هل فقد ستيفن سبيلبرغ بصمته؟

«عملاق» المخرج يخطف الفتاة.. ويخسر الجمهور

العملاق والفتاة الصغيرة: لقطة من The BFG - ستيفن سبيلبرغ يخرج مشهد الملكة
العملاق والفتاة الصغيرة: لقطة من The BFG - ستيفن سبيلبرغ يخرج مشهد الملكة
TT

هل فقد ستيفن سبيلبرغ بصمته؟

العملاق والفتاة الصغيرة: لقطة من The BFG - ستيفن سبيلبرغ يخرج مشهد الملكة
العملاق والفتاة الصغيرة: لقطة من The BFG - ستيفن سبيلبرغ يخرج مشهد الملكة

لم يعد خافيًا أن «العملاق الكبير الودود» ((The Big Friendly Giant واختصارًا كما عنوان الفيلم رسميًا «The BFG» سقط في عروضه التجارية منذ افتتاحه في الأسبوع الماضي. وبينما ينتظر صانعو الفيلم نتائج عروضه العالمية، فإن تلك الأميركية انتهت إلى 26 مليون دولار وحل الفيلم رابعًا وراء الفيلم الكرتوني «إيجاد دوري» (المتمرس في المركز الأول منذ ثلاثة أسابيع) و«أسطورة طرازان» الفانتازي، و«التطهير: سنة الانتخابات» المرعب. أمر غير معتاد لفيلم من إخراج ستيفن سبيلبرغ!
كل مخرج له كبوته ولو كان سبيلبرغ، وهذا كان شهد أكثر من كبوة في الواقع. أولها فيلم «1941» سنة 1979، لكن ذلك الفيلم تكلّف 35 مليون دولار بينما تكلف الفيلم الحالي 150 مليونًا بالإضافة إلى نحو 80 مليون دولار للدعاية وشؤون الإعلام والترويج.
إيرادات «توايلايت زون» (1987) و«دائمًا» (1989) و«أميستاد» (1997) كانت بدورها معتدلة للغاية، لكن كلفة الواحد من هذه الأفلام لم تتجاوز الأربعين مليون دولار. فما هو المختلف اليوم عما كانت عليه الحال في تلك الآونة؟
* باعث الأحلام
«العملاق الكبير الودود» فانتازيا مأخوذة عن رواية لرولد دال المنشورة سنة 1982. وهي ليست المرّة الأولى التي يتم تحقيق هذه الرواية فيلمًا للشاشة، بل سبق وأن أقدم البريطاني برايان كوزغروف على تحقيق مسلسل تلفزيوني مأخوذ مباشرة وبأمانة (كحال هذا الفيلم) من تلك الرواية. كما أن عددًا من روايات دال الأخرى تم تحويلها إلى أفلام سينمائية مثل «الساحرات» (1990) و«ماتيلدا» (1996) وخصوصًا روايته الأشهر والأنجح إقبالاً «ويلي وونكا ومصنع الشوكولا» التي أنجزها سنة 1971 الأميركي مل ستيوارت وعاد إليها سنة 2005 تيم بيرتون في نسخة أفضل. كذلك صنع وز أندرسون عملاً جديرًا بالإعجاب سنة 2009 مأخوذ عن رواية دال «فانتاستيك مستر فوكس».
الحكاية تدور حول العملاق الطيب الذي يختطف فتاة صغيرة اسمها صوفي (أهدى دال هذه الرواية إلى ابنته أوليفيا وسمّى بطلتها الصغيرة، صوفي، على اسم حفيدته) إلى حيث يعيش في بعض الجبال العالية. إنه عملاق ودود ولا يأكل البشر على عكس عادة شعب من العمالقة (أكبر حجم منه) وصداقة متينة تنمو بينهما قبل أن تسهل له الفتاة الوصول إلى ملكة بريطانيا التي تتعرّف عليه في قصرها، قبل أن تأمر فتنطلق طائراتها للقبض على تلك الوحوش. طريقة التواصل منذ البداية هي الحلم، فالعملاق يوعز بالأحلام عبر آلة نحاسية (كالترومبيت) وعندما يكتشف أن الفتاة اليتيمة (روبي بارنهل) شاهدته يخطفها ليبقي أمره سرًا. أما تواصله مع الملكة فيتم ببث الحلم أيضًا، قبل أن تقوم صوفي بمهمة التعريف.
كل ما نراه في فيلم سبيلبرغ هو ما قرأناه في هذه الرواية، فالاقتباس أمين إلى حد كبير وقامت به مليسا ماثييسون التي كانت كتبت «إي تي: الخارج عن الأرض» سنة 1982 (السنة التي ظهرت رواية دال هذه). لم تكتب للسينما كثيرًا بعد ذلك لكن علاقتها بفيلم «إي تي» كان من بين الأسباب التي دفعت كثيرًا من النقاد لإجراء مقارنة بين الفيلمين على أساس أنهما يتداولان موضوعًا شبيهًا: مخلوق غريب قد يثير الخوف لكنه في الواقع صديق للصغار. لكن الواقع أن الفيلمين يتباعدان فيما عدا هذا الخط النحيف بينهما.
