رحيل مخرج «سنعود».. وعودة آخر للظلال المنسية

رحيل مخرج «سنعود».. وعودة آخر للظلال المنسية

أمضى معظم أعوامه الأخيرة بعيدًا عن السينما
الجمعة - 3 شوال 1437 هـ - 08 يوليو 2016 مـ
لقطة من فيلم «غروب الظلال»

هناك مشهد معركة في «سنعود»، الذي حققه المخرج الجزائري محمد سليم رياض سنة 1972 يتساقط فيه معظم الفدائيين الفلسطينيين الذين قاموا بالعملية المضادة لموقع إسرائيلي، حسب أحداث الفيلم. لكن المشهد الأخير يحتوي على اثنين من هؤلاء المقاتلين وقد نجيا من المعركة السابقة، وهما يزحفان فوق سطح منزل ويلقيان بالقنابل اليدوية على القوّة الإسرائيلية التي وصلت إلى البلدة لتحذير سكانها من مساعدة الفدائيين.
يختم المخرج، الذي رحل في الأسبوع الماضي عن 84 سنة، قضى معظم أعوامها الأخيرة منسيًا، الفيلم بما يرمز لاستمرار القتال ضد الاحتلال وهو الأمر الذي ما زال يحدث الآن، ولو على مستوى مختلف تمامًا منحصر في عمليات فردية غير عسكرية، بينما الرمز المبثوث هناك هو أمل تمادي العمل الفدائي كطريق وحيد للتحرير.
كان ذلك حلمًا بعيدًا عن الواقع والوقائع معًا. نية حسنة من قبل صانعي الفيلم (إنتاج مشترك بين المؤسسة العامة الجزائرية وإحدى هيئات منظمة التحرير الفلسطينية) دحضتها الأحداث اللاحقة وأفرغتها من مضامينها الثورية وآمالها العريضة التي لم تتحقق.
سليم رياض كان من بين مجموعة من المخرجين الجزائريين الذين قاموا بتقديم أفلام في الستينات ومطلع السبعينات دارت حول الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي. من بين الآخرين عمار العسكري وأحمد الراشدي ومحمد لخضر حامينا. الأخيران ما زالا حيين، لكن في حين أن الراشدي غائب بدوره عن الساحة أنجز لخضر حامينا، في الأشهر القريبة فيلمًا بعنوان «غروب الظلال» يعود به، منفردًا، إلى تلك الحقبة. حكاية حول آمر موقع فرنسي في جبال الأوراس يلقي القبض على مناضل جزائري فيتدخل المجنّد الفرنسي حديث العهد لإنقاذ حياة المناضل الذي يختطف الضابط والجندي إلى رحلة صحراوية ضارية.
* ركاكة تنفيذ
«سنعود» كان محاولة لمساهمة جزائرية في موضوع عربي خارج الحدود. تم إنتاجه ما بين المؤسسة الجزائرية العامة للسينما وإحدى هيئات منظمة التحرير. لكنه لم يكن الوحيد في هذا الاتجاه على صعيد السينما العربية. هناك أفلام مصرية ولبنانية وسوريا وأردنية وعراقية شاركت في هذا التوجه لجانب أفلام من إنتاج منظمات فلسطينية رفعت شعار الكاميرا كمواز للبندقية قبل أن تدرك أنها لم تحقق المنشود كاملاً لا باستخدام الكاميرا ولا باستخدام السلاح.
وفي حين أن معظم الإنتاجات الفلسطينية واللبنانية في هذا الإطار (وضمن اللبنانية تلك التي أنتجتها المنظمات الفلسطينية العاملة هناك في الستينات والسبعينات) كانت إما تسجيلية مكوّنة من ردّات فعل على غارات إسرائيلية أو عمليات اغتيال قامت بها الموساد، وإما روائية عاطفية لاهبة للمشاعر الفطرية.
تلك التسجيلية كانت من الركاكة، بصفة عامة، بحيث لم يسعها سوى العيش، لفترة، على شريان المضمون السياسي وحده. أما تلك الروائية فكانت، على نحو عام وغالب أيضًا، حماسًا وطنيًا خاليًا من الرؤية الفنية أو من تلمس الطريق صوب طرح الواقع الذي لو طرح عوضًا عن طرح الآمال لأدت تلك الأفلام دورًا مختلفًا.
مشكلة «سنعود» كانت في هذا الإطار فهو ينقسم عمليًا إلى نصفين: الأول رديء الإخراج والثاني أقل رداءة. الأول هو التمهيد للأحداث اللاحقة التي ما إن يخوض الفيلم غمارها (العملية الفلسطينية ثم مطاردة الإسرائيليين لمن قاموا بها) حتى ترتفع ملكية الفيلم التنفيذية على نحو أفضل ولكن من دون نتيجة فاعلة. في الوقت ذاته فإن الإلقاء الرتيب لحوار كُتب بالفرنسية وتمت ترجمته كما هو غالبًا، ساد الفيلم في نصفيه ولو أن صوت الأسلحة الرشاشة طغى على رداءة الحوار وتعابيره.
كما سبق القول، كانت تلك فترة خاصة في حياة الفيلم الجزائري إذ إن الاهتمام الأول لديه، وعبر مخرجيه آنذاك هو الاحتفاء بالمقاومة الجزائرية ذاتها. هذا الوضع استتب حتى بدا أنه سيكون أبديًا، لكن من حسن الحظ أن السينما الجزائرية انتقلت بعد ذلك (في النصف الثاني من السبعينات) إلى أعمال تناقش السمات الاجتماعية قادها مرزاق علواش وأكملها سواه وصولاً إلى اليوم الذي تتكاثر فيه الإنتاجات المحلية والمحلية - الفرنسية وكلها تتمحور حول قضايا اجتماعية مع التطرق إلى حرب مختلفة هي تلك التي يواجهها المجتمع الجزائري مع المتطرفين الإسلاميين. وهذا يتضح من أفلام مثل «حكاية الليالي السوداء» لسالم براهيمي و«الدليل» لعمر حكار و«سمير في الغبار» لمحمد أوزين بين أخرى كثيرة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة