عبد الجليل: القذافي عرض على الثوار دولة غرب أجدابيا

رئيس المجلس الوطني الليبي السابق يروي لـ {الشرق الأوسط} خلفيات وتفاصيل عن «ثورة فبراير»

المستشار مصطفى عبد الجليل خلال حواره مع د. عادل الطريفي رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
المستشار مصطفى عبد الجليل خلال حواره مع د. عادل الطريفي رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
TT

عبد الجليل: القذافي عرض على الثوار دولة غرب أجدابيا

المستشار مصطفى عبد الجليل خلال حواره مع د. عادل الطريفي رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
المستشار مصطفى عبد الجليل خلال حواره مع د. عادل الطريفي رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

روى المستشار مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي السابق في ليبيا، خلال مقابلة مع «الشرق الأوسط» في العاصمة المغربية الرباط، تنشرها الصحيفة على حلقتين، اليوم وغدا، خلفيات وتفاصيل عن ثورة 17فبراير (شباط) 2011. وفي حين أوضح أنه لم يكن ضمن منظومة الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، فإنه قال في مستهل المقابلة إن عائلته كانت تربطها صلات وطيدة بالملك إدريس السنوسي وبالنظام الملكي السابق. وأردف أن انقلاب القذافي كان غير مفرح بالنسبة له ولعائلته، بل شكل كابوسا، وأنهم كانوا منذ البداية على قناعة بأن نظام القذافي لن يكون في صالح الليبيين.
من جهة ثانية، أشار عبد الجليل إلى أن خطاب سيف الإسلام القذافي بعد اندلاع الثورة كان مفاجئا ومخيبا للآمال، وأوضح «كنت أعول على أن يكون خطاب سيف الإسلام متوازنا، ولو خرج به على عامة الشعب كان بإمكانه أن يخلف والده، وتسوى الأمور بشكل ودي ويعلن دستورا حسب متطلبات الناس». وقال إن «ثمة شخصيات محترمة، مثل جاد الله عزوز الطلحي وأبو زيد دوردة، لو جاءت وتولت الأمور بليبيا في ذلك الوقت لقبلت بها المنطقة الشرقية، وتحققت المصالحة».
وتطرق إلى قضية الممرضات البلغاريات اللواتي حقنّ، مع طبيب فلسطيني، الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز، فقال إن القضية كانت صحيحة ولم يلفقها نظام القذافي. وذكر أن العلاقات بين النظام وقطر كانت قوية، وأن السفير القطري في باريس جاء بالتعويضات المالية لأسر الأطفال.

* بالنسبة لك، متى قررت ضرورة الوقوف مع الثورة الليبية؟
- منذ كنت يافعا كانت أسرتي مشمئزة وممتعضة من ذلك الانقلاب الذي جرى عام 1969. نحن في الشرق الليبي كانت تربطنا صلات وطيدة بالملك إدريس السنوسي وبالنظام الملكي السابق، فكان الانقلاب غير مفرح بالنسبة لنا، بل مثّل كابوسا. وكنا منذ البداية على قناعة بأن هذا النظام لن يكون في صالح الليبيين، وبالتالي نشأت في هذه البيئة.
ثم عندما مارست العمل القضائي في عام 1975 بدأت تطرح علينا في القضاء بعض المشكلات الطارئة من خلال تطبيق بعض القوانين التي استحدثت في عهد معمر القذافي، فكانت لدينا كقضاة لليبيا بشكل عام، وقضاة منطقة الجبل الأخضر بشكل خاص، سوابق قضائية في التصدي للكثير من القوانين التي أصدرها القذافي. فمنذ عام 1979 بدأ التعرض للنظام بشكل واضح وجلي من خلال بعض الأحكام. لكننا في الحقيقة لم نتعرض لأي أذى أو ضرر سواء كان شخصيا أو وظيفيا جراء ذلك. وبالتالي، منذ البداية كانت هناك ألفاظ في أسباب الأحكام، وأنا من القضاة الذين أعطاهم الله - سبحانه وتعالى - موهبة تسبيب الأحكام، وهي موهبة أتميز بها عن بقية زملائي. ومنذ ذلك الحين كانت الألفاظ تشير بشكل واضح إلى الفساد الذي رسخه القذافي في ليبيا، ومن ثم لم أكن من المنظومة القذافية.
وحتى عام 2007 عملت رئيسا للمحكمة الابتدائية في البيضاء (شرق)، وقبلها عملت في بنغازي ودرنة، ومن خلال البرنامج الإصلاحي الذي بدأ آنذاك بعدما يئس الليبيون جميعهم من تغيير معمر. وهنا أود الإشارة إلى أنه (أي معمر القذافي) تعرض منذ السنة الأولى لحكمه للكثير من المؤامرات، أولاها كانت بقيادة وزير الداخلية ووزير الدفاع، والاثنان كانا ينتميان للمنطقة الشرقية، بيد أنها لم يكتب لها النجاح، ويقال إنه وقعت أكثر من خمسين حركة ضد القذافي من مؤامرات ومحاولات اغتيال.
إذن عندما يئس الليبيون من إمكانية تغيير نظام القذافي، خاصة أنه أصلح وضعه العالمي من خلال تسوية قضية لوكيربي، ووضع حدا لبرنامجه النووي الذي أراد من خلاله إزعاج العالم، اتجهوا إلى الإصلاح. وبدأ صوت الإصلاح يرتفع من خلال ابن القذافي، سيف، الذي أنشأ صحيفتين حرتين، واحدة في بنغازي وأخرى في طرابلس، تنتقدان الأوضاع في البلاد بشكل علني. كذلك جرى الترخيص للكتّاب أن يعملوا فيهما، وهو ما عُد شيئا جديدا. أيضا جرى التصالح مع «الإخوان المسلمين» وأفرج عنهم جميعا من السجون، كما أفرج عن عدد من السجناء الذين تعهدوا بالكف عن العودة لمثل الأفعال التي اعتقلوا بسببها على الرغم من أن كثيرين منهم لم يوقعوا على هذا التعهد، وظلوا في السجن. آنذاك عُرض علي أن أكون وزيرا للعدل، وسلمت إلي نحو خمسة ملفات هي في أغلبها ملفات مالية، أولها يتعلق بتعويض الليبيين عن إصدار قانون عام 1978 الذي حد من الملكية العقارية، وفرض على كل مواطن أن يختار بيتا واحدا بينما تخضع بقية البيوت لشعار «البيت لساكنه»، أي أن يمتلكها مستأجرها. والثاني متصل بإلغاء الاقتصاد الحر عام 1979، ومعه جرى إلغاء جميع الشركات الخاصة تحت شعار «شركاء لا أجراء»، وتولى العاملون فيها إدارتها بشكل جماعي وأبعد ملاكها. وهكذا بدأ تعويض الأشخاص الذين لحقتهم الأضرار، وشكلت لجان في كل محكمة ابتدائية برئاسة قضاة وعضوية خبراء ماليين ومهندسين لتقدير هذه الأضرار، ومن ثم بدأ ضخ أموال التعويضات على وزارة العدل.
أما الملف الثالث فكان يتعلق بتعويض السجناء الذين ظلوا في السجن لسنوات طويلة من دون أن تدينهم المحاكم القانونية، بل محاكم ثورية لا يعتد بها، ولقد خصص لكل سجين مبلغ مالي شهري، وهناك سجناء أفرج عنهم وعادوا إلى أعمالهم، وصرفت لهم مستحقات مالية بحسب المدة التي أمضوها في السجن، فهناك من منح 1000 دينار عن كل شهر قضاه في السجن، أما السجناء الذين ليست لهم أعمال أو لم يعودوا لممارسة أعمالهم فقد جرى منحهم 2000 دينار عن الشهر الواحد في السجن.
وكان الملف الرابع ذلك الذي يتعلق بمذبحة أبو سليم، الذي كنت أنوي من خلاله الإفصاح عن أسماء شهداء المذبحة التي وقعت عام 1996 بعد تمرد مساجين شبان على الأوضاع في السجن، وقتل بعض الحراس. وبعد مفاوضات قرر القذافي قتل هؤلاء الشبان جميعا. وبالفعل هذا ما حدث خلال ثلاث ساعات، والأمر المؤكد أنه قتل 1269 شابا. وهكذا جرى إبلاغ ذويهم رسميا بمقتلهم.. وفتحنا لهم فرصة لطلب التعويض.. وحددنا التعويض عن كل شهيد بـ200 ألف دينار ليبي، أي ما يعادل 160 ألف دولار تقريبا، وشكلت لهذا الغرض اللجان نفسها التي كانت في المحاكم الابتدائية، وبدأت الأمور تسير قدما إلى الأمام. وأخيرا كانت أيضا قضية الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، الذين حقنوا دماء أطفال في المنطقة الشرقية بفيروس الإيدز.
* هل كانت القضية الأخيرة حقيقية أم مفتعلة من نظام القذافي؟
- كانت قضية حقيقية وليست مفتعلة من النظام، والممرضات والطبيب حكمت عليهم المحكمة العليا بالإعدام مرتين.
* هل الدم كان ملوثا أم أن الأمر كان مقصودا؟
- حسب اعترافات الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني فإن ما قاموا به كان مقصودا.
* ماذا كان الهدف من ذلك؟
- ماذا أقول لك؟ القذافي في كثير من خطاباته كان يقول لليبيين اذهبوا عن ليبيا التي لا يوجد فيها ماء، اذهبوا إلى أفريقيا جنة الله في الأرض. وعندما يقول له البعض سنذهب إلى أوروبا كان يرد بالقول لا، إن أوروبا «صاقعة عليكم» (باردة عليكم).. إذ كان يهدف من وراء ذلك أن يذهب الليبيون ويأتي بآخرين مطيعين له من آسيا وأفريقيا، فيمنحهم الجنسية الليبية، ويحكم الناس من خلال وضعية أو سياسة معينة.
* كم كلفت ماليا هذه الملفات جميعا؟
- صرفنا عليها نحو مليارين وسبعمائة مليون دينار ليبي.
* وهكذا أصبحت ضمن المنظومة القذافية..؟
- لم أكن في يوم من الأيام ضمن هذه المنظومة، بل بالعكس، وأتذكر أنني عندما اطلعت على كشف قاعدة البيانات التي من خلالها جرى إعلام الأسر التي قتل أبناؤها في مذبحة أبو سليم، أنه كانت هناك أسرة في مصراتة كان منها أربعة أشقاء قتلوا خلال المذبحة، أرسلت لهم بصفتي وزيرا للعدل برقية تعزية وقلت لهم فيها إنهم سوف يكونون شفعاء لهم يوم القيامة مثلما سيكونون شهداء على من كان سببا في قمعهم. لا لم أكن في يوم من الأيام من ضمن هذه المنظومة. زد على ذلك أننا قمنا بتنفيذ الأحكام، فكان أي حكم يصدر من المحاكم يقضي بالتعويضات المالية ننفذه في الحين.. مثلا، كنا ننفذ بشكل فوري أي حكم يقضي بإخلاء السبيل، بمعنى أننا ذهبنا في اتجاه معين، بيد أنني صادفتني بعض الصعاب.
* مثل ماذا؟
- هناك متهمون في قضية اسمها «قضية الجماعة الإسلامية المقاتلة» والتي قضت فيها محكمة الجنايات والمحكمة العليا ببراءة نحو 300 سجين، بيد أن الإفراج عنهم لم ينفذ، فوجهت عدة مراسلات للمؤتمر الشعبي العام (البرلمان) واللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء) لكن أحدا لم ينصع لقرار القضاء. كما أن القذافي وقع أمر الإفراج عن محكومين بالاعدام بعد إدانتهم بالقتل العمد, عندما كان يقول إنه ليس رئيسا للدولة. وقال «هؤلاء الأشخاص يخرجون من السجن حتى وإن لم يتنازل أولياء الدم عن حقوقهم». لقد تحينت الفرصة في المؤتمر الشعبي العام في شهر فبراير (شباط) 2010، وقلت إن هناك بندا في جدول الأعمال يسمى «بند المساءلة»، ولم تكن هناك أي مساءلة لوزارة العدل. أنا طلبت الكلمة، وعبّرت عن استغرابي من كون وزارة العدل لم توجه لها أي مساءلة، خاصة أننا أخفقنا في كثير من المسائل، أولاها أننا لم نجتمع خلال سنتين، وهذا طبعا مخالف لسلطة الشعب، لأنني أتعامل مع رؤساء المحاكم والنيابات من دون أن أجتمع مع أمناء العدل، الذين جرى زرعهم في كل بلدية وفي كل مكون إداري. وقلت أيضا إن هناك أكثر من 300 سجين حكمت المحكمة العليا ببراءتهم ولكن لم يفرج عنهم، وهناك أيضا من صدر في حقهم حكم بالإعدام بعد إدانتهم بالقتل العمد بيد أنهم جرى الإفراج عنهم من دون أن يتنازل أولياء الدم، وبالتالي فإنني أقدم استقالتي لأنني عاجز عن تحقيق العدالة في ليبيا.
بعد نصف ساعة جاء القذافي إلى المؤتمر الشعبي، وواجهني في القاعة قائلا إن وزير العدل لم يختر المكان المناسب ليقول كذا أو كذا، وإنني لم أختر الوقت الصحيح. وزاد قائلا «المتهمون هؤلاء ينتمون إلى تنظيم القاعدة، ولو أفرجنا عنهم ستبدأ التفجيرات في ليبيا، ومن أفرجت عنهم قَتَلوا دفاعا عن أعراضهم وأموالهم، وبالتالي كيف يحكم القضاء بالإعدام على شخص دافع عن عرضه أو ماله أو نفسه؟». عندها ناقشته في سابقة معروفة عند الليبيين، وربما هي التي رفعت من أسهمي عندما اختارني الليبيون لرئاسة المجلس الوطني الانتقالي.
إضافة إلى ما سبق فإن مدينتي البيضاء سقط فيها أول شهيدين في الثورة يوم 16 فبراير، وأيضا جرى إخراج كل السجناء من السجن، وأحرقت المحاكم، وبالتالي لم يكن أمامي بد من أن أنضم إلى الثوار في وقت مبكر. هذه الخلفية هي التي جعلتني أتبوأ هذه المنزلة المتقدمة في الثورة مقارنة مع بقية المسؤولين الليبيين.
* كيف جرى اختيارك لتمثيل الثورة.. وهل كان لديك تواصل مع نشطاء فيها؟
- مدينة البيضاء كانت أول من تحرك.. وشكل الثوار فيها مجلسا محليا كنت أنا رئيسه. ومن ثم اختاروا لجنة لإدارة الأزمة أوكلوها لأساتذة في الجامعة، وخبراء متخصصين. وبعد ذلك بدأت المناطق الشرقية تتحرك، وباشرت تشكيل مجالس محلية تضم بعض الساسة ممن لديهم بعد نظر، مثل (محمود) جبريل و(عبد الرحمن) شلقم، والذين ألحوا على ضرورة تشكيل إطار سياسي يتعامل معه العالم الخارجي، واجتمعت الشخصيات المكونة لهذا الإطار في بنغازي يوم 26 فبراير، أي بعد تسعة أيام من اندلاع الثورة، واختاروني رئيسا للمجلس.
* ما أول القرارات التي اتخذتها عندما تسلمت هذه المسؤولية.. وكيف كانت رؤيتك.. وما الذي كنت تراه ضروريا عمله في ذلك الوقت؟
- كانت الأمور في ذلك الوقت صعبة للغاية. أولا، أمرنا المجالس المحلية في طبرق ودرنة والمرج وبنغازي باختيار ممثليهم، وحددنا يوم الخامس من مارس للاجتماع في بنغازي. وجاء ممثلو هذه المجالس المحلية، وتشكل المجلس الوطني الانتقالي من أحد عشر شخصا يمثلون المجالس المحلية والشباب والمرأة والسجناء السياسيين والعسكريين. وكانت الأولويات كالآتي: الأولوية السياسية، التي تكمن في التعامل مع العالم الخارجي والتواصل معه للحصول على الدعم للمجلس الوطني الانتقالي كمحاور أو كممثل شرعي وحيد للشعب الليبي. والأولوية الاقتصادية، ذلك أننا كنا قد انعزلنا عن المنطقة الغربية بالكامل، وهي المنطقة التي توجد فيها الحكومة.. وكان همنا وشغلنا الشاغل توفير الكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية الأساسية. والأولوية الثالثة تكمن في الموضوع العسكري الداخلي.. طبعا، نحن واجهنا قوات القذافي، وهي قوات رهيبة، بينما لم يكن لدى الثوار السلاح الكافي، وعلى الرغم من ذلك تقدموا نحو الجبهات، وانضم إليهم بعض القادة والضباط في الجيش وكذلك البدو.
* ما هو مقدار الثقة الذي كان لديك في ذلك الوقت بشأن نجاح الثورة؟
- لم يساورني أي شك. كانت لدي رؤى غيبية مفادها أن هذه الثورة ستنجح، وأن القذافي أزفت أيامه، ولم يساورني شك أيضا في أنني سأتعرض في يوم من الأيام لأي ضرر، حتى بعد وفاة القذافي.
* بعدما بدأتم تتعاطون مع الأزمة، هل حاول النظام في وقت من الأوقات أن يتواصل معكم في محاولة منه لإقناعكم بالعدول عن مساركم الجديد؟
- يوم 17 فبراير اتصل بي أمين اللجنة الشعبية العامة (رئيس الوزراء)، وكنت وقتذاك في المنطقة الشرقية، وسألني عما حصل هناك. ففي ذلك اليوم سقط 15 شهيدا في مدينة البيضاء، وقبل ذلك بيوم سقط شهيدان في المدينة. فأعطيته فكرة عن الأوضاع السائدة في ذلك الوقت، وسألني عن طلبات الثوار، فقلت له وقف إطلاق النار، وإخراج المرتزقة، ومنحهم ميدانا للتعبير عن تطلعاتهم.
* سيف الإسلام كان يعرفك في ذلك الوقت.. هل حاول الاتصال بك؟
- حاول الاتصال بي، لكننا لم نتواصل. مدير مكتبي قال لي إن سيف يريد الحديث معي، وسألني هل يتصل به، فكان جوابي اتركه هو من يتصل. لكن سيف الإسلام لم يحاول الاتصال بي مجددا. والحقيقة أنه لا القذافي ولا أولاده يعرفون حقيقة وضعي. الوحيد الذي اتصل به هو رئيس الوزراء (البغدادي المحمودي).
* هل تفاجأت من موقف سيف الإسلام وبعض إخوانه.. من انحيازهم للعائلة؟
- كنت أعول على أن يكون خطاب سيف الإسلام متوازنا، فلو خرج به على عامة الشعب لكان بإمكانه أن يخلف والده، وتسوى الأمور بشكل ودي ويعلن دستورا حسب متطلبات الناس، لأن الناس أصبحوا يرفضون القذافي، ويريدون دستورا وتنمية، وهذه أمور كانت في ذلك الوقت أقرب إلى الواقع من أي شيء آخر. لكن سيف الإسلام خرج بتهديد ووعيد وقال إن البلاد ستقسم. لقد كان خطابا غير متوقع.
* خيب ظنك إذن؟
- طبعا.
* متى أحسستم بأنه أصبح بالإمكان فعلا القضاء على القذافي.. وهل كانت هناك لحظات شك؟
- كما سبق لي القول، لم يساورني أي شك على المستوى الشخصي، على الرغم من العقبات والعراقيل.
* مررتم بلحظة تراجعت فيها بعض قوات مقاتليكم.. كيف كان الشعور حينها، وهل كان هناك من يطالب بالحوار مع النظام لوقف القتال.. أم كنتم مقتنعين بأنه لا يمكن التفاوض معه؟
- كنا نعول في الحقيقة على شخصيات ليبية محترمة، لو جاءت وتولت الأمور في ذلك الوقت لقبلت بها المنطقة الشرقية وتحققت المصالحة، ومنها على سبيل المثال جاد الله عزوز الطلحي الذي كان رئيسا للوزراء كما كان مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة ووزيرا للصناعة، وهو شخص يكن له الليبيون كل التقدير والاحترام. وكان هناك أيضا شخص آخر اسمه أبو زيد دوردة، عمل هو الآخر رئيسا للوزراء ووزيرا للزراعة ومندوبا لليبيا لدى الأمم المتحدة. هاتان الشخصيتان كان يعول عليهما في الشرق الليبي، إذا ما تولى أي منهما أو كلاهما الأمور في ليبيا. في غضون ذلك جاءنا مبعوث الاتحاد الأفريقي وعرض الصلح لكن ليس عن طريق هؤلاء الأشخاص، بل عن طريق تشكيل حكومة ممزوجة بشخصيات يختارها النظام والثوار، لكننا رفضنا هذه الفكرة.
زارنا أيضا مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، عبد الإله الخطيب (وزير خارجية الأردن الأسبق)، ثلاث مرات عارضا موضوع المصالحة. كان هدفنا الأول والأساسي من المصالحة هو مطلب لا يمكن للقذافي أن يقبل به، وهو يكمن في وقف إطلاق النار، وإخراج قواته من طرابلس لإعطاء فرصة لليبيين في العاصمة للتعبير عن تطلعاتهم. قلنا أيضا فليخرج أهل طرابلس، فإن قالوا نحن مع الثورة فليكن، وإن قالوا مع القذافي فليكن. نحن عندها لا يمكننا أن ننفصل عن المنطقة الغربية. بالطبع عرضوا علينا الانفصال على مساحة 40 كيلومترا غرب أجدابيا، فقلنا إن هذا غير ممكن، إلا إذا خرجت الجماهير في طرابلس مؤيدة للقذافي، ولن يكون لدينا مانع حينها.
* حينما قررتم التواصل مع العالم الخارجي، ما هو الانطباع الذي كان لديكم إزاء ما يمكن أن يحدث.. وكيف كانت رؤيتكم لما حدث بعد ذلك بشأن مواقف الدول؟
- لم نكن نتصور من القذافي أن يواجهنا بهذه القوة، ولولا وقوف المجتمع الدولي لما تمكنا من الوصول إلى ما يصبو إليه الليبيون في ذلك الوقت. لقد كان لي أول اتصال مع شخص اسمه خالد من مكتب أمير قطر، وأنا على يقين وأعرف جيدا مدى صلة النظام القطري بالقذافي، خاصة رئيس الوزراء الذي كان على صلة وطيدة به. وفي هذا السياق أعلم جيدا أنه عندما قرر النظام تعويض أسر الأطفال الليبيين المصابين بالإيدز كان التعويض عاليا، وحصل كل طفل على ما يعادل مليون دولار، وهذا مبلغ كبير في ليبيا، ذلك أنه حتى مبلغ مائة ألف دولار يظل مبلغا كبير في ليبيا في ذلك الوقت. مَن أتى بمبلغ التعويضات إلى ليبيا هو السفير القطري في باريس، وباعتباري وزيرا للعدل كانت لدي صورة من مراسلة تتعلق بذلك، إلا أنها للأسف أحرقت بسبب حريق تعرض له مكتبي في طرابلس.
كنت على يقين أيضا بأن النظام الفرنسي كان على علاقة وطيدة بنظام القذافي، فزوجة الرئيس (يومذاك) نيكولا ساركوزي هي التي حضرت إلى طرابلس لتسلم الممرضات عندما تنازل أولياء أمور الأطفال. وبموجب القانون عندما يتنازل ولي الأمر تخفض عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد، وهو ما قمنا به كمجلس قضاء مختص. وبموجب اتفاقية قضائية سابقة بين ليبيا وبلغاريا نقلت الممرضات لتمضية بقية عقوبتهن في بلغاريا. نحن لم نكن نتوقع هذا الدور المتقدم في مساندة الثورة الليبية سواء من الحكومة القطرية أو من الحكومة الفرنسية، اللتين كانت لهما الريادة في مناصرتنا. أيضا نسجل لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي دورهم كأول مؤسسة أو أول منظومة سياسية تؤيد الثورة الليبية، من بعد ذلك جاءت جامعة الدول العربية وإيطاليا، وهكذا دواليك.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.