مستقبل إنجلترا لا يزال واعدًا.. لكن روني بات من الماضي

مستقبل إنجلترا لا يزال واعدًا.. لكن روني بات من الماضي

رغم حروف النهاية الحزينة التي كتبت في فرنسا.. ومشاعر كراهية الذات التي ملأت النفوس
الجمعة - 26 شهر رمضان 1437 هـ - 01 يوليو 2016 مـ
صدمة إنجليزية وسط فرحة آيسلندية بعد تأكد توديع إنجلترا ليورو 2016 (إ.ب.أ) - روني.. حان وقت الاعتزال دوليا (رويترز)

عند إمعان النظر في الركام الذي خرجنا به من نيس بفرنسا، سنكتشف أن الصورة ليست قاتمة تمامًا، فلا تزال لدينا مجموعة جيدة للغاية من اللاعبين الشباب متاحة أمام المدرب القادم للفريق الوطني الإنجليزي بغض النظر عن هويته، حتى وإن وجد نفسه مضطرًا لصياغة خططه دونما الاعتماد على قائد الفريق.
الملاحظ أن الأحداث برمتها تصاعدت بسرعة، ونجد أنفسنا الآن في مواجهة خروج إنجلترا من بطولة «يورو 2016»، وكذلك خروج روي هودجسون من الفريق. بالطبع، لا يزال واين روني حتى الآن في صفوف الفريق، وإن كان هذا الأمر ربما، بل وينبغي، أن يتغير في غضون الأسابيع القليلة المقبلة. وخارج الدائرة الضيقة من لاعبي الفريق الوطني، تسيطر على البلاد حالة من الغضب العارم والقلق تجد متنفسًا لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويصاحبها مطالب بالثأر من المتسببين في الفجيعة التي ضربت الكرة الإنجليزية. وتعد هذه الموجة واحدة من الظواهر المألوفة في تاريخ الكرة الإنجليزية، بل وأصبحت عنصرًا متكررًا في البطولات الصيفية الكبيرة. إلا أن هذه الموجة الجديدة من الغضب تبدو أقسى وأكثر دموية عن سابقاتها.
في أعقاب استقالة روي هودجسون، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه الآن: من التالي؟ من جانبه، فإن الهيكل الهرمي لاتحاد كرة القدم المؤلف من شخصيات غير معروفة على الصعيد العام، قد يشعر بالامتنان والسعادة لأن أفراده غير معروفين. أما الخوف من المقبل فسيهيمن بصورة خاصة على روني وواحد أو اثنين آخرين من اللاعبين الكبار بالفريق الوطني، وقد يمتد الخوف إلى جو هارت، خصوصًا في ظل وجود بعض اللاعبين الممتازين يمكنهم أن يحلوا محله. في تلك الأثناء، وداخل غرفة بمكان ما بعيدًا، يقف غاريث ساوثغيت يحدق بمرآة لامعة بينما يعتقد البعض أن الحلم يراوده لتولي تدريب الفريق الوطني الإنجليزي.
المعروف أن وظيفة مدرب الفريق الوطني غالبًا ما يجري وصفها بـ«المهمة المستحيلة»، رغم كونها شديدة البساطة حقيقة الأمر: قم بدور فاعل، ثم واجه الفشل في تحقيق نتائج، وبعدها ارحل. المؤكد أن تفاصيل الفترة التي قضاها هودجسون مع الفريق الوطني سيجري تشريحها ودراستها بالتفصيل في مكان آخر. ويمكننا القول الآن إن أفضل أداء قدمه الفريق تحت قيادة هودجسون جاء على أرض الوطن خلال مباريات التأهل للبطولة، علاوة على ميزة هودجسون التي كثيرًا ما يجري تجاهلها المتمثلة في تجريب مختلف اللاعبين والتكتيكات. أما أبرز اللحظات التي ستبقى حية بالأذهان لفترة طويلة بعد رحيل هودجسون فجاءت خارج الملعب وتمثلت في استجابته العفوية والناضجة والمحترمة للهجمات التي ضربت باريس نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وفي رده على سؤال وُجّه إليه داخل قاعة المؤتمرات الصحافية باستاد ويمبلي، انطلقت إجابة مدرب الفريق الوطني الإنجليزي متميزة ببلاغتها وصدق كلماتها ومشاعر المواساة التي تحملها، بجانب حرصه على الحديث باللغة الفرنسية، ما بث في نفوس الإنجليز بوجه عام شعورًا بالسعادة لأنه (هودجسون تحديدًا) هو من كان موجودا في هذا الحدث.
ورغم أن حروف النهاية التي كُتبت في نيس ستطغى ألوانها على كل ما سبقها، فإن الحقيقة تبقى أن الوضع لم يكن بالغ السوء. وبالنظر إلى العناصر الإيجابية التي شهدتها فترة تدريب هودجسون للفريق الوطني، سنجد أن أفضلها على الإطلاق كان الشعور بوجود رجل منغمس تمامًا في مهام عمله. ويروي أحد الصحافيين الذين كانوا في إيطاليا في الوقت ذاته مع هودجسون قصة حول التشارك في سيارة أجرة مع هودجسون الذي كان يبدو عليه الغضب. واتضح أنه خرج لتوه من مكتب رئيس نادي إنترميلان بعد أن أبدى اعتراضه على انتقالات بعض اللاعبين. وانتهى اللقاء بدخول هودجسون في شجار مع رئيس النادي. وبغض النظر عن مدى صحة هذه القصة، فإنها قد تعد السبيل الأمثل لتذكر هودجسون كشخص مهذب وعاطفي تولى تدريب الفريق الوطني الإنجليزي وحارب بجدية ورفض تقديم تنازلات في قضايا لا يجوز التنازل فيها.
ما الخطوة التالية إذن؟ وما هي الجذور التي ستتشبث بالأرض والأفرع التي سترتفع في السماء من داخل هذه الأرض الوعرة؟ في الحقيقة، أصبح هذا واحدًا من الأسئلة المألوفة فيما يتعلق بإنجلترا، لكن يبقى أنه في هذه الحالة على الأقل يبدو تساؤلاً مثيرًا للاهتمام. أول ما علينا فعله هو كبح جماح مشاعر كراهية الذات المسيطرة على الكثيرين. الحقيقة أن إنجلترا قدمت أداء رديئًا للغاية في نيس، لكن ثمة حقيقة أخرى لمح إليها البعض بالفعل، وهي أن تلك لم تكن الهزيمة الأسوأ في تاريخ الفريق الوطني الإنجليزي على الإطلاق.
علاوة على ذلك، فإن الفريق الوطني لآيسلندا فريق جيد، وأفضل كثيرًا عما تروج له الأصوات الأكثر ميلاً للعزلة عن العالم. أما السبب وراء مشاركة عدد كبير للغاية من أبناء آيسلندا في المسابقات الكروية الأقل من بطولة الدوري الممتاز، فهو ببساطة لأنهم آيسلنديون، وهي أسباب في طريقها حتمًا للزوال. والحقيقة أن إنجلترا ليس لديها لاعب خط وسط متنوع المهارات بمقدوره الوقوف على قدم المساواة مع غيلفي سيغردسون لاعب آيسلندا. ولو كان غيلفي إنجليزيًا، لكان في صفوف مانشستر سيتي أو آرسنال. كما أن قلب الهجوم بالفريق الوطني لآيسلندا، كولبين سيغبورسون، الذي ناله حظ وافر من السخرية، سجل عددًا من الأهداف الدولية يفوق إجمالي ما سجله الثلاثي هاري كين ودانييل ستريدج ورحيم سترلينغ الذين تبلغ قيمتهم ملايين يصعب حصرها. ورغم هذه الحقائق الساطعة، يتعذر على الكثيرين رؤيتها بسبب أوهام التفوق والأفضلية المهيمنة على أذهانهم.
ومن القضايا المثارة على الساحة كذلك مسألة من سيخلف هودجسون في تدريب الفريق، والسحابة المظلمة المخيمة على مستقبل الفريق على المدى القصير، والتساؤل الصعب بخصوص ما الذي يمكن التطلع إلى تحقيقه من خلال الفريق الحالي. وهنا: تبرز نقطتان أساسيتان جديرتان بالدراسة: أولاً: أن الوقت قد حان بالتأكيد بالنسبة لواين روني، القائد الرايع والهداف واللاعب رفيع الطراز، كي يودع الملاعب أو يجري دفعه بلطف بهذا الاتجاه. ثانيًا: رغم رداءة أداء الفريق في نيس، تظل الحقيقة أن إنجلترا تتمتع بفريق وطني جيد في الوقت الراهن.
أو على الأقل، يتمتع هذا الفريق بعدد من اللاعبين الناشئين الجيدين قد يشكلون دعامة فريق جيد الفترة المقبلة. وحتى في أكثر اللحظات قتامة وكآبة - وتلك كانت بالتأكيد هزيمة صادمة بكل المقاييس من فريق من أقل فرق المسابقة من حيث التصنيف - فإنه يبقى من المهم تذكر أن هذه المجموعة من لاعبي الفريق الوطني الإنجليزي لا تستحق أن ندير لها ظهورنا.
بالنسبة لروني، فإن الأفضل بالتأكيد بالنسبة له الآن التركيز على السبيل الأمثل للعمل مع مدرب ناديه الجديد وإفساح الطريق لآخرين بالمشاركة في الفريق الوطني. وقد قدم روني أداء جيدًا على فترات متقطعة خلال المسابقة، بينما شكلت مباراة آيسلندا أسوأ مبارياته في البطولة. والآن، أصبحت إنجلترا بحاجة إلى قائد جديد وبداية جيدة وقلب صفحة الإحباطات الكثيرة التي يرتبط بها روني حتمًا.
والمؤكد أن أي مدرب جديد سيكون بحاجة لصفحة جديدة، مثلما فعل بوبي روبسون بتخليه عن كيفين كيغان عندما تولى مهمة تدريب الفريق. وليس هناك ما يعيب في أن يفسح لاعب رفيع المستوى سجل عدد أهداف أكثر من أي لاعب آخر الطريق أمام فريقه للمضي قدمًا من دونه. وبالتالي ليست هناك حاجة لأي أحداث درامية مصاحبة لقرار الاعتزال، وإنما مجرد رسالة شكر موجزة تكفي. إن كرة القدم لا تعدو كونها عرضًا، ومن حين لآخر نحتاج لتغيير العناصر المشاركة بالعرض.
فيما وراء ذلك، قد يبدو من الغريب، بل والمتناقض، القول إن إنجلترا تملك في صفوفها لاعبين جيدين بعد الهزيمة الصادمة على يد آيسلندا، لكن هذه هي الحقيقة ببساطة. ومع أن أيًا من هاري كين أو ديلي إلى أو دانييل ستريدج أو ماركوس راشفورد تألق كثيرًا خلال هذه البطولة، فإن هذا لا ينفي بأي حال أنهم جميعًا موهوبون وقادرون على التكيف مع الظروف الجديدة. ومع ضم إريك داير، الذي قدم أداء جيدًا قبل نيس، يصبح لدينا الأساس اللازم لبناء فريق جيد. وقد يكمن سوء حظ هودجسون في أنه ضم غالبية هؤلاء اللاعبين في وقت متأخر للغاية لم يسمح ببناء أي كيان مقنع منهم.
والآن، تبدو إمكانية تولي مدرب جديد مهمة تدريب مجموعة واعدة من اللاعبين استعدادًا لمجموعة جيدة من اللاعبين الموهوبين استعدادًا لمونديال 2018 في روسيا بالغة الأهمية والصعوبة عام، مثيرة للاهتمام للغاية.
أما على مدار الشهور القليلة المقبلة، فمن المتوقع أن يخلف خروج روني وراءه حالة من الفراغ، بينما ستندمل الجراح التي تركتها بطولة «يورو 2016» قليلاً. ومن يدري قد تشارك عناصر فريق ما دون الـ21 في مواجهات الدوري الإنجليزي الممتاز القاسية. والآن، المطلوب اختيار أقل المرشحين لمنصب مدرب الفريق الوطني سوءا. وحينها، قد يكون المستقبل أقل قتامة عما توحي به كارثة نيس.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة