«يورو» يضم 24 منتخبًا.. فكرة فاشلة سيطر عليها الجشع والاستغلال السياسي

«يورو» يضم 24 منتخبًا.. فكرة فاشلة سيطر عليها الجشع والاستغلال السياسي

أداء واهن ومتواضع تحت غطاء الانفتاح على الجميع ومنحهم فرص المشاركة
السبت - 27 شهر رمضان 1437 هـ - 02 يوليو 2016 مـ
المنتخب الألماني قدم أداء راقيًا أمام سلوفاكيا (أ.ف.ب) - أجمع النقاد على أن الأداء الجميل في «يورو 2016» بدأ في مباراة إيطاليا وإسبانيا بدور الـ16 (أ.ف.ب)

استفاقت أخيرًا البطولة الأوروبية، فمع انطلاق المواجهة بين ألمانيا وسلوفاكيا وبين إيطاليا وإسبانيا في دور الـ16، كان هناك لقاءان على الأقل جديران بالمتابعة. وبعد مرور أسبوعين على انطلاقها رسميًا، بدأت البطولة على أرض الواقع أخيرًا. ويبدو الأمر الآن كما لو أن الـ16 فريقًا هو العدد المناسب تمامًا للبطولة من البداية.

من جهته، قال المهاجم الألماني لوكاس بودولسكي: «كان دور المجموعات غريبًا بعض الشيء، لأن (يويفا) أدخلت بعض التغييرات الحمقاء على النظام. وعليه، فإنه حتى مع خسارة أول مباراتين، يبقى لدى أي فريق أمل في المضي قدمًا إلى الدور التالي. لذا كان الأمر مربكًا بعض الشيء، لكن هذا لم تعد له أهمية. وبالنسبة لنا، تبدأ البطولة الحقيقية الآن».

قد يرفض البعض هذا الحديث باعتباره مجرد غطرسة ألمانية، لكن بودولسكي محق في قوله. لقد تسبب تغيير نظام البطولة إلى مباريات غير مثيرة ولا جدوى من ورائها. وعلى أي حال، فإن كرة القدم الدولية تناضل منذ قرابة عقدين أو ثلاثة للحاق بركب كرة الأندية. لذا، فإن تعمد خلق مباريات لا طائل من ورائها مثلما حدث بهذه البطولة، لا يصب في مصلحة أي طرف. تتمثل الحجة المقابلة في أن أداء ويلز وآيسلندا يوفر نمط المفاجآت الذي يبث الحياة في البطولات وينشط روحها، من فرق غير متوقعة. ومع هذا، فإن النجاحات التي حققها الفريقان لا ينبغي أن تدفعنا لإغفال مستوى رداءة كرة القدم التي عايناها خلال أول أسبوعين من البطولة، وما حملته من افتقار إلى الطموح أو الإبداع أو الجودة. كما أنه من المهم تجنب افتراض أن كلاً من ويلز وآيسلندا شاركتا في «يورو 2016» فقط بفضل إقرار نظام الـ24 فريقًا بالبطولة.

الملاحظ أنه في وقت تظهر فيه شكوى من ضخامة أعداد الفرق المشاركة في بطولة كأس العالم أو البطولة الأوروبية، سرعان ما تظهر أصوات مضادة تتهم صاحب الشكوى بالتعالي ضد الفرق الأصغر، وأن الفكرة من وراء إقامة البطولات من الأساس تكمن في منح بعض الفرق فرصة للمنافسة، بجانب أنه من المهم عدم خلق مجموعة مغلقة على نفسها، وأن للجميع الحق في المشاركة. أما النتيجة التي تمخض عنها ذلك، فهي أداء واهن ومتواضع تحت غطاء الانفتاح على الجميع ومنحهم فرص المشاركة.

بطبيعة الحال، من حق الجميع محاولة التأهل لبطولة ما، وإذا كان الفريق جيدًا بما يكفي فسوف ينال فرصة المشاركة بالبطولة المرغوبة. وهنا، علينا الاعتراف بأن ثمة مشكلات في نظام وقواعد التأهل للبطولات الكبرى، لكن تبقى هذه قضية منفصلة.

وبالنظر للتأهل هذه المرة، نجد أن 5 فرق انتهى بها الحال في المركز الثالث بمجموعتها - تركيا وآيرلندا والمجر وأوكرانيا والسويد. ومع كامل احترامنا للفوز الذي أحرزته آيرلندا أمام إيطاليا التي كشف أداؤها أمام إسبانيا في دور الـ16 حجم اللامبالاة الذي أدته خلال مباراتها الأخيرة أمام آيرلندا في دور المجموعات، هل كان أحد ليفتقد حقًا مشاركة آيرلندا في البطولة بخلاف أصحاب الحانات وأطقم التصوير التلفزيونية الساعية لالتقاط صور للجماهير المرحة المزدانة بملابس ملونة لافتة؟ بالنسبة للمجر، فقد كان فريقها جيدًا من حيث التنظيم ولديه ذكاء كاف للتفوق على فريق النمسا الباهت، لكن افتقار المجر الجوهري للجودة انكشف بقسوة في هزيمته على يد بلجيكا بـ4 أهداف من دون مقابل. في الواقع، يبدو فريق المجر أشبه بمجموعة مجمعة من اللاعبين، وليس فريقًا واحدًا متناغمًا.

ومع خسارة 3 فرق أخرى تأهلت بحلولها بالمركز الثاني - اتسمت ألبانيا ورومانيا بأسوأ سجل، بجانب روسيا - ونجد بذلك أنفسنا أمام 15 من بين الفرق الـ16 التي نجحت في اجتياز دور المجموعات (المجر أمام النمسا تمثل الاستثناء الوحيد). ويعني ذلك، أن الفرق التي قدمت أداء جيدًا غير متوقع كانت سوف تتأهل في كل الأحوال. لقد أبلت هذه الفرق بلاءً حسنًا لأنها نجحت في تحسين أدائها على مدار العامين الماضيين، وليس لأن ثمة معجزة ما أصابتها قبل انطلاق البطولة.

ليس عليك سوى الدفع بفريقين يملكان قدرات متباينة في مواجهة بعضهما بعضًا، وستجد حينها أن الفريق الأضعف يلجأ حتمًا إلى الدفاع. ويعد هذا أمرًا طبيعيًا تمامًا، بل هو ما ينبغي على هذه الفرق عمله، لأنه السبيل الوحيد للحصول على أفضل نتيجة ممكنة من المباراة. وينطبق هذا القول على الأندية أيضًا. ويكمن الاختلاف على الساحة الدولية في أن الهياكل الهجومية أقل وضوحًا.

بالنسبة لخطوط الدفاع، فإن التنوع والتباين بينها قليل، ذلك أن غالبية الفرق بمجرد ضغطها على الخصم بادئ الأمر، تعود إلى الاعتماد أساسيًا على صفين من أربعة في الدفاع. وأحيانًا، يوجد لاعب إضافي بكل صف، وفي أحيان أخرى يوجد لاعب بين الصفوف، لكن بصورة أساسية لا تختلف المبادئ العامة للدفاع من فريق لآخر. والملاحظ أن اللاعبين المنتقلين من أندية للمشاركة على الساحة الدولية، يتكيفون مع هذا النظام بسرعة نسبية.

في المقابل، نجد أن الهجمات تتنوع بشدة في شكلها وأسلوبها. والواضح أن التفاهم المتبادل الذي ينبع من تدريبات وممارسة مستمرة يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، بين اللاعبين يغيب حتمًا عن الساحة الدولية. لذا، نجد أن الهجمات تتسم بوتيرة أبطأ ومستوى أقل تعقيدًا ويبدو من الأسهل التصدي لها. والنتيجة أنه على صعيد الكرة الدولية، يبدو الدفاع مهمة أسهل، خصوصًا أن أي فريق يرغب في إحباط خصمه يمكنه القيام بذلك بسهولة أكبر كثيرًا بالاعتماد على فريق وطني عنه بالاعتماد على نادٍ. ويعتبر هذا أيضًا السبب وراء أن الدول التي ازدهرت على الساحة الكروية الدولية على امتداد العقد الماضي اعتمدت في فرقها على مجموعة أساسية من اللاعبين تنتمي لنادٍ أو اثنين - مثل إسبانيا وألمانيا - أو تملك مجموعة من اللاعبين شاركوا معًا في خضم نظام متناغم لفترة طويلة للغاية، بحيث أصبحوا أشبه بفريق يتبع ناديًا - مثلما الحال مع تشيلي.

من جانبه، تمكن مدرب المنتخب الإيطالي أنطونيو كونتي بقاعدته الدفاعية المنتمية لنادي يوفنتوس من التركيز على الهجمات المرتدة. ويشتهر كونتي باعتماده على مجموعة مكررة من التحركات يلجأ إليها عندما يتوافر الوقت المناسب، بل سبق أن تحدث علانية عن محاولته تقليص عدد الخيارات المتاحة في ذهن اللاعب، بهدف تصفية ذهنه على نحو يجعله يسرع من وتيرة اللعب. من ناحيته، فعل مدرب ألمانيا يواخيم لوف أمرًا مماثلاً، عندما كانت ألمانيا أشبه بفريق يعتمد كلية على الهجمات المرتدة عام 2010. وتبدو تأثيرات مجهوده واضحة.

إلا أن المشكلة تكمن في أن بمقدورك شن هجمة مرتدة فقط عندما يهاجمك الخصم. وتكشف الأرقام أن إيطاليا سجلت 16 هدفًا فحسب على مدار 10 مباريات تأهل، رغم مشاركتها في مجموعة تضم مالطة وأذربيجان. وجاء أفضل أداء من جانب إيطاليا أمام بلجيكا وإسبانيا، وهي فرق نشطة تبادر إلى الهجوم. من جهته، أصر مدرب إنجلترا روي هودغسون على أن إنجلترا ستقدم أداء أفضل إذا ما أتيحت أمامها فرصة شن هجمات مرتدة، وهي فكرة تبدو منطقية، لكن لم تتح قط فرصة لاختبار مدى صحتها، بالنظر إلى أن إنجلترا لم تواجه فريقًا يخوض كرة تنافسية تقوم على شن هجمات منذ مباراة سويسرا في سبتمبر (أيلول) 2014، وحتى هنا تحققت الفكرة سالفة الذكر خلال النصف الثاني فقط من المباراة.

الواضح أن انعدام التوازن التنافسي جراء تضخم أعداد الفرق المشاركة بالبطولة أدى لمستوى رديء من كرة القدم. وتفاقم ذلك جراء هيكل للبطولة قضى على وجود أي خطر على مدار جولتين من المباريات، وانعكس ذلك على حالات عدة منها شعور سويسرا ورومانيا بالرضا حيال التعادل الإيجابي بهدف لكل منهما، وسعي سلوفاكيا للخروج بالتعادل من دون أهداف أمام إنجلترا، وكذلك سعي آيرلندا الشمالية للخروج بهزيمة بهدف واحد من دون مقابل أمام ألمانيا.

لقد تسبب الجشع والاستغلال السياسي في تدمير الأدوار الأولى من بطولة كانت تعد الأفضل على مستوى العالم، وحولها لما يشبه مجرد لقاءات بهدف التدريب. الآن، أصبحنا أمام بطولة من 16 فريقًا تخوض تصفيات فيما بينها. إلا أن المشكلة الآن تكمن في أن البطولة تحولت فجأة من أدوار لا تحمل لقاءاتها مخاطرة تذكر على الفرق المشاركة، إلى أدوار تحمل لقاءاتها قدرًا هائلاً من المخاطرة! وعليه، يتضح أن صياغة بطولة حقيقية تضم فرقًا جيدة تنافس بعضها بعضًا كانت آخر ما فكر فيه أي شخص من المسؤولين عن البطولة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة