المظاهرات تشتعل في ولايات عدة والشرطة تعتقل مئات المتظاهرين

دالاس: المحتجون يلقون زجاجات المولوتوف ضد الشرطة ويغلقون الطرق الرئيسية

استنفار أمني في شوارع دالاس بعد تهديدات بالاعتداء على مقار الشرطة أمس (إ.ب.أ)
استنفار أمني في شوارع دالاس بعد تهديدات بالاعتداء على مقار الشرطة أمس (إ.ب.أ)
TT

المظاهرات تشتعل في ولايات عدة والشرطة تعتقل مئات المتظاهرين

استنفار أمني في شوارع دالاس بعد تهديدات بالاعتداء على مقار الشرطة أمس (إ.ب.أ)
استنفار أمني في شوارع دالاس بعد تهديدات بالاعتداء على مقار الشرطة أمس (إ.ب.أ)

لليوم الثالث، استمرت مسيرات الآلاف من المتظاهرين في شوارع ومدن رئيسية في الولايات المتحدة مساء أول من أمس وصباح أمس احتجاجا على عنف الشرطة ضد الرجال السود ومقتل كلٍ من فيلاندو كاستيل في مدينة سان بول بولاية منيسوتا، وألتون ستيرلينغ في مدينة باتون روج بولاية لويزيانا. وأثار الحادثان التوترات العرقية التي اندلعت مرارا في مختلف أنحاء البلاد منذ عام 2014 في أعقاب مقتل مايكل براون، وهو مراهق أسود غير مسلح على يد ضابط شرطة أبيض في فيرجسون بولاية ميزوري. شهدت بعض المسيرات الاحتجاجية تصاعد التوترات واندلاع أحداث عنف، وأغلقت الاحتجاجات طرقا رئيسية في عدد من المدن الأميركية السبت، وأدت إلى اعتقالات، لكنها ظلت سلمية إلى حد كبير على الرغم من أن احتجاجا في باتون روج شهد اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة. شهدت مدينة باتون روج بولاية لويزيانا مظاهرات ضد رجال الشرطة تهتف «لا عدالة لا سلام»، وشهدت مصادمات بين شرطة مكافحة الشغب ونشطاء حمل بعضهم البنادق؛ إذ يسمح القانون في لويزيانا بحمل السلاح علنا. بعد مواجهات قصيرة اعتقلت شرطة مكافحة الشغب عددا من الأشخاص، وأشار كيسي هيكس، المتحدث باسم شرطة المدينة إلى أن الشرطة ألقت القبض على 100 شخص، وصادرت بعض الأسلحة التي كانت بحوزة المتظاهرين. كما ألقت الشرطة القبض على ديراي مكيسون الذي يعد من أبرز قادة حركة بلاك لايف ماترز (حياة السود مهمة) الذي كان يقود مظاهرة احتجاج على مقتل ألتون ستيرلينغ.
في مدينة سان بول بولاية منيسوتا، أغلق المتظاهرون مساء أول من أمس أحد الشوارع الرئيسة السريعة في المدينة وألقوا زجاجات المولوتوف والألعاب النارية والحجارة والزجاجات الفارغة وألواحا من الخرسانة والطوب على قوات مكافحة الشغب. وأغلق مئات المتظاهرين طريقا يربط مينيابوليس بمدينة سان بول؛ ما أدى إلى عرقلة حركة المرور لنحو ساعتين.
على الرغم من التحذيرات بتفريق المتظاهرين قالت شرطة سانت بول: إن «المتظاهرين رشقوا الشرطة بالزجاجات والحجارة؛ مما أدى إلى إصابة ثلاثة على الأقل، وبعد ذلك بدأت الشرطة في الاعتقالات واستخدمت قنابل الدخان لتفريق الحشد».
وقال متظاهرون: إن «الشرطة أطلقت الغاز المسيل للدموع واستخدمت الرصاص المطاطي واجهتها قوات الشرطة بإلقاء رزاز الفلفل وقنابل الدخان لتفريق المتظاهرين، وقبضت على أكثر من 200 متظاهر. وبعد ساعات عدة، أعلن مسؤولو الشرطة السيطرة على محاولات الشغب وإعادة فتح الطرق الرئيسية بعد تفريق المتظاهرين بقنابل الدخان وكرات الطلاء». وقال مسؤولو الشرطة إن «ولايات تنيسي وميسوري وجورجيا شهت ثلاث عمليات إطلاق نار ضد رجال الشرطة خلال المظاهرات».
جرت أيضا احتجاجات في ناشفيل، وأغلقت الاحتجاجات لفترة وجيزة طريقا سريعا، ونظمت احتجاجات أيضا في انديانابوليس وفيلادلفيا، حيث دعا المنظمون إلى «عطلة نهاية أسبوع من الغضب». وفي فينيكس وأريزونا استخدمت الشرطة رذاذ الفلفل لتفريق المتظاهرين الذين رشقوها بالحجارة. وفي روتشستر، نيويورك، ألقي القبض على 74 شخصا خلال اعتصام احتجاجي، حيث تظاهر مئات الأشخاص سلميا مساء السبت، رافعين لافتات تحمل اسمي ألتون ستيرلينغ وفيلاندو كاستيل. وقام المتظاهرون بمسيرة من مبنى البلدية إلى يونيون سكوير في وسط نيويورك. وارتفع عدد المتظاهرين إلى ألف وأغلقوا طريقا رئيسيا. وقالت شرطة نيويورك إنها اعتقلت نحو 12 محتجا بسبب إغلاق طريق رئيسية في المدينة. وأشارت شرطة شيكاغو إلى أنها قبضت على ثلاثة أشخاص. وفي سان فرانسيسكو خرج المئات من المتظاهرين للشوارع وحاولا إغلاق بعض الطرق رافعين شعارات تندد بالعنف ولافتات حركة حياة السود مهمة. وفي العاصمة الأميركية واشنطن، سارت الاحتجاجات ليلة السبت تهتف «نحن الشباب ونحن أقوياء وسنسير طوال الليل»، وسارت المظاهرات إلى مناطق واسعة من شمال غربي واشنطن وتوجهت إلى منطقة حي جورج تاون الراقي في وسط العاصمة. كما استمرت المظاهرات في مدن أخرى مثل أتلانتا وفلوريدا إلى هيوستن، مرورا بنيو أورلينز وديترويت وبالتيمور، حيث جرت الاحتجاجات التي نظمت نهاية الأسبوع تنديدا بعنف الشرطة من دون حوادث. ويطالب المحتجون الذين تقودهم حركة «حياة السود مهمة» بالعدالة لأميركيين أسودين ألتون ستيرلينغ وفيلاندو كاستيل قتلا هذا الأسبوع برصاص الشرطة في لويزيانا ومينيسوتا، ونشر لقطات فيديو للحادثين أثارت صدمة في المجتمع الأميركي.
ونفى محامي الشرطي الذي قتل فيلاندو كاستيل السبت، أن يكون موكله جيرونيمو يانيز أطلق النار بدافع العنصرية، مؤكدا في المقابل أن كاستيل كان مسلحا. وقال: إن ما حمل الشرطي على إطلاق النار «لا علاقة له بالعرق، بل هو على ارتباط بوجود سلاح».
وعلى إثر تواتر حوادث مقتل رجال من السود برصاص الشرطة، وبعد الحادثين الأخيرين، وقال القناص الذي قتل قبل أيام خمسة شرطيين في دالاس واسمه ميكا جونسون (25 عاما) لمفاوضيه قبل مقتله إنه يريد قتل رجال شرطة من البيض انتقاما لمقتل السود.
وبات المسؤولون في دالاس متأكدين الآن من أن جونسون، الجندي السابق في الجيش، تحرك بمفرده ولا علاقة له بأي تنظيم أو مجموعة كما كان يخشى في البداية. لكن مشاهد الرعب في دالاس بولاية تكساس جددت المخاوف من فصل مظلم جديد من العنصرية في أميركا.
من جانب آخر، سعى السياسيون الأميركيون إلى توحيد صفوف الأميركيين بعد أسبوع من أعمال العنف.
وكتبت المرشحة الديمقراطية إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية هيلاري كلينتون على «تويتر» أن «على الأميركيين البيض، الاستماع عندما يتحدث الأميركيون الأفارقة عن العوائق التي تواجههم». من جهته، قال نيوت غينغريتش، المرشح البارز لمنصب نائب الرئيس على لائحة المرشح الجمهوري للبيت الأبيض دونالد ترامب: «الأخطر في أميركا هو أن تكون أسود». وأضاف: «أحيانا من الصعب بالنسبة إلى البيض أن يفهموا ذلك. إنه خطر يومي». وقد سيطر الذعر على مدينة دالاس مجددا مساء السبت إثر تلقي المقر العام لشرطة المدينة الواقعة في جنوب الولايات المتحدة، تهديدا من مجهول ورصد شخص مشبوه في أحد المباني، بعد يومين من إقدام قناص على قتل خمسة شرطيين خلال مظاهرة سلمية.
وقالت الشرطة في بيان: إن «دائرة شرطة دالاس تلقت تهديدا من مجهول ضد قوات الأمن في سائر أنحاء المدينة واتخذت إجراءات احترازية» لتعزيز أمن عناصرها. وأفاد عناصر في الشرطة وكالة الصحافة الفرنسية بأن هذه الإجراءات شملت فرض طوق أمني حول المقر العام، بينما أكدت وسائل إعلام محلية أن عناصر من وحدة التدخل السريع «سوات» انتشروا حول المبنى. لكن الشرطة نفت لاحقا على «تويتر» فرض طوق أمني حول المقر العام، مؤكدة أنها أعلنت حالة التأهب في إجراء احترازي يأتي بعد يومين من مقتل خمسة من عناصرها وإصابة سبعة آخرين برصاص رجل أسود. وبحسب صحيفة «دالاس مورنينغ نيوز»، فإن الإنذار صدر إثر رصد رجل يرتدي قناعا، موضحة أن «رجلا يرتدي قناعا أسود تم رصده في موقف للسيارات يقع خلف المقر العام». وأفادت وسائل إعلام أنه على إثر ذلك، بدأ رجال الشرطة بتفتيش الموقف. ولاحقا، أوضحت الشرطة عبر حسابها على «تويتر»، أنها أجرت عملية تفتيش أولى للموقف من دون أن تعثر على شيء، وأن طواقم التحري ستجري عملية تفتيش ثانية على سبيل الاحتياط.
وشاهد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية الكثير من عناصر الشرطة المسلحين ببنادق يسيرون دوريات في الجزء المخصص للزوار من موقف السيارات.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».