأداء. وبالطبع، هناك أيضاً لاعب مثل لويس سواريز، الذي أصبح لاحقاً أحد أفضل لاعبي العقد الماضي في ليفربول ثم برشلونة.

وربما لم تشهد بطولة كأس العالم 2026 عروضاً مبهرة من النجوم الصاعدين بالشكل الذي رأيناه في البطولات السابقة. بدلاً من ذلك، كانت السمة الأبرز هي تألق عدد من النجوم اللامعين بالفعل - ليونيل ميسي، وكيليان مبابي، وإيرلينغ هالاند - الذين يلعبون بمستويات عالية جداً. ومع ذلك، فقد رأينا، حسب موقع «إي إس بي إن» بعض المواهب التي أثارت دهشة البعض بما قدّمته:

ديوماندي أظهر إمكاناته ليصبح مهاجماً من الطراز الرفيع (رويترز)

يان ديوماندي:جناح أيسر لايبزيغ (ساحل العاج)

قد يرى البعض أنه غير مناسب للوجود ضمن هذه القائمة؛ ففي موسم 2025 - 2026، عندما كان عمره 18 عاماً، سجّل 20 هدفاً وصنع 20 تمريرة حاسمة في الدوري الألماني الممتاز مع لايبزيغ الذي أنهى الموسم في المركز الثالث بـ«البوندسليغا». وحتى في دوري يُتيح للمواهب الهجومية التألق، نادراً ما يُقدّم اللاعبون الشباب الصاعدون مثل هذا الأداء المبهر، وقد استحقّ بجدارة المشاركة في كأس العالم وسط ترقب كبير لما سيقدمه في المونديال. مع ذلك، بالنسبة لمن شاهد ديوماندي لأول مرة، فقد أظهر إمكاناته ليصبح مهاجماً من الطراز الرفيع. وتكمن أهمّ مميزاته في أنه قد يكون بالفعل من أكثر المراوغين إثارة في كرة القدم الأوروبية، كما يتمتّع بانطلاقات مذهلة، وقوة بدنية هائلة، رغم أنه لا يزال في التاسعة عشرة من عمره. أضف إلى ذلك براعته في اللعب بكلتا قدميه، وهو ما يعني أنه خصم عنيد لأيّ مُدافع.

وبحسب محللي شركة «أوبتا» للإحصائيات، فإن النجم الفرنسي كيليان مبابي هو الوحيد الذي صنع فرصاً أكثر من ديوماندي في كأس العالم من خلال المراوغة (9 فرص لمبابي مقابل 8 لديوماندي)، علماً بأن النجم الفرنسي خاض 3 مباريات إضافية. كان أفضل مثال على قدرات ديوماندي في مباراة كوت ديفوار الافتتاحية بدور المجموعات ضد الإكوادور في فيلادلفيا، فقد شاهدنا مهاراته الرائعة في المراوغة وصناعة الفرص، بما في ذلك تمريرته الرائعة إلى إيلي واهي في الشوط الأول. عندما كان ديوماندي متمركزاً على الجناح الأيمن، أرهق مدافع آرسنال بييرو هينكابي بتغييراته المستمرة في السرعة. وفي وقت لاحق من الشوط الثاني، انتقل إلى مركز الجناح الأيسر ليصبح أكثر شراسة في التسديد. ولم يرتقِ أداء ديوماندي في المباريات اللاحقة قبل خروج كوت ديفوار أمام النرويج في دور الـ32 إلى مستوى أدائه المذهل في مباراته الأولى، مع أنه قدّم بعض اللمحات الاستثنائية. لكن من غير المستغرب أن يسعى نادٍ كبير مثل باريس سان جيرمان لضمه هذا الصيف. وبالنظر إلى تطوره المستمر، لن يكون مفاجئاً أن يُنظر إلى ديوماندي بحلول عام 2030، بوصفه واحداً من أفضل لاعبي العالم.

رأسية الأمريكي أليكس فريمان تهز الشباك الأسترالية (أ.ب)

أليكس فريمان:مدافع فياريال (الولايات المتحدة)

خلال مبارياته الأربع الأولى في كأس العالم 2026، ظهر المنتخب الأميركي بمستوى جيد دون أي ثغرات تُذكر. لقد حقق انتصارات مقنعة على باراغواي وأستراليا في دور المجموعات، قبل أن يتغلب على البوسنة والهرسك بهدفين دون رد في دور الـ32. وحتى مع الأخذ في الحسبان قوة المنافسين، يمكن القول إنها كانت أفضل سلسلة مباريات قدمها المنتخب الأميركي. إن ما جعل المنتخب الأميركي يبدو أفضل من المتوقع هو استغلاله الأمثل لنقاط قوته؛ فقد شغل سيرجينو ديست وأنتوني روبنسون مراكز متقدمة بوصفهما ظهيرين متقدمين لتشكيل خطورة على الخصم. كما ركز المنتخب الأميركي على الهجوم المباشر من خلال انطلاقات ويستون ماكيني ومالك تيلمان عبر خط الوسط. وقد ساعده هذان العاملان في اختراق دفاعات الخصم في منتصف الملعب بنجاح.

ولإنجاح هذه الاستراتيجية، احتاج المنتخب الأميركي إلى مدافع قادر على اللعب في أكثر من مركز، وقادر على تقديم الدعم اللازم في مناطق مختلفة، وقد كان فريمان هو الخيار الأمثل لذلك. وكان يلعب غالباً مدافعاً ثالثاً في قلب خط الدفاع على الجهة اليمنى، لكنه كان يتمتع بالمرونة اللازمة للتقدم للأمام عندما تكون الكرة بحوزة المنتخب الأميركي في الثلث الأخير من الملعب. ومن التمريرات الرائعة التي شاهدناها طوال مشوار المنتخب الأميركي في كأس العالم؛ تمريرة فريمان لماكيني وهو ينطلق على الجانب الأيمن نحو المساحة الخالية. وتصدّر فريمان قائمة المدافعين الأكثر تمريراً للأمام برصيد 28 تمريرة.

ويُعدّ فريمان أيضاً من نوعية المدافعين الذين يغطّون مساحات واسعة من الملعب، وهو ما يُساعد في تصحيح الأخطاء بمختلف مناطق الملعب. وشمل ذلك تغطية المساحات على الأطراف والدفاع في المواجهات الفردية عند الحاجة. كما تطلّب الأمر منه في بعض المواقف، القيام بتدخلات حاسمة لإبعاد فرص محققة. بالطبع، لم تستمرّ هذه العروض الجيدة للمنتخب الأميركي، حيث مُني بهزيمة ثقيلة بنتيجة 4 أهداف مقابل هدف وحيد أمام بلجيكا. وأثارت هذه الخسارة (خصوصاً أنّ المنتخب الحالي لبلجيكا كان الأضعف منذ أكثر من عقد) نقاشاً حول قوة المنتخب الأميركي، بما في ذلك عدم وجود عدد كافٍ من النجوم الصاعدة. لكن إذا كان هناك لاعبٌ قادرٌ على رفع رأسه عالياً رغم هذه النتيجة، فهو فريمان. صحيحٌ أنّ احتمالات أن يصبح أحد النجوم الذين يحتاجهم المنتخب الأميركي بحلول عام 2030 ضئيلة، فإنّه أظهر في هذه البطولة مؤشرات على أنه مدافع متكامل من الطراز الرفيع.

يوهان مانزامبي:صانع ألعاب فرايبورغ (سويسرا)

كان متابعو الدوري الألماني الممتاز على دراية بتألق مانزامبي مع فرايبورغ. ورغم انضمامه إلى الفريق الأول في أواخر موسم 2024 - 2025، فإن الموسم الماضي شهد تألقه الحقيقي في كرة القدم الألمانية. لقد أحرز 9 أهداف ولعب أكثر من 2000 دقيقة، وهو إنجاز جيد للاعب يُصنف عادةً بأنه لاعب خط وسط شامل. إضافةً إلى ذلك، فإن قدرته على قطع مسافات طويلة بفضل تحركاته الهجومية المتقدمة جعلته لاعباً واعداً. ومقارنةً بلاعبين آخرين في هذه القائمة، لم يُشارك مانزامبي كثيراً في كأس العالم 2026. فقد بدأ أساسياً في مباراتين فقط من أصل 5 مباريات لسويسرا، ضد كندا والجزائر في دور الـ32، ثم تعرض لإصابة لاحقاً في البطولة. وقد يُعاني مانزامبي من قلة التركيز في ثلث ملعبه الدفاعي، بالإضافة إلى عدم التناغم التام مع زملائه عند الضغط.

ومع ذلك، يُمكن القول إنه كان يستحق أن يكون أساسياً منذ البداية. فقد سجّل 3 أهداف وقدّم تمريرتين حاسمتين في 4 مباريات، وبينما سجّل هدفين بوصفه بديلاً أمام البوسنة والهرسك، سجّل هدفاً وقدّم تمريرة حاسمة أمام كندا، بالإضافة إلى تمريرة حاسمة أمام الجزائر. ويأتي مانزامبي ضمن أفضل 50 لاعباً في عدد المراوغات الهجومية في البطولة. وقد منحت مراوغته الفردية وتمريرته الحاسمة أمام الجزائر في بداية الشوط الأول الأفضلية لسويسرا، التي حافظت على تقدمها حتى النهاية.

ويتمتع مانزامبي بنقاط قوة أخرى إلى جانب مهارته الفائقة في المراوغة؛ فقد أظهر قدرةً على اللعب خلف بريل إمبولو عندما يكون المهاجم السويسري مُديراً ظهره إلى المرمى. كما أظهر مانزامبي قدرته على استغلال المساحات من مناطق أبعد إذا ركّز الخصم على إمبولو. وأسهم اللاعبان في تسجيل الهدف الثاني لسويسرا في فوزها على كندا بهدفين مقابل هدف وحيد، حيث نجح إمبولو في إبعاد المدافعين عن تمركزهم الصحيح، ومرر الكرة إلى مانزامبي داخل منطقة الجزاء. وأظهر مانزامبي لمحات رائعة خلال كأس العالم بفضل قدرته على بناء الهجمات واختراقاته الرائعة لمنطقة الجزاء. ويُثار بعض التساؤلات حول أدائه؛ مثل مدى قدرته على تحسين تمريراته الأمامية وتأثيره الدفاعي. ومع ذلك، فإن اللمحات الرائعة التي أظهرها مع فرايبورغ وفي كأس العالم، كافية للاعتقاد بأنه قد يصبح لاعب خط وسط من الطراز الرفيع في المستقبل القريب.

غوستافو بويرتا (وسط) قاد كولومبيا لتقديم أداء جيد حتى توديع البطولة (أ.ب)

غوستافو بويرتا: لاعب خط وسط راسينغ سانتاندير (كولومبيا)

مثل الولايات المتحدة، قدمت كولومبيا أداءً جيداً في دور الـ32، وكانت لديها فرصة لترسيخ مكانتها بوصفها أحد المنافسين غير المتوقعين في هذه النسخة من كأس العالم. لم تستقبل كولومبيا سوى هدف واحد خلال المباريات الأربع، ورغم تسجيلها 5 أهداف فقط، فإنها سددت عدداً هائلاً من التسديدات (المركز الثالث في عدد التسديدات بالمباراة الواحدة، وفقاً لشركة «أوبتا» للإحصائيات)، وكان عدد كافٍ منها عالي الجودة (المركز الثالث عشر في عدد الأهداف المتوقعة غير الناتجة عن ركلات الجزاء في المباراة الواحدة). وأظهرت كولومبيا قدرتها على الاستحواذ على الكرة من خلال تبادل المراكز بسلاسة، وشن هجمات مباشرة بعد استخلاص الكرة بفضل خط وسطها القوي. واستخدمت كولومبيا أساليب لعب متنوعة لاختراق دفاعات الخصوم، بما في ذلك طريقة 3 - 1 - 6 الهجومية لاختراق الدفاعات المتكتلة (كما فعلت ضد غانا في دور الـ32). ورغم معاناتها في تسجيل الأهداف، فإن النتائج الإجمالية كانت في صالحها.

ولتحقيق ذلك، احتاجت كولومبيا إلى لاعبين قادرين على تقديم الدعم اللازم في مختلف المراكز. وأظهر بويرتا قدرته على القيام بأكثر من مهمة داخل المستطيل الأخضر، سواءً كان ذلك في قيادة الهجمات بين الخطوط أو في الانطلاق خلف المدافعين، بوصف ذلك جزءاً من خط الهجوم. وبحسب الأرقام والإحصائيات، لم يتفوق عليه سوى خوان فرناندو كوينتيرو في إجمالي التمريرات الحاسمة المتوقعة. وبرزت براعة بويرتا أيضاً في اللعب من دون كرة، حيث كان نشاطه عنصراً أساسياً في الحفاظ على صلابة دفاع الفريق. ولم يمارس أي لاعب كولومبي ضغطاً دفاعياً أو ضغطاً دفاعياً مباشراً أكثر من بويرتا. وهذا ليس مفاجئاً لمن تابعوه الموسم الماضي مع راسينغ سانتاندير، حيث مثّلت بطولة كأس العالم استمراراً للتطور الذي أظهره في إسبانيا. ولعلّ أفضل أداء له كان أمام غانا، حيث سيطر على مجريات المباراة، وكان بلا شك أفضل لاعب فيها.