عواقب اقتصادية وسياسية وعسكرية ألمانية للخروج البريطاني

مراقبون يتوقعون أن يؤدي ذلك إلى تعزيز نشاط اليمين واليمين المتطرف

وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين تهنئ فرقة عسكرية ألمانية في نوشتاد (أ.ف.ب)
وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين تهنئ فرقة عسكرية ألمانية في نوشتاد (أ.ف.ب)
TT

عواقب اقتصادية وسياسية وعسكرية ألمانية للخروج البريطاني

وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين تهنئ فرقة عسكرية ألمانية في نوشتاد (أ.ف.ب)
وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين تهنئ فرقة عسكرية ألمانية في نوشتاد (أ.ف.ب)

يتوقع المراقبون أن يؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز نشاط اليمين واليمين المتطرف في بريطانيا، ولكن بشكل أكبر بكثير في ألمانيا. وسبق لوزير الداخلية الألماني أن أشار قبل يومين، في تقريره السنوي حول نشاط المتطرفين، إلى أن النشاط اليميني الفاشي في ألمانيا تضاعف خمس مرات في عام 2015. هذا سيمنح الأحزاب اليمنية المتطرفة، مثل حزب البديل لألمانيا، وحركة مناهضة أسلمة أوروبا، الفرصة لاصطياد الناخبين بصنارة العداء لأوروبا.
يمكن أن تكون التكهنات حول هبوط إنتاج وأرباح شركة فورد الأميركية للسيارات، التي تمتلك في كولون أكبر مصانع لها في أوروبا، مثلاً لما يمكن أن يحصل في ألمانيا بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فرض الضرائب على صادرات فورد إلى بريطانيا سيؤدي إلى هبوط المبيعات في بريطانيا، وبالتالي سيؤدي أيضًا إلى إلحاق آلاف العاملين الألمان (18 ألفًا) بجيش البطالة، وفق تقدير فيتيش روسمان رئيس شركة «إي جي ميتال» الألمانية التي تزود فورد بالحديد والصفيح.
ووسط الأوساط الاقتصادية القلقة من عواقب الخروج من الاتحاد، طالب قطاع السيارات البريطاني من جهته «بوصول مفتوح ومتبادل» إلى الأسواق الأوروبية حتى بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، مشددا على أن نجاحه رهن بذلك.
وطبيعي لن تقتصر التأثيرات المتبادلة للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي على الجانب الاقتصادي، إلا أن الأخيرة ستكون وخيمة بتقدير روسمان. وكمثل فإن يوزيف سومر، رئيس دائرة السياحة الألمانية، يتوقع أن ينخفض عدد السياح البريطانيين بشدة مستقبلاً بسبب تقلبات أسعار صرف الجنيه الإسترليني.
وعلى الصعيد الأمني حذر وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزيير من التأثير السلبي للخروج بريطانيا على السياسة الأمنية الأوروبية المشتركة. وتوقع أن يستمر التعاون الأمني الثنائي بين البلدين، ولكن بشكل أقل. وأضاف أن لندن توصل معلومات إلى برلين في القضايا الأمنية أقل من غيرها، لكن ما توصله كان دائمًا أهم من غيره. وبريطانيا عضو في مجموعة التصدي للإرهاب التي تضم 30 دولة أوروبية تمتلك بنكًا مشتركًا للمعلومات. لكن المتوقع أنها، بعد الخروج، ستوجه دفتها أكثر إلى مجموعة «فايف آيز» (العيون الخمس) التي تضم أيضا الولايات المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا.
كما ذكر مفوض شؤون الجيش في البرلمان الألماني، هانز - بيتر بارتلز، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيلقي على عاتق ألمانيا مزيدا من الأعباء العسكرية. وقال بارتلز في تصريحات لمجموعة «فونكه» الإعلامية الألمانية: «على أي حال ألمانيا لديها الآن مزيد من المسؤوليات». وأوضح بارتلز أن المهام العسكرية للاتحاد الأوروبي ستفقد بخروج بريطانيا من الاتحاد مشاركا قويا من حيث عدد القوات، وقال: «ستُلقى مزيