عبد الجليل: القذافي عرض على الثوار دولة غرب أجدابيا

رئيس المجلس الوطني الليبي السابق يروي لـ {الشرق الأوسط} خلفيات وتفاصيل عن «ثورة فبراير»

المستشار مصطفى عبد الجليل خلال حواره مع د. عادل الطريفي رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
المستشار مصطفى عبد الجليل خلال حواره مع د. عادل الطريفي رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
TT

عبد الجليل: القذافي عرض على الثوار دولة غرب أجدابيا

المستشار مصطفى عبد الجليل خلال حواره مع د. عادل الطريفي رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
المستشار مصطفى عبد الجليل خلال حواره مع د. عادل الطريفي رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

روى المستشار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي السابق في ليبيا، خلال مقابلة مع «الشرق الأوسط» في العاصمة المغربية الرباط، تنشرها الصحيفة على حلقتين، اليوم وغدا، خلفيات وتفاصيل عن ثورة 17فبراير (شباط) 2011. وفي حين أوضح أنه لم يكن ضمن منظومة الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، فإنه قال في مستهل المقابلة إن عائلته كانت تربطها صلات وطيدة بالملك إدريس السنوسي وبالنظام الملكي السابق. وأردف أن انقلاب القذافي كان غير مفرح بالنسبة له ولعائلته، بل شكل كابوسا، وأنهم كانوا منذ البداية على قناعة بأن نظام القذافي لن يكون في صالح الليبيين.
من جهة ثانية، أشار عبد الجليل إلى أن خطاب سيف الإسلام القذافي بعد اندلاع الثورة كان مفاجئا ومخيبا للآمال، وأوضح «كنت أعول على أن يكون خطاب سيف الإسلام متوازنا، ولو خرج به على عامة الشعب كان بإمكانه أن يخلف والده، وتسوى الأمور بشكل ودي ويعلن دستورا حسب متطلبات الناس». وقال إن «ثمة شخصيات محترمة، مثل جاد الله عزوز الطلحي وأبو زيد دوردة، لو جاءت وتولت الأمور بليبيا في ذلك الوقت لقبلت بها المنطقة الشرقية، وتحققت المصالحة».
وتطرق إلى قضية الممرضات البلغاريات اللواتي حقنّ، مع طبيب فلسطيني، الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز، فقال إن القضية كانت صحيحة ولم يلفقها نظام القذافي. وذكر أن العلاقات بين النظام وقطر كانت قوية، وأن السفير القطري في باريس جاء بالتعويضات المالية لأسر الأطفال.

* بالنسبة لك، متى قررت ضرورة الوقوف مع الثورة الليبية؟
- منذ كنت يافعا كانت أسرتي مشمئزة وممتعضة من ذلك الانقلاب الذي جرى عام 1969. نحن في الشرق الليبي كانت تربطنا صلات وطيدة بالملك إدريس السنوسي وبالنظام الملكي السابق، فكان الانقلاب غير مفرح بالنسبة لنا، بل مثّل كابوسا. وكنا منذ البداية على قناعة بأن هذا النظام لن يكون في صالح الليبيين، وبالتالي نشأت في هذه البيئة.
ثم عندما مارست العمل القضائي في عام 1975 بدأت تطرح علينا في القضاء بعض المشكلات الطارئة من خلال تطبيق بعض القوانين التي استحدثت في عهد معمر القذافي، فكانت لدينا كقضاة لليبيا بشكل عام، وقضاة منطقة الجبل الأخضر بشكل خاص، سوابق قضائية في التصدي للكثير من القوانين التي أصدرها القذافي. فمنذ عام 1979 بدأ التعرض للنظام بشكل واضح وجلي من خلال بعض الأحكام. لكننا في الحقيقة لم نتعرض لأي أذى أو ضرر سواء كان شخصيا أو وظيفيا جراء ذلك. وبالتالي، منذ البداية كانت هناك ألفاظ في أسباب الأحكام، وأنا من القضاة الذين أعطاهم الله - سبحانه وتعالى - موهبة تسبيب الأحكام، وهي موهبة أتميز بها عن بقية زملائي. ومنذ ذلك الحين كانت الألفاظ تشير بشكل واضح إلى الفساد الذي رسخه القذافي في ليبيا، ومن ثم لم أكن من المنظومة القذافية.
وحتى عام 2007 عملت رئيسا للمحكمة الابتدائية في البيضاء (شرق)، وقبلها عملت في بنغازي ودرنة، ومن خلال البرنامج الإصلاحي الذي بدأ آنذاك بعدما يئس الليبيون جميعهم من تغيير معمر. وهنا أود الإشارة إلى أنه (أي معمر القذافي) تعرض منذ السنة الأولى لحكمه للكثير من المؤامرات، أولاها كانت بقيادة وزير الداخلية ووزير الدفاع، والاثنان كانا ينتميان للمنطقة الشرقية، بيد أنها لم يكتب لها النجاح، ويقال إنه وقعت أكثر من خمسين حركة ضد القذافي من مؤامرات ومحاولات اغتيال.
إذن عندما يئس الليبيون من إمكانية تغيير نظام القذافي، خاصة أنه أصلح وضعه العالمي من خلال تسوية قضية لوكيربي، ووضع حدا لبرنامجه النووي الذي أراد من خلاله إزعاج العالم، اتجهوا إلى الإصلاح. وبدأ صوت الإصلاح يرتفع من خلال ابن القذافي، سيف، الذي أنشأ صحيفتين حرتين، واحدة في بنغازي وأخرى في طرابلس، تنتقدان الأوضاع في البلاد بشكل علني. كذلك جرى الترخيص للكتّاب أن يعملوا فيهما، وهو ما عُد شيئا جديدا. أيضا جرى التصالح مع «الإخوان المسلمين» وأفرج عنهم جميعا من السجون، كما أفرج عن عدد من السجناء الذين تعهدوا بالكف عن العودة لمثل الأفعال التي اعتقلوا بسببها على الرغم من أن كثيرين منهم لم يوقعوا على هذا التعهد، وظلوا في السجن. آنذاك عُرض علي أن أكون وزيرا للعدل، وسلمت إلي نحو خمسة ملفات هي في أغلبها ملفات مالية، أولها يتعلق بتعويض الليبيين عن إصدار قانون عام 1978 الذي حد من الملكية العقارية، وفرض على كل مواطن أن يختار بيتا واحدا بينما تخضع بقية البيوت لشعار «البيت لساكنه»، أي أن يمتلكها مستأجرها. والثاني متصل بإلغاء الاقتصاد الحر عام 1979، ومعه جرى إلغاء جميع الشركات الخاصة تحت شعار «شركاء لا أجراء»، وتولى العاملون فيها إدارتها بشكل جماعي وأبعد ملاكها. وهكذا بدأ تعويض الأشخاص الذين لحقتهم الأضرار، وشكلت لجان في كل محكمة ابتدائية برئاسة قضاة وعضوية خبراء ماليين ومهندسين لتقدير هذه الأضرار، ومن ثم بدأ ضخ أموال التعويضات على وزارة العدل.
أما الملف الثالث فكان يتعلق بتعويض السجناء الذين ظلوا في السجن لسنوات طويلة من دون أن تدينهم المحاكم القانونية، بل محاكم ثورية لا يعتد بها، ولقد خصص لكل سجين مبلغ مالي شهري، وهناك سجناء أفرج عنهم وعادوا إلى أعمالهم، وصرفت لهم مستحقات مالية بحسب المدة التي أمضوها في السجن، فهناك من منح 1000 دينار عن كل شهر قضاه في السجن، أما السجناء الذين ليست لهم أعمال أو لم يعودوا لممارسة أعمالهم فقد جرى منحهم 2000 دينار عن الشهر الواحد في السجن.
وكان الملف الرابع ذلك الذي يتعلق بمذبحة أبو سليم، الذي كنت أنوي من خلاله الإفصاح عن أسماء شهداء المذبحة التي وقعت عام 1996 بعد تمرد مساجين شبان على الأوضاع في السجن، وقتل بعض الحراس. وبعد مفاوضات قرر القذافي قتل هؤلاء الشبان جميعا. وبالفعل هذا ما حدث خلال ثلاث ساعات، والأمر المؤكد أنه قتل 1269 شابا. وهكذا جرى إبلاغ ذويهم رسميا بمقتلهم.. وفتحنا لهم فرصة لطلب التعويض.. وحددنا التعويض عن كل شهيد بـ200 ألف دينار ليبي، أي ما يعادل 160 ألف دولار تقريبا، وشكلت لهذا الغرض اللجان نفسها التي كانت في المحاكم الابتدائية، وبدأت الأمور تسير قدما إلى الأمام. وأخيرا كانت أيضا قضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، الذين حقنوا دماء أطفال في المنطقة الشرقية بفيروس الإيدز.
* هل كانت القضية الأخيرة حقيقية أم مفتعلة من نظام القذافي؟
- كانت قضية حقيقية وليست مفتعلة من النظام، والممرضات والطبيب حكمت عليهم المحكمة العليا بالإعدام مرتين.
* هل الدم كان ملوثا أم أن الأمر كان مقصودا؟
- حسب اعترافات الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني فإن ما قاموا به كان مقصودا.
* ماذا كان الهدف من ذلك؟
- ماذا أقول لك؟ القذافي في كثير من خطاباته كان يقول لليبيين اذهبوا عن ليبيا التي لا يوجد فيها ماء، اذهبوا إلى أفريقيا جنة الله في الأرض. وعندما يقول له البعض سنذهب إلى أوروبا كان يرد بالقول لا، إن أوروبا «صاقعة عليكم» (باردة عليكم).. إذ كان يهدف من وراء ذلك أن يذهب الليبيون ويأتي بآخرين مطيعين له من آسيا وأفريقيا، فيمنحهم الجنسية الليبية، ويحكم الناس من خلال وضعية أو سياسة معينة.
* كم كلفت ماليا هذه الملفات جميعا؟
- صرفنا عليها نحو مليارين وسبعمائة مليون دينار ليبي.
* وهكذا أصبحت ضمن المنظومة القذافية..؟
- لم أكن في يوم من الأيام ضمن هذه المنظومة، بل بالعكس، وأتذكر أنني عندما اطلعت على كشف قاعدة البيانات التي من خلالها جرى إعلام الأسر التي قتل أبناؤها في مذبحة أبو سليم، أنه كانت هناك أسرة في مصراتة كان منها أربعة أشقاء قتلوا خلال المذبحة، أرسلت لهم بصفتي وزيرا للعدل برقية تعزية وقلت لهم فيها إنهم سوف يكونون شفعاء لهم يوم القيامة مثلما سيكونون شهداء على من كان سببا في قمعهم. لا لم أكن في يوم من الأيام من ضمن هذه المنظومة. زد على ذلك أننا قمنا بتنفيذ الأحكام، فكان أي حكم يصدر من المحاكم يقضي بالتعويضات المالية ننفذه في الحين.. مثلا، كنا ننفذ بشكل فوري أي حكم يقضي بإخلاء السبيل، بمعنى أننا ذهبنا في اتجاه معين، بيد أنني صادفتني بعض الصعاب.
* مثل ماذا؟
- هناك متهمون في قضية اسمها «قضية الجماعة الإسلامية المقاتلة» والتي قضت فيها محكمة الجنايات والمحكمة العليا ببراءة نحو 300 سجين، بيد أن الإفراج عنهم لم ينفذ، فوجهت عدة مراسلات للمؤتمر الشعبي العام (البرلمان) واللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء) لكن أحدا لم ينصع لقرار القضاء. كما أن القذافي وقع أمر الإفراج عن محكومين بالاعدام بعد إدانتهم بالقتل العمد, عندما كان يقول إنه ليس رئيسا للدولة. وقال «هؤلاء الأشخاص يخرجون من السجن حتى وإن لم يتنازل أولياء الدم عن حقوقهم». لقد تحينت الفرصة في المؤتمر الشعبي العام في شهر فبراير (شباط) 2010، وقلت إن هناك بندا في جدول الأعمال يسمى «بند المساءلة»، ولم تكن هناك أي مساءلة لوزارة العدل. أنا طلبت الكلمة، وعبّرت عن استغرابي من كون وزارة العدل لم توجه لها أي مساءلة، خاصة أننا أخفقنا في كثير من المسائل، أولاها أننا لم نجتمع خلال سنتين، وهذا طبعا مخالف لسلطة الشعب، لأنني أتعامل مع رؤساء المحاكم والنيابات من دون أن أجتمع مع أمناء العدل، الذين جرى زرعهم في كل بلدية وفي كل مكون إداري. وقلت أيضا إن هناك أكثر من 300 سجين حكمت المحكمة العليا ببراءتهم ولكن لم يفرج عنهم، وهناك أيضا من صدر في حقهم حكم بالإعدام بعد إدانتهم بالقتل العمد بيد أنهم جرى الإفراج عنهم من دون أن يتنازل أولياء الدم، وبالتالي فإنني أقدم استقالتي لأنني عاجز عن تحقيق العدالة في ليبيا.
بعد نصف ساعة جاء القذافي إلى المؤتمر الشعبي، وواجهني في القاعة قائلا إن وزير العدل لم يختر المكان المناسب ليقول كذا أو كذا، وإنني لم أختر الوقت الصحيح. وزاد قائلا «المتهمون هؤلاء ينتمون إلى تنظيم القاعدة، ولو أفرجنا عنهم ستبدأ التفجيرات في ليبيا، ومن أفرجت عنهم قَتَلوا دفاعا عن أعراضهم وأموالهم، وبالتالي كيف يحكم القضاء بالإعدام على شخص دافع عن عرضه أو ماله أو نفسه؟». عندها ناقشته في سابقة معروفة عند الليبيين، وربما هي التي رفعت من أسهمي عندما اختارني الليبيون لرئاسة المجلس الوطني الانتقالي.
إضافة إلى ما سبق فإن مدينتي البيضاء سقط فيها أول شهيدين في الثورة يوم 16 فبراير، وأيضا جرى إخراج كل السجناء من السجن، وأحرقت المحاكم، وبالتالي لم يكن أمامي بد من أن أنضم إلى الثوار في وقت مبكر. هذه الخلفية هي التي جعلتني أتبوأ هذه المنزلة المتقدمة في الثورة مقارنة مع بقية المسؤولين الليبيين.
* كيف جرى اختيارك لتمثيل الثورة.. وهل كان لديك تواصل مع نشطاء فيها؟
- مدينة البيضاء كانت أول من تحرك.. وشكل الثوار فيها مجلسا محليا كنت أنا رئيسه. ومن ثم اختاروا لجنة لإدارة الأزمة أوكلوها لأساتذة في الجامعة، وخبراء متخصصين. وبعد ذلك بدأت المناطق الشرقية تتحرك، وباشرت تشكيل مجالس محلية تضم بعض الساسة ممن لديهم بعد نظر، مثل (محمود) جبريل و(عبد الرحمن) شلقم، والذين ألحوا على ضرورة تشكيل إطار سياسي يتعامل معه العالم الخارجي، واجتمعت الشخصيات المكونة لهذا الإطار في بنغازي يوم 26 فبراير، أي بعد تسعة أيام من اندلاع الثورة، واختاروني رئيسا للمجلس.
* ما أول القرارات التي اتخذتها عندما تسلمت هذه المسؤولية.. وكيف كانت رؤيتك.. وما الذي كنت تراه ضروريا عمله في ذلك الوقت؟
- كانت الأمور في ذلك الوقت صعبة للغاية. أولا، أمرنا المجالس المحلية في طبرق ودرنة والمرج وبنغازي باختيار ممثليهم، وحددنا يوم الخامس من مارس للاجتماع في بنغازي. وجاء ممثلو هذه المجالس المحلية، وتشكل المجلس الوطني الانتقالي من أحد عشر شخصا يمثلون المجالس المحلية والشباب والمرأة والسجناء السياسيين والعسكريين. وكانت الأولويات كالآتي: الأولوية السياسية، التي تكمن في التعامل مع العالم الخارجي والتواصل معه للحصول على الدعم للمجلس الوطني الانتقالي كمحاور أو كممثل شرعي وحيد للشعب الليبي. والأولوية الاقتصادية، ذلك أننا كنا قد انعزلنا عن المنطقة الغربية بالكامل، وهي المنطقة التي توجد فيها الحكومة.. وكان همنا وشغلنا الشاغل توفير الكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية الأساسية. والأولوية الثالثة تكمن في الموضوع العسكري الداخلي.. طبعا، نحن واجهنا قوات القذافي، وهي قوات رهيبة، بينما لم يكن لدى الثوار السلاح الكافي، وعلى الرغم من ذلك تقدموا نحو الجبهات، وانضم إليهم بعض القادة والضباط في الجيش وكذلك البدو.
* ما هو مقدار الثقة الذي كان لديك في ذلك الوقت بشأن نجاح الثورة؟
- لم يساورني أي شك. كانت لدي رؤى غيبية مفادها أن هذه الثورة ستنجح، وأن القذافي أزفت أيامه، ولم يساورني شك أيضا في أنني سأتعرض في يوم من الأيام لأي ضرر، حتى بعد وفاة القذافي.
* بعدما بدأتم تتعاطون مع الأزمة، هل حاول النظام في وقت من الأوقات أن يتواصل معكم في محاولة منه لإقناعكم بالعدول عن مساركم الجديد؟
- يوم 17 فبراير اتصل بي أمين اللجنة الشعبية العامة (رئيس الوزراء)، وكنت وقتذاك في المنطقة الشرقية، وسألني عما حصل هناك. ففي ذلك اليوم سقط 15 شهيدا في مدينة البيضاء، وقبل ذلك بيوم سقط شهيدان في المدينة. فأعطيته فكرة عن الأوضاع السائدة في ذلك الوقت، وسألني عن طلبات الثوار، فقلت له وقف إطلاق النار، وإخراج المرتزقة، ومنحهم ميدانا للتعبير عن تطلعاتهم.
* سيف الإسلام كان يعرفك في ذلك الوقت.. هل حاول الاتصال بك؟
- حاول الاتصال بي، لكننا لم نتواصل. مدير مكتبي قال لي إن سيف يريد الحديث معي، وسألني هل يتصل به، فكان جوابي اتركه هو من يتصل. لكن سيف الإسلام لم يحاول الاتصال بي مجددا. والحقيقة أنه لا القذافي ولا أولاده يعرفون حقيقة وضعي. الوحيد الذي اتصل به هو رئيس الوزراء (البغدادي المحمودي).
* هل تفاجأت من موقف سيف الإسلام وبعض إخوانه.. من انحيازهم للعائلة؟
- كنت أعول على أن يكون خطاب سيف الإسلام متوازنا، فلو خرج به على عامة الشعب لكان بإمكانه أن يخلف والده، وتسوى الأمور بشكل ودي ويعلن دستورا حسب متطلبات الناس، لأن الناس أصبحوا يرفضون القذافي، ويريدون دستورا وتنمية، وهذه أمور كانت في ذلك الوقت أقرب إلى الواقع من أي شيء آخر. لكن سيف الإسلام خرج بتهديد ووعيد وقال إن البلاد ستقسم. لقد كان خطابا غير متوقع.
* خيب ظنك إذن؟
- طبعا.
* متى أحسستم بأنه أصبح بالإمكان فعلا القضاء على القذافي.. وهل كانت هناك لحظات شك؟
- كما سبق لي القول، لم يساورني أي شك على المستوى الشخصي، على الرغم من العقبات والعراقيل.
* مررتم بلحظة تراجعت فيها بعض قوات مقاتليكم.. كيف كان الشعور حينها، وهل كان هناك من يطالب بالحوار مع النظام لوقف القتال.. أم كنتم مقتنعين بأنه لا يمكن التفاوض معه؟
- كنا نعول في الحقيقة على شخصيات ليبية محترمة، لو جاءت وتولت الأمور في ذلك الوقت لقبلت بها المنطقة الشرقية وتحققت المصالحة، ومنها على سبيل المثال جاد الله عزوز الطلحي الذي كان رئيسا للوزراء كما كان مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة ووزيرا للصناعة، وهو شخص يكن له الليبيون كل التقدير والاحترام. وكان هناك أيضا شخص آخر اسمه أبو زيد دوردة، عمل هو الآخر رئيسا للوزراء ووزيرا للزراعة ومندوبا لليبيا لدى الأمم المتحدة. هاتان الشخصيتان كان يعول عليهما في الشرق الليبي، إذا ما تولى أي منهما أو كلاهما الأمور في ليبيا. في غضون ذلك جاءنا مبعوث الاتحاد الأفريقي وعرض الصلح لكن ليس عن طريق هؤلاء الأشخاص، بل عن طريق تشكيل حكومة ممزوجة بشخصيات يختارها النظام والثوار، لكننا رفضنا هذه الفكرة.
زارنا أيضا مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، عبد الإله الخطيب (وزير خارجية الأردن الأسبق)، ثلاث مرات عارضا موضوع المصالحة. كان هدفنا الأول والأساسي من المصالحة هو مطلب لا يمكن للقذافي أن يقبل به، وهو يكمن في وقف إطلاق النار، وإخراج قواته من طرابلس لإعطاء فرصة لليبيين في العاصمة للتعبير عن تطلعاتهم. قلنا أيضا فليخرج أهل طرابلس، فإن قالوا نحن مع الثورة فليكن، وإن قالوا مع القذافي فليكن. نحن عندها لا يمكننا أن ننفصل عن المنطقة الغربية. بالطبع عرضوا علينا الانفصال على مساحة 40 كيلومترا غرب أجدابيا، فقلنا إن هذا غير ممكن، إلا إذا خرجت الجماهير في طرابلس مؤيدة للقذافي، ولن يكون لدينا مانع حينها.
* حينما قررتم التواصل مع العالم الخارجي، ما هو الانطباع الذي كان لديكم إزاء ما يمكن أن يحدث.. وكيف كانت رؤيتكم لما حدث بعد ذلك بشأن مواقف الدول؟
- لم نكن نتصور من القذافي أن يواجهنا بهذه القوة، ولولا وقوف المجتمع الدولي لما تمكنا من الوصول إلى ما يصبو إليه الليبيون في ذلك الوقت. لقد كان لي أول اتصال مع شخص اسمه خالد من مكتب أمير قطر، وأنا على يقين وأعرف جيدا مدى صلة النظام القطري بالقذافي، خاصة رئيس الوزراء الذي كان على صلة وطيدة به. وفي هذا السياق أعلم جيدا أنه عندما قرر النظام تعويض أسر الأطفال الليبيين المصابين بالإيدز كان التعويض عاليا، وحصل كل طفل على ما يعادل مليون دولار، وهذا مبلغ كبير في ليبيا، ذلك أنه حتى مبلغ مائة ألف دولار يظل مبلغا كبير في ليبيا في ذلك الوقت. مَن أتى بمبلغ التعويضات إلى ليبيا هو السفير القطري في باريس، وباعتباري وزيرا للعدل كانت لدي صورة من مراسلة تتعلق بذلك، إلا أنها للأسف أحرقت بسبب حريق تعرض له مكتبي في طرابلس.
كنت على يقين أيضا بأن النظام الفرنسي كان على علاقة وطيدة بنظام القذافي، فزوجة الرئيس (يومذاك) نيكولا ساركوزي هي التي حضرت إلى طرابلس لتسلم الممرضات عندما تنازل أولياء أمور الأطفال. وبموجب القانون عندما يتنازل ولي الأمر تخفض عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، وهو ما قمنا به كمجلس قضاء مختص. وبموجب اتفاقية قضائية سابقة بين ليبيا وبلغاريا نقلت الممرضات لتمضية بقية عقوبتهن في بلغاريا. نحن لم نكن نتوقع هذا الدور المتقدم في مساندة الثورة الليبية سواء من الحكومة القطرية أو من الحكومة الفرنسية، اللتين كانت لهما الريادة في مناصرتنا. أيضا نسجل لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي دورهم كأول مؤسسة أو أول منظومة سياسية تؤيد الثورة الليبية، من بعد ذلك جاءت جامعة الدول العربية وإيطاليا، وهكذا دواليك.



مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
TT

مشاهير الحوثيين يطالبون بالمال وسط احتدام المعركة الدعائية

ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)
ناشطو الجماعة الحوثية يشكون من تردي أحوالهم المعيشية (أ.ب)

بالتزامن مع احتدام التنافس على التأثير في الرأي العام والمعركة الدعائية الموازية للتصعيد العسكري، اشتكي عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الموالين للجماعة الحوثية في اليمن من تردي أحوالهم المعيشية، وطالبوا بتوفير دعم مالي وخدمات مجانية أو مخفضة، مثيرين نقاشاً بين مؤيدي الجماعة ومناهضيها حول استحقاق الدعم والتهكم على مواقفهم.

وتتجاوز المطالب توفير المال إلى الدعوة لإنشاء إطار مؤسسي ينظم أوضاعهم، وتخفيض تكاليف الإنترنت، وتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، في حين كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن عدداً منهم رفعوا مذكرة احتجاجية إلى قيادات إعلامية في الجماعة، اعترضوا فيها على تراجع المخصصات الممنوحة لهم، مقابل مضاعفتها لآخرين.

وحسب المصادر، فإن المذكرة الاحتجاجية أشارت إلى مضاعفة المستحقات المالية للناشطين والمشاهير المنتمين إلى المناطق التي سيطرت عليها الجماعة أخيراً، بينها مديريات في الساحل الغربي وجنوب محافظة تعز، والذين رافقوا وصول قواتها إلى بلداتهم وقراهم وسعوا للتواصل مع السكان في محاولة لتطبيع الأوضاع.

وبينما عبّر مقدمو المذكرة عن استيائهم مما عدّوه تفاوتاً في توزيع المخصصات المالية، ودعوا إلى إعادة النظر في آلية الدعم، بينت المصادر أن القادة الحوثيين ردّوا عليهم بشكل مباشر بمبررات متعددة، بينها أن الناشطين الذين رافقوا وصول الجماعة إلى مناطقهم يؤدون مهامَّ غاية في الأهمية، وذكَّروهم بالصعوبات المالية التي تواجهها الجماعة.

الجماعة الحوثية جنّدت عدداً كبيراً من مشاهير منصات التواصل لدعم أنشطتها التعبوية (أ.ب)

وتعرضت الجماعة لاستنزاف مواردها بعد عقوبات مالية واقتصادية أميركية عليها، إلى جانب استهداف سلاح الطيران الإسرائيلي عدداً من المنشآت الاقتصادية الخاضعة لسيطرتها، مثل موانئ الحديدة ومصانع الأسمنت.

ولم يتسنَّ للمصادر معرفة تفاصيل المذكرة أو أسماء مقدميها وحجم ونوعية الدعم المطلوب.

أجر لكل منشور

برز في الآونة الأخيرة عدد من الانتقادات لتعامل الجماعة مع إعلامييها والمشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي، وكشف أحدهم، ويُدعى محمد قاطن، عن طريقة التعامل المالي التي باتت الجماعة تنتهجها معهم، بعد أن طالب اللجنة الإعلامية الحوثية في صنعاء ومسؤولين فيها بتخصيص مخصصات شهرية ثابتة، بدلاً من احتساب المقابل المالي لكل منشور على حدة.

وقال الناشط الموالي للجماعة في منشور على «فيسبوك»، إن على الجهات المعنية أن تدعم مشاهير التواصل، أو تنشئ لهم مكتباً إعلامياً أو نقابة تتولى رعاية أوضاعهم، داعياً أيضاً إلى توفير خطوط إنترنت مجانية عبر مؤسسة الاتصالات، أسوةً بما قال إنها امتيازات يحصل عليها موظفون في المؤسسة.

قادة حوثيون سخروا من مطالب الناشطين الموالين لهم بتحسين أوضاعهم (إعلام حوثي)

واشتكى آخر من أن بعض المشاهير يتحملون تكاليف الإنترنت من أموالهم، في حين لا يجدون دعماً يتناسب مع نشاطهم، منتقداً محاسبتهم على المنشورات كما لو أنهم يعملون بنظام اليومية.

ويبين هذا الطرح المفارقة في طبيعة العلاقة بين الجماعة الحوثية ومشاهيرها في منصات التواصل؛ فبدلاً من تقديم الدعم الثابت لهم، يتحدث عن آلية احتساب المقابل وفق المنشور، بما يجعل النشاط أقرب إلى العمل بالقطعة أو الأجر اليومي أو المقاولة.

كما طالب ناشط حوثي آخر، وهو هاشم الحيفي، بتوفير خدمات الإنترنت بأسعار مخفضة أو مجاناً، لكون ذلك لن يشكل عبئاً كبيراً إذا اقتصر على بضع مئات من العاملين في هذا المجال، في حين حذر زميل له من أن عدم الالتفات إلى تلك المطالب سيُضعف الجماعة أمام خصومها إعلامياً وعسكرياً، وسيمكّن الحكومة الشرعية من الوصول إلى «جولة آية»، وهو تقاطع شوارع شهير شمال العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

مطالب متكررة

وصف حسين الأملحي، وهو أحد المشاهير الحوثيين، الجماعة بأنها «أبخل سلطة» تحكم صنعاء، مطالباً بتوفير الأموال للإعلاميين والممثلين والناشطين حتى يتمكنوا من التفرغ للعمل الإعلامي في مواجهة ما وصفه باتساع النشاط الإعلامي المناهض للجماعة.

ودعا إلى إسناد إدارة المنظومة الإعلامية إلى شخص قادر على تشغيلها، مع تخصيص ميزانية مناسبة لها، في انتقاد لطريقة إدارة هذا الملف وحجم الموارد المتاحة له.

وكان الأملحي، وهو أحد أبرز مشاهير الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي، واشتهر باستخدامه عبارات نابية وألفاظاً خارجة عن اللياقة في مهاجمة خصوم الجماعة، قد تعرض قبل عامين للاعتقال لمدة تقارب الشهر، بعد حديثه عن فساد في المحاكم ومؤسسات القضاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

وأيَّد ناشط حوثي يكنّى «أبو غيث» تلك المطالب بالدعوة إلى تخفيض أسعار الإنترنت أو توفير باقات خاصة تتيح للمشاهير التواصل ومواصلة نشاطهم على نفقتهم، مشتكياً من ارتفاع تكلفة الباقات وبطء الخدمة، فضلاً عن ضعف التفاعل مع منشوراته، حتى من خلال الإعجاب أو المشاركة.

وشدّد الناشط المكنَّى أبو طه البدري، على أهمية الحرب النفسية والإعلامية والدعاية في الصراع، داعياً قيادة الجماعة إلى إدراك الدور الذي يؤديه مشاهير مواقع التواصل وتقديم الدعم الكافي لهم، وتوفير الدعم والتمويل اللازمين.

الحوثيون يفضلون دعم الناشطين الميدانيين المرافقين للمقاتلين (إعلام حوثي)

ولاقت مطالب الأملحي تأييداً من بعض الموالين للجماعة، لكنها قوبلت أيضاً بسخرية من آخرين رأوا أن البحث عن مقابل مادي للعمل الإعلامي لا تتناسب مع ما يقدمه المقاتلون في الجبهات، حيث يخسر بعضهم حياتهم، مطالبين مشاهير التواصل بالعمل مجاناً باعتبار ذلك، وفق خطابهم، أحد أشكال الجهاد.

وفي المقابل، سخر عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من هذه المطالب، متهمين أصحابها بتأييد جماعة تحارب اليمنيين وتنهب أموالهم ومقدرات الدولة من دون مقابل، مستغربين أن يقبل هؤلاء على أنفسهم بأداء تلك المهام وباستعداء المجتمع من دون أن يحظوا بامتيازات مالية، ويحصلوا بدلاً عنها على الازدراء.

وشهدت الأشهر الماضية تصاعد شكاوى فنانين وإعلاميين موالين للجماعة من تردي أحوالهم المعيشية، واتهموها بعدم الوفاء بالتزاماتها لهم وتركهم رهناً للمعاناة، مقابل إثراء فاحش لقادتها، وتعرض عدد منهم للاعتقال أو حملات الإساءة بسبب تلك الشكاوى.


«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
TT

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها الجوية والبرية لإنهاك القدرات الحوثية

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية في طريقها لتعزيز جبهات غرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها العاشر، الأربعاء، وسط استمرار المواجهات الأعنف في جبهات محافظة تعز (جنوب غرب)، إضافة إلى جبهات مأرب، والجوف، مع اشتداد الضربات الجوية والبرية التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين المدعومين من إيران، وقطع خطوط إمدادهم، في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية، وموجات النزوح، وتتفاقم الضغوط على المستشفيات، والأسواق، والخدمات الأساسية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2200 عملية استهداف دقيقة، بمشاركة الطيران الحربي، والمسيّر، ومدفعية الميدان، والراجمات، ووحدات القناصة خلال 24 ساعة، وقالت إن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد نحو 1200 عنصر حوثي، وتدمير وإعطاب أكثر من 440 آلية وعربة ووسيلة عسكرية في مختلف محاور القتال.

وأوضح الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، أن العمليات ركزت على مراكز القيادة والسيطرة، والتحصينات، ومصادر النيران، ونقاط المراقبة والاستطلاع، إضافة إلى مناطق الحشد، ومستودعات الأسلحة، والذخائر، ووسائط النقل، والإمداد، والأهداف العسكرية التي وصفها بأنها عالية القيمة.

وأضاف أن القوات الحكومية واصلت تطوير عملياتها الهجومية في الجبهتين الشرقية، والجنوبية، محققة تقدماً ميدانياً تحت إسناد نيراني مكثف، فيما استهدفت الضربات في تعز تجمعات المقاتلين، والتعزيزات الحوثية، بهدف تعطيل قدرتها على إسناد مواقعها، وإعادة تنظيم صفوفها.

وتقول مصادر ميدانية إن الجماعة تتكبد يومياً خسائر بشرية تشمل قتلى، وجرحى، وأسرى، بينهم قيادات ميدانية، حيث تشير التقديرات إلى خسارة الجماعة نحو 15 ألف عنصر بين قتيل وجريح خلال 10 أيام، بينما لا تعلن الجماعة حصيلة شاملة لخسائرها.

معارك متعددة الجبهات

في تعز، تركزت المواجهات خلال الساعات الأخيرة في جبهات جنوب المدينة، وشرقها، وغربها، مع تجدد الاشتباكات في الأقروض، حيث أفادت مصادر عسكرية باندلاع معارك في مناطق الصراري، وذي البرح، وضحيح، عقب محاولات حوثية لمهاجمة مواقع القوات الحكومية.

وقالت المصادر إن القوات الحكومية أجبرت المقاتلين الحوثيين على التراجع من منطقة الصراري في مديرية صبر الموادم، فيما استهدفت غارات جوية تجمعاً ومقراً تابعاً للجماعة في منطقة الحوبان شرقي المدينة.

صورة ليلية لمدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (فيسبوك)

وفي الجبهة الغربية، استمرت المواجهات في محيط جبل هان، والصياحي، وجبل حذران، ضمن نطاق جبهة الضباب المطلة على الطريق الرئيس المؤدي إلى المدينة. وامتدت الاشتباكات إلى جبهتي الشقب، والأقروض جنوب شرقي تعز، وذلك بالتزامن مع احتدام القتال في مناطق المحاولة، والأغابرة ضمن محور الوازعية، جنوب غربي المحافظة، واستمرار المواجهات في جبهة المضاربة بمحافظة لحج المجاورة.

وتعمل وحدات الهندسة العسكرية، وفق البيان الحكومي، على إزالة الألغام والعبوات الناسفة من المواقع المستعادة في الجبهة الغربية، وتأمين الطرق، والممرات، في مسعى لحماية المدنيين، وتسهيل عودتهم إلى المناطق التي غادروها.

قرار مواصلة العملية

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو هدفها المعلن المتمثل في إنهاء انقلاب الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية.

وقال العليمي، في خطاب بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، إن القوات المسلحة حققت أداءً جيداً منذ انطلاق العملية، وإن التغيرات المؤقتة على الأرض لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها، بدعم من الأشقاء، والأصدقاء.

مدير شرطة تعز يتفقد الأوضاع الأمنية في المدينة (إعلام حكومي)

وأضاف أن التهديد الحوثي لا يقتصر على محافظة أو منطقة بعينها، بل يمتد إلى أمن اليمنيين، ومستقبلهم في الشمال، والجنوب، مشدداً على أن ما يجري في تعز ومأرب يرتبط بأمن عدن، وحضرموت، وسائر المحافظات.

وبرر العليمي إطلاق العملية باستنفاد فرص التهدئة، واستمرار الهجمات الحوثية على المدن، والقرى، ودول الجوار، والممرات المائية الدولية، مؤكداً أن قرار استعادة مؤسسات الدولة نافذ، ولا رجعة عنه.

تحذيرات إنسانية

تزامن اتساع العمليات العسكرية مع تحذيرات دولية من تداعياتها على المدنيين، خصوصاً في ظل ارتفاع أعداد الجرحى، والنازحين، وتراجع قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الأربعاء، إن المستشفيات في أنحاء اليمن تواجه صعوبات متزايدة في التعامل مع الارتفاع الحاد في أعداد المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن بعض المرافق الصحية الواقعة على خطوط المواجهة في مأرب وتعز وساحل البحر الأحمر استقبلت أكثر من 700 مصاب خلال أسبوع واحد.

أشخاص يركبون دراجة نارية ينظرون إلى الدخان الأسود بعد ضرب موقع للحوثيين في الحديدة (رويترز)

وقال فراس أبو سمرة، منسق قسم الصحة في اللجنة، إن أطقم الرعاية الطبية تتعرض لضغوط هائلة، في وقت لا تستطيع فيه سوى نسبة ضئيلة من المرافق الصحية العاملة توفير رعاية متكاملة للمصابين.

وحذرت المنظمة من نقص المستلزمات الجراحية، والتخدير، والأكسجين، والأدوية، ومن محدودية قدرة النظام الصحي المنهك على استيعاب موجة جديدة من الإصابات الجماعية إذا اتسعت المواجهات.

وفي ملف النزوح، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأنها رصدت 217 ألفاً و303 نازحين، يمثلون 36 ألفاً و216 أسرة، حتى 12 أكتوبر الحالي. ويتركز نحو 55 في المائة من النازحين في محافظة تعز، فيما سجلت لحج أكثر من 45 ألف متضرر، وعدن أكثر من 26 ألفاً.

ولا تقتصر التداعيات على النزوح، والإصابات؛ إذ حذرت الأمم المتحدة من تراجع الإمدادات الأساسية في مدينة تعز، مع احتمال نفاد مخزونات القمح والدقيق خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وفق إفادات شركائها في المجال الإنساني.

تحذيرات أممية من نقص الغذاء في مدنية تعز جراء حصار الحوثيين (رويترز)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوغاريك، إن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بنحو 50 في المائة، فيما بلغت أسعار البنزين ثلاثة أمثال مستوياتها السابقة، وأصبح غاز الطهي غير متاح إلى حد كبير. كما أدى نقص الوقود إلى تهديد إمدادات المياه، وسط اكتظاظ مواقع النزوح، ومحدودية الحصول على المياه النظيفة، وضعف الخدمات الصحية.

وتزيد هذه الظروف من مخاطر تدهور الأمن الغذائي والصحي في مدينة يقطنها أكثر من 1.5 مليون نسمة، وتعاني منذ سنوات قيوداً حوثية على الحركة، والإمدادات، بسبب الحصار المفروض على منافذها.


تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

تعز تواجه الهجوم الحوثي والحصار بتعبئة حكومية وإنسانية

أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
أشخاص ينقلون دقيق القمح من على متن شاحنة في تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

اتسعت تداعيات المواجهات العسكرية والحصار الحوثي لمدينة تعز (جنوب غربي اليمن) لتشمل الأوضاع المعيشية والخدمية، مع تجدد التحذيرات من تفاقم الاحتياجات الإنسانية، وتعثر وصول إمدادات الغاز المنزلي، في وقت تتحرك فيه الحكومة والسلطة المحلية لحماية استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية، بالتزامن مع استمرار عملية «فجر اليمن».

وفيما دعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المنظمات الإنسانية والجهات الدولية والمحلية إلى تكثيف تدخلاتها لتلبية احتياجات السكان، حذّر مكتب الشركة اليمنية للغاز في تعز من تداعيات منع وصول الإمدادات إلى المدينة، معتبراً أن استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلة للضغط على المواطنين يفاقم الأعباء المعيشية في محافظة تعاني، وفق السلطات المحلية، من سنوات الحرب والحصار وتدهور الخدمات.

وأدان مكتب الشركة اليمنية للغاز في تعز منع الجماعة الحوثية وصول إمدادات الغاز المنزلي إلى المدينة، محذراً من انعكاس ذلك على الأسر في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

المدخل الغربي لمدينة تعز حيث يضغط الحوثيين للتوغل في المدينة (فيسبوك)

وأكد المكتب، في بيان، أن الغاز من الاحتياجات الأساسية للمواطنين، مطالباً برفع القيود والعوائق التي تحول دون وصوله بصورة منتظمة وآمنة، وداعياً المنظمات الحقوقية والإنسانية والجهات المعنية إلى التدخل والضغط لإنهاء الأزمة وضمان استمرار تدفق الغاز وسائر الاحتياجات الأساسية.

وفي سياق متصل، وجهت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مناشدة عاجلة إلى المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية والجمعيات والمؤسسات المحلية والخارجية، وشركائها من القطاع الخاص، للتحرك لتخفيف معاناة السكان والاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

وقالت الوزارة إن الأوضاع الإنسانية تشهد تدهوراً متسارعاً، وإن الاحتياجات الأساسية تتفاقم، خصوصاً بين الفئات الأشد ضعفاً، في ظل الحصار الذي تتهم الجماعة الحوثية بفرضه على المدينة.

ودعت إلى توفير المساعدات الغذائية والإيوائية والصحية والمياه والإمدادات الأساسية، وتكثيف برامج الحماية الاجتماعية، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر الأشد فقراً وتضرراً.

وشددت على ضرورة تنسيق التدخلات بين المنظمات والجهات الحكومية والسلطات المحلية والقطاع الخاص، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وتجنب ازدواجية توزيعها، والاستفادة من الموارد المتاحة في تلبية الاحتياجات العاجلة.

الحكومة تتحرك اقتصادياً

في العاصمة المؤقتة عدن، شدد رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني على أن التطورات المتسارعة لعملية «فجر اليمن» تستدعي توحيد الجهود لحماية الجبهة الاقتصادية وضمان تدفق السلع الأساسية واستمرار النشاط التجاري وتأمين احتياجات المواطنين.

وقال الزنداني، خلال لقائه ممثلين عن القطاع الخاص برئاسة نائب رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية ورئيس غرفة تجارة عدن أبو بكر باعبيد، إن مسؤولية استعادة مؤسسات الدولة لا تنفصل عن حماية معيشة السكان واستقرار الأسواق.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني خلال اجتماع في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

وأوضح أن الحكومة تعمل بالتوازي على إسناد جهود استعادة مؤسسات الدولة ومواصلة الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية والخدمية والمعيشية، مؤكداً أهمية توفير الغذاء والدواء والوقود بأسعار عادلة، وعدم استغلال ظروف المواجهات للاحتكار أو رفع الأسعار.

ودعا رئيس الوزراء القطاع الخاص إلى الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري والإسهام في استقرار الأسواق والالتزام بالشفافية في التعاملات والأسعار، محذراً من ممارسات من شأنها زيادة الأعباء على المواطنين.

وفي المقابل، أقرّ الزنداني بحجم الضغوط التي تواجه الأنشطة التجارية نتيجة التطورات العسكرية والأمنية، وما تفرضه من تحديات على النقل والإمداد وتكاليف الاستيراد، مجدداً التزام الحكومة بالتواصل مع ممثلي القطاع الخاص والعمل مع الوزارات والجهات المختصة لمعالجة الصعوبات.

واستعرض ممثلو القطاع الخاص التحديات التي تواجه الأنشطة التجارية، إلى جانب مقترحات لتسهيل الإمدادات وتحسين الشراكة مع الحكومة، مؤكدين أهمية استمرار التشاور لتخفيف الأعباء عن القطاعين الإنتاجي والتجاري وحماية مصالح المواطنين والاقتصاد الوطني.

الخدمات تحت الضغط

على المستوى المحلي، عقد محافظ تعز نبيل شمسان اجتماعاً موسعاً مع قيادات السلطة المحلية والمكاتب التنفيذية ومديري المديريات، لمناقشة المستجدات العسكرية والخدمية والإنسانية، مؤكداً أن صمود أبناء المحافظة يمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة مؤسسات الدولة.

وأشاد شمسان بتضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، مشيراً إلى أن سنوات الحرب والحصار وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية فاقمت معاناة السكان، في وقت تتواصل فيه الهجمات على الأحياء السكنية، وفق ما ذكره.

ووجّه المحافظ برفع مستوى الأداء المؤسسي والانضباط الوظيفي، وتعزيز التنسيق بين الجهات التنفيذية، ومحاسبة المقصرين وفقاً للقانون، مع إعطاء الأولوية لقطاعات المياه والصحة والنظافة والتعليم والكهرباء والطرق.

جانب من اجتماع للسلطة المحلية في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)

كما دعا إلى تكثيف الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وحصر أضرار القصف، ومتابعة أوضاع الجرحى وأسر القتلى والضحايا المدنيين، وضمان توجيه المساعدات المتاحة إلى مستحقيها بعدالة وشفافية.

وأكد ضرورة توثيق الانتهاكات ومتابعة أوضاع المتضررين وإيصال معاناتهم إلى الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية والحقوقية، إلى جانب تعزيز حضور مؤسسات الدولة والاستماع إلى شكاوى المواطنين.

من جانبه، قال وكيل المحافظة لشؤون الخدمات رشاد الأكحلي إن النزول الميداني والرقابة على التجار مستمران، مشيراً إلى استقرار الوضع التمويني وتوافر الدقيق بكميات كافية، مع استمرار التواصل مع الجهات المعنية لتأمين المشتقات النفطية والمواد الأساسية.

بدورها، أوضحت وكيلة المحافظة للشؤون الصحية إيلان عبدالحق أن الجهود تتواصل لدعم المستشفيات وتأمين المحاليل الطبية ومحاليل الغسيل الكلوي والأدوية الضرورية، في ظل الحصار وتزايد الحالات الحرجة.