إجراءات قانونية لحفظ حق النواب البريطانيين بالبت في «الخروج»

فاراج يستقيل من زعامة حزب الاستقلال بعد «تحقيق حلم حياته»

نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني بعد إعلانه عن استقالته في لندن أمس (أ.ف.ب)
نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني بعد إعلانه عن استقالته في لندن أمس (أ.ف.ب)
TT

إجراءات قانونية لحفظ حق النواب البريطانيين بالبت في «الخروج»

نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني بعد إعلانه عن استقالته في لندن أمس (أ.ف.ب)
نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني بعد إعلانه عن استقالته في لندن أمس (أ.ف.ب)

باشرت شركة قانونية مرموقة في لندن إجراءات بحق الحكومة البريطانية تضمن طرح الخروج من الاتحاد الأوروبي على البرلمان قبل تنفيذه من طرف رئيس الوزراء ديفيد كاميرون أو خليفته في 10 داونينغ ستريت.
وتهدف هذه الإجراءات القانونية الاستباقية إلى عرقلة أي محاولة يقوم بها رئيس الوزراء الجديد بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، دون مصادقة البرلمان بغرفتيه على ذلك. وأوضح مصدر في «ميشون دي رايا» أن الشركة تمثل جهات لم تعرفها احتراما لسرية العملاء، واكتفى بوصفهم بـ«مجموعة مواطنين بريطانيين يريدون التأكد من تنفيذ العملية طبقا للدستور ومن ممارسة البرلمان لدوره الديمقراطي». أما عن الجهة التي تدفع مستحقات الشركة، فقال المصدر إنه أمر سري بين الشركة وعملائها. وأوضح أن دائرة العملاء الذين يلتحقون بالمجموعة الأصلية تتسع بسرعة، مشيرا إلى أنه سيتم الكشف عن هوية العملاء إذا طرحت القضية في المحكمة.
وردا على سؤال «الشرق الأوسط»، قال المصدر إن الشركة بدأت في التواصل مع محاميي الحكومة منذ 27 يونيو (حزيران) الماضي استجابة لطلب عملاء، وطالبتهم بـ«الكشف عما تنوي الحكومة القيام به فيما يتعلق بالمادة 50. وموقفها من العملية القانونية التي ينص عليها الدستور، التي ستأطر الانسحاب من الاتحاد الأوروبي»، مضيفة أن الشركة تنتظر رد الحكومة حول موقفها قبل أن تتجه إلى المحكمة للبت في القضية إن كان هناك تباين في المواقف.
وترى الشركة أن تنفيذ الحكومة لقرار الخروج من الاتحاد الأوروبي دون خضوعه لفحص دقيق في البرلمان البريطاني بغرفتيه ومصادقته عليه، إلى جانب التشاور مع الجهات المفوضة في أيرلندا واسكتلندا وويلز، سيكون مخالفا للقانون ومعرضا لدعوى قضائية ستؤثر سلبا في مفاوضات الخروج مع قادة الاتحاد وعلاقتنا بهم سياسيا واقتصاديا.
وردا عما إذا كان هذا «التحدي القانوني» يتنافى مع إرادة 17 مليون ناخب ممن صوتوا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، أوضحت الشركة أن الهدف من هذا الإجراء القانوني لا يتمثل في إسقاط كلمة المواطنين، بل في ضمان احترام القانون عند تطبيق المادة 50.
على صعيد متصل، كانت استقالة الزعيم الشعبوي لحزب الاستقلال آخر حلقة في مسلسل الفوضى السياسية التي خلفها فوز مؤيدي «الخروج»، فيما يواصل المناهضون العماليون لزعيم المعارضة جيرمي كوربين محاولات إزاحته من رئاسة الحزب، في الوقت الذي ناقضت تيريزا ماي، وزيرة الداخلية والمرشحة لخلافة رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون، ووزير الخارجية فيليب هاموند تطمينات سابقة قدمها قادة سياسيون للمواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا.
واستقال فاراج، الذي جعل من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حلم حياته، من رئاسة حزب «يوكيب» المعادي للهجرة ولأوروبا، معتبرا أنه أنجز مهمته بعد الاستفتاء الذي قرر فيه البريطانيون الانسحاب. وكان خروج بريطانيا من أوروبا حلما راود الوسيط السابق في البورصة، البالغ من العمر 52 عاما، منذ أن أنشأ «حزب استقلال المملكة المتحدة» (يوكيب) عام 1993. وأثار رد فعل نائب الحزب الوحيد في البرلمان البريطاني دوغلاس كارسويل للاستقالة غضب فاراج. واكتفى كارسويل بنشر وجه ضاحك على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، معبرا عن فرحه لتنحي الزعيم المثير للجدل.
وتكلل نتيجة الاستفتاء مسار هذا السياسي المعادي للاتحاد الأوروبي، بعدما قضى حياته السياسية يندد بالمؤسسات الأوروبية، وفشل ست مرات في الفوز بمقعد نيابي في البرلمان البريطاني، لاعتباره شخصية مثيرة للجدل، وعنصريا بنظر البعض. وعوض عن ذلك بالفوز بمقعد في البرلمان الأوروبي، يشغله منذ العام 1999 من دون انقطاع.
وفضل فاراج خوض السياسة من أجل «إحداث فرق وإعطاء مغزى لحياته» على جني «أموال طائلة» في الحي المالي من لندن؛ حيث عمل وسيطا في أسواق المعادن بعد إتمام دراسته في مؤسسات خاصة. واستحضر الإعلام المحلي «قصص فاراج مع الموت»؛ حيث نجا بأعجوبة من حادث سيارة وهو في العشرين من عمره، ما أدى إلى بتر ساقه. وبعد بضعة أشهر من ذلك، أصيب بسرطان في خصيتيه شفي منه. وواجه الموت للمرة الثالثة عام 2010 في تحطم طائرة يوم الانتخابات التشريعية، بعدما اصطدمت مروحة طائرته بلافتة دعائية تجرها طائرة صغيرة لراكبين من صنع بولندي. ونجا فاراج من الحادث الذي أدى إلى إصابته بكسور في ضلوعه وثقب في إحدى رئتيه، غير أنه ما زال يعاني تبعات، وهو لا يزال يعرج بعض الشيء.
وأثبت عن طاقة لا يبديها إلا الناجون حين تولى زمام حزب «يوكيب»، فكان طاغي الحضور فيه، وسرعان ما بات يختزل في شخصه الحزب، مسخرا لسانه المسيء أحيانا كثيرة وفارضا جاذبيته الكبيرة على الناشطين الذين ينادونه باسمه الأول: «نايجل».
ويعتبر فاراج نفسه سياسيا حقيقيا قريبا من الشعب، وهو بنى شخصيته السياسية متنقلا بين الملاهي حاملا سيجارته، غير أن زوجته الألمانية تشتكي بانتظام من إسرافه «في التدخين، وفي الشرب، ولا ينام بما يكفي».
لكنه قال في الآونة الأخيرة للإعلام مستخفا وهو يأخذ نفسا من سيجارته: «أعتقد أن الأطباء مخطئون بالنسبة إلى مخاطر التدخين».
وجاء التكريس الأول له في بريطانيا عام 2014 حين فاز «يوكيب» في الانتخابات الأوروبية، على غرار حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، غير أن صورته المثيرة للجدل وتصريحاته حول المصابين بالإيدز الذين دعا إلى منعهم من دخول بريطانيا، أبعدته عن الحملة الرسمية. لكن ذلك لم يؤثر فيه، بل واصل إثارة السجالات بلافتات حملته، مستغلا قضية الهجرة، إلى درجة أن بعض منتقديه قارنوا بين دعايته الانتخابية ولافتات النازيين. من جانب آخر، رفضت وزيرة الداخلية استبعاد إمكانية ترحيل الأوروبيين المقيمين في بريطانيا، في تصريحات أدلت بها لقناة الـ«آي.تي.في» أول من أمس. وقالت ماي، التي تتصدر السباق لخلافة كاميرون، إنه في الوقت الذي تود «ضمان وضع» الأوروبيين المقيمين في بريطانيا حاليا، لكن مصيرهم قد يحدد خلال مفاوضات الخروج مع قادة الاتحاد الأوروبي. وأفاد مصدر مقرب من ماي لصحيفة «ذي إندبندنت» أن الوزيرة استبعدت ذلك لتفادي تشجيع «موجة من المهاجرين الأوروبيين» إلى بريطانيا قبل الخروج الفعلي من الاتحاد.
وأثارت تصريحات ماي غضب شخصيات سياسية بارزة، أمثال تيم فارون، زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي انتقد بلهجة حادة رفض ماي إعطاء ضمانات واضحة لـ«الأوروبيين المقيمين في بريطانيا الذين يعملون بها ويدفعون ضرائبهم» حول مصيرهم. فيما أعاد رئيس بلدية لندن صديق خان المطالبة بمزيد من الاستقلالية للعاصمة التي صوتت بنسبة 59.9 في المائة لصالح البقاء.
وفي حزب العمال، هددت عضو مجلس العموم البريطاني آنجيلا إيجل، زعيم الحزب المعارض، جيريمي كوربن بمنافسته على قيادة الحزب، إذا لم يعد النظر في مواقفه، مشيرة إلى أنها تملك التأييد الضروري والاستعداد للإقدام على هذه الخطوة.
ورفض كوربن الاستقالة على أثر تصويت بريطانيا على مغادرة الاتحاد الأوروبي على الرغم من إعلان الأغلبية الساحقة من المشرعين عن حزب العمال سحبهم الثقة بقيادته والاستقالات الجماعية من فريقه الخاص. وقالت إيجل: «أملك الدعم لإدارة وحل هذا المأزق، وسأفعل ذلك إذا لم يتخذ جيريمي موقفا قريبا».
واستقالت إيجل من منصبها كمتحدثة باسم الحزب لشؤون الأعمال في أعقاب التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي اللاعبة الرئيسية في إطلاق إجراءات الطعن في قيادة كوربن.
على صعيد متصل، أعرب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، أمس، عن ثقته بأن الحكومة البريطانية الجديدة ستبقى ملتزمة بالحلف. وصرح ستولتنبرغ في مؤتمر صحافي قبل قمة الحلف التي ستعقد في وارسو هذا الأسبوع أن «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيغير العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، ولكنه لن يغير وضع بريطانيا داخل الحلف». وأضاف أن «ديفيد كاميرون والحكومة البريطانية أوضحا أنهما سيظلان حليفا قويا للحلف. وأنا واثق بأن الحكومة البريطانية الجديدة ستواصل السير على الخط نفسه». وأكد أن «هذا مهم لأن بريطانيا هي عنصر أساسي لتوفير الأمن في أوروبا ولحلف شمال الأطلسي».
وبريطانيا هي دولة نووية، ولها مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، وتلعب دورا مهما في الحلف الأطلسي وفي سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية والدفاعية، وانتشرت تكهنات قوية بأن خروجها من الاتحاد الأوروبي سيضعف وضعها.
وأكد ستولتنبرغ مرارا أن التصويت لخروج بريطانيا من الحلف لن يغير علاقتها مع الحلف. وفي الوقت ذاته «لن يكون له أي تأثير في التعاون بين الحلف والاتحاد الأوروبي، بل إنه سيقوي الحاجة إلى تعزيز التعاون بين الحلف والاتحاد الأوروبي».
وقال: «إن قادة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي الذين سيجتمعون في وارسو الجمعة والسبت، قرروا قبل التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لقاء رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، ورئيس المفوضية الأوروبية جان - كلود يونكر للتوقيع على اتفاق تعاون». وأكد: «نحن نواجه معا بيئة أمنية جديدة (..) ولا يملك الاتحاد الأوروبي أو الحلف الأطلسي وحده الأدوات الكافية لمواجهة التحديات». وأضاف أن «الاتحاد الأوروبي مهم لاستقرار أوروبا (..) والحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي شريكان مهمان وخاصان، وعلينا أن نعمل بشكل أكثر تقاربا».
ويضم الحلف الأطلسي 22 دولة من دول الاتحاد الأوروبي ال28ـ، وتتطلع كثير من هذه الدول إلى الحلف وليس إلى الاتحاد الأوروبي من أجل الأمن. والأسبوع الماضي أصدرت وزيرة خارجية الاتحاد فيديريكا موغيريني ورقة سياسية تدعو فيها الاتحاد الأوروبي إلى بذل المزيد من الجهود بالنسبة إلى دفاعها، وتؤكد التعاون مع حلف شمال الأطلسي.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.