خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يغير التزاماتها في الناتو

تشارك في قمة «تاريخية» للحلف.. وتلتزم بنشر قواتها لمجابهة خطر روسيا

الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في قمة وارسو لحلف الناتو.. وهذه آخر قمة يحضرانها قبل ترك منصبيهما (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في قمة وارسو لحلف الناتو.. وهذه آخر قمة يحضرانها قبل ترك منصبيهما (إ.ب.أ)
TT

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يغير التزاماتها في الناتو

الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في قمة وارسو لحلف الناتو.. وهذه آخر قمة يحضرانها قبل ترك منصبيهما (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون في قمة وارسو لحلف الناتو.. وهذه آخر قمة يحضرانها قبل ترك منصبيهما (إ.ب.أ)

قالت بريطانيا بأن التزامها بنشر قواتها في دول أوروبا الشرقية يعبر عن رغبتها على المدى الطويل في تثبيت نفسها «كطرف رئيسي محرك داخل الحلف شمال الأطلسي» (الناتو)، وأن قرار خروجها من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى يوم 23 يونيو (حزيران) لا يعني «تقوقعها». إذ أعلن رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون خلال قمة الحلف الأطلسي في وارسو أمس الجمعة عن نشر بلاده 650 جنديا في دول أوروبا الشرقية في إطار تعزيز الدفاعات الأوروبية في مواجهة روسيا.
ويتوقع أن يعلن قادة الأطلسي في وارسو عن «تعزيز عسكري لا سابق له منذ نهاية الحرب الباردة» عبر اتخاذ قرار بنشر أربع كتائب تضم 600 إلى ألف عنصر في استونيا وليتوانيا ولاتفيا وبولندا بهدف طمأنة مخاوفها بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم في 2014 واندلاع النزاع في شرق أوكرانيا.
قمة الحلف الحالية مخصصة بشكل أساسي لتعزيز دفاعات الحلفاء تجاه الأخطار القادمة من الشرق والجنوب، والعمل على تحقيق الاستقرار في دول الجوار. ومن المقرر أن يصادق أعضاء الحلف على قرارات بنشر أربعة آلاف جندي في دول ليتوانيا، واستونيا وبولونيا، لمساعدة هذه الدول على حماية حدودها الشرقية. وحسب مصدر أطلسي مطلع، فإن «الأمر تلبية لطلب هذه الدول لمواجهة أي تهديد روسي محتمل. كما يهدف هذا القرار»، حسب المصدر نفسه، إلى توجيه رسالة «تحذير» لروسيا، التي يرى الحلفاء عبر الأطلسي بأنها باتت أكثر عدوانية، ومفادها أن دولهم متحدة وجاهزة لمواجهة أي تهديد. وعلى الرغم من أن الإحساس بالخوف من روسيا لا يزال يتصاعد لدى ناتو، فإنه يريد الإبقاء على قناة حوار مع موسكو، ومن هنا دعوة أمينه العام يانس ستولتنبرغ، لعقد اجتماع لمجلس الحلف مع روسيا على مستوى السفراء في 13 الجاري في بروكسل.
ومن المواضيع المدرجة أيضًا على جدول أعمال قمة وارسو، معالجة التهديدات القادمة من الجنوب، خاصة تهديد تنظيم (داعش)، وحسب المصدر «ستكون القرارات هنا رمزية أكثر من أي شيء آخر». فمن المقرر أن يوسع الحلف مهمة تدريب القوات العراقية التي كانت تتم في الأردن ليصار إلى تنفيذها داخل الأراضي العراقية، وكذلك تعزيز عمليات المراقبة التي تقوم بها طائرات أواكس على حدود دول الحلف جنوبًا.
وكان الأمين العام للحلف يانس ستولتنبرغ، قد دعا كلا من رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، ورئيس الاتحاد دونالد توسك، لعقد جلسة خاصة لبحث التعاون بين الطرفين، حيث من المقرر توقيع إعلان مشترك أوروبي – أطلسي حول مواجهة التهديدات، وتقاسم المهام في الرد على التحديات مثل الإرهاب والهجرة، وكذلك تعزيز التعاون المدني والعسكري بين الطرفين. وفي هذا الإطار، أكد الأمين العام للحلف أن التعاون مع الاتحاد الأوروبي سيساهم في تعزيز مناخ الأمن في المنطقة الأطلسية الأوروبية: «كما سيساعد في تكثيف العمل على استقرار الجوار الذي هو في مصلحتنا».
هذا ومن المتوقع أن تفرض مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نفسها بقوة على مناقشات الزعماء المجتمعين في وارسو، فعلى الرغم من تأكيد ستولتنبرغ أن لندن لا تزال عضوًا فعالاً في ناتو، فإن الحلف يريد الاطمئنان على استقرار حليفه البريطاني واستمراره بالوفاء بالتزاماته.
وزير المشتريات الدفاعية البريطانية فيليب دون قال أمس الجمعة بأن قرار الناخبين البريطانيين تأييد الخروج من الاتحاد الأوروبي لا يغير التزام البلاد بأن تبقى شريكا قويا في حلف شمال الأطلسي.
وقال دون خلال العرض الملكي الدولي للطيران وهو أكبر عرض جوي عسكري في العالم بأن بريطانيا «لن تتقوقع على نفسها». وذكر أن بريطانيا لا تزال الشريك الدولي الأكبر في برنامج شركة لوكهيد مارتن لطائرات إف - 35 المقاتلة إذ تنتج مؤسسات في بريطانيا نحو 15 في المائة من كل طائرة يجري تصنيعها.
وسيعلن كاميرون كذلك عن تمديد مهمة طائرات «تايفون» الحربية الأربع في دول البلطيق في إطار «مهمة شرطة البلطيق الجوية» بعد أن تتولى المملكة المتحدة في 2017 الرئاسة الدورية للقوة المشتركة ذات الجهوزية العالية بين جيوش دول الحلف وهي وحدة قادرة على الانتشار خلال 48 ساعة ويمكن أن يصل عددها إلى خمسة آلاف عنصر.
وقال رئيس أركان القوات الجوية الأميركية الجنرال ديفيد جولدفين أمس الجمعة بأنه لا يرى أي مؤشرات على أن بريطانيا تتراجع عن التزاماتها في حلف شمال الأطلسي أو عن علاقاتها الدفاعية القوية مع الولايات المتحدة بعد أن وافقت في استفتاء على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وقال جولدفين «لم أسمع أحدا يتكلم عن التراجع». وأضاف أن من السابق لأوانه التكهن بشأن تداعيات نتيجة الاستفتاء البريطاني على المدى البعيد.
اتخذ الحلف الأطلسي في 2014 تدابير كبيرة لزيادة قدرته على التدخل وبناء قواعد لوجستية في دول الاتحاد السوفياتي السابقة المجاورة لروسيا.
القمة تكتسب طابعا رمزيا في المدينة التي شهدت في 1955 التوقيع على إنشاء حلف وارسو ردا على الحلف الأطلسي.
وقبل محادثات في العاصمة البولندية وارسو مع كبار مسؤولي الاتحاد
الأوروبي، كتب أوباما في صحيفة «فايننشيال تايمز»: «ليس لدي أي شك أن المملكة المتحدة سوف تظل أحد أكثر أعضاء الناتو جدارة. دولة تدفع حصتها كاملة من أجل أمننا المشترك وهي مساهم مهم في مهمات الحلف».
روسيا حذرت الجمعة من أن نشر درع صاروخية أميركية في كوريا الجنوبية «يضر بالتوازن في المنطقة» وقد تكون له «عواقب لا يمكن إصلاحها». وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان بأن «هذا النظام الدفاعي الصاروخي يضر بالتوازن في المنطقة». وأضافت: «نأمل في أن يتجنب شركاؤنا القيام بتحركات ستكون لها عواقب لا يمكن إصلاحها».
وأضافت الخارجية الروسية أن «مثل هذه التحركات أيا تكن مبرراتها، لها تأثير سلبي على الاستقرار العالمي وتثير خطر تفاقم التوتر وستخلق مشاكل جديدة في شبه الجزيرة الكورية».
كما أعربت الصين هي الأخرى عن «رفضها التام» لقرار سيول وواشنطن نشر درع صاروخية أميركية في كوريا الجنوبية، محذرة من أن تنفيذ هذا المشروع «سيلحق ضررا بالغا» بالأمن الإقليمي.
وقالت وزارة الخارجية الصينية في بيان بأن نشر منظومة «ثاد» المضادة للصواريخ «سيلحق ضررا بالغا بالمصالح الأمنية الاستراتيجية لدول المنطقة بما فيها الصين». وأضافت أن الصين «تعرب عن معارضتها الشديدة ورفضها التام» لهذا المشروع.
وكانت سيول وواشنطن بدأتا في فبراير (شباط) المباحثات بشأن نشر منظومة «ثاد»، وذلك بعد شهر من إجراء كوريا الشمالية تجربتها النووية الرابعة.
وقال البيان الأميركي - الكوري الجنوبي بأنه «عندما تنشر منظومة ثاد في شبه الجزيرة الكورية سيكون تركيزها محصورا فقط بالتهديدات النووية والصاروخية الكورية الشمالية ولن توجه باتجاه أي دولة ثالثة».
وجاء الإعلان عن نشر منظومة الصواريخ الأميركية في أجواء من التوتر الشديد بين الصين والولايات المتحدة بسبب ملف آخر هو الخلاف على بحر الصين الجنوبي الذي يفترض أن تصدر محكمة دولية الثلاثاء قرارا بشأنه.
وتطالب الصين بالسيادة على كل هذا البحر تقريبا على الرغم من معارضة دول أخرى واقعة عليه وخصوصا الفلبين الحليفة العسكرية للولايات المتحدة. ولتأكيد مطالبها، قامت الصين بتوسيع جزر صغيرة بشكل اصطناعي وأقامت عليها مدرجات هبوط للطائرات ومرافئ ومنشآت أخرى. وردا على ذلك نشرت البحرية الأميركية سفنا حربية قرب المكان في الأشهر الأخيرة. وتجوب حاملة الطائرات الأميركية رونالد ريغان حاليا في المنطقة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...