وهذا التباعد قد يكون سببًا خفيًا في انحسار الجمهور الكبير الذي أحاط، سابقًا، أفلام سبيلبرغ بإقبال حاشد. لأن الاحتمال الكبير هو أنه لو قام سبيلبرغ اليوم بتحقيق جزء ثان من «إي تي» عوض The BFG لكان استعاد ذلك الجمهور الكبير على الفور. المشكلة بين العملين هي أن الحماس والحوافز الإثارية التي شهدها الفيلم السابق، مفقودة إلى حد بعيد من هذا الفيلم الجديد.
* الحس المفقود
أيامها كانت المؤثرات البصرية ما زالت أكثر تواضعًا وأقل هيمنة على روح الشخصيات، بل وروح المخرج الذي يتعامل معها. العناية الكبرى كانت لا تزال من نصيب الشخصيات البشرية من ناحية وابتداع مواقف يفعّل فيها المخرج دور الكاميرا كعين المشاهد القريبة مما يدور. في هذا الفيلم، العكس هو السائد. كل مشهد في ساعتي الفيلم، هو تذكير بما وصلت إليه الخدع والمؤثرات (تم تصوير شخصية العملاق التي قام بها مارك رايلانس بأسلوب «موشن كبتشر» القائم على تصوير الممثل فعليًا ثم إدخال النتيجة الكومبيوتر وإعادة صنعه بالشكل المرغوب). إلى ذلك، فإن الحوار الكثيف ووقوع معظم الأحداث في مكان واحد أجهز على تلك الروح الأولى التي مارسها سبيلبرغ في أفلامه السابقة (أو معظمها على الأقل).
في كل هذه الفترة السابقة للقاء العملاق الودود بالملكة البريطانية لا يقع الكثير من التنويع ولا توجد أحداث حقيقية باستثناء مداهمة العمالقة الأشرار لمكان العملاق بحثًا عن الفتاة لالتهامها (لماذا لا يلتهمونه هو كونه أصغرهم حجمًا؟). أما الانتقال إلى قصر الملكة وما يقع فيه من أحداث فإنه نقطة منحدرة أخرى حتى على صعيد أعمال سبيلبرغ عمومًا. المشاهد مطوّلة والنبرة كوميدية القصد والمعالجة لكنها لا تُضحك حتى عندما يستنجد المخرج بمشهد تعرض الملكة وكل من حولها إلى غازات معوية نتيجة مشروب دعاها العملاق لشربه.
أين سبيلبرغ السابق الذي كان يعرف ما يختار ويحرص على حس المغامرة وما تتطلبه من تنوّع المفارقات وتعدد الأحداث وقبل ذلك وبعده كيفية إثارة المشاهدين لعالمه المعروض؟ «العملاق الودود» هو فانتازيا تمامًا كحال «جوراسيك بارك» و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» و«إي تي» و«إنديانا جونز» وسواها، لكن من دون الإثارة التي عرفتها كل تلك الأعمال السابقة. الجانب الآخر من أعمال سبيلبرغ هي تلك الواقعية أو الجادة. وهو حقق فيها أيضًا نجاحات كبيرة، كما حال «لائحة شيندلر» (1993) و«إنقاذ المجند رايان» (1998) و«ذا ترمينال» (2004) و«ميونيخ» (2005).
العامل المشترك الموجود بين أفلامه الخيالية (حتى هذا الفيلم) وأفلامه الواقعية هو شغفه العاطفي بمصائر أبطاله، خصوصًا الصغار. هذا موجود في هذا الفيلم إنما لا يكاد يظهر لكل الأسباب الآنفة الذكر، لكنه كان بارزًا ومحوريًا في «إمبراطورية الشمس» (1987) و«إي تي» (1982) وفي مشهد الفتاة الصغيرة الهاربة من الاعتقال النازي في «لائحة شيندلر» (1993) ضمن أماكن أخرى.
جزء من فشل «العملاق الكبير الودود» يكمن في موقف جماهيري حتى من قبل معرفته بتفاصيل العمل والاطلاع عليه. هذه الأسباب السلبية المذكورة هنا كانت ستؤدي لانحسار الإقبال بعد أسبوع أو أسبوعين (كما حدث مع «لينكولن» قبل ثلاثة أعوام مثلاً)، لكن الجمهور الذي لم لا بها مسبقًا اتخذ موقفًا من الفيلم لن تتبلور أسبابه الخاصة ولا تداعياته إلا لاحقًا.
ربما سرعة انتقال الرأي السلبي بين الناس عبر «تويتر» و«فيسبوك» سببًا مهمًا، لكن يبقى أن الكهرباء لم تمس الغالبية وأن الناس لم تتدافع لتكتشف بنفسها، وأن اسم سبيلبرغ لم يكن ضمانة هذه المرّة كما في غالبية المرّات السابقة.



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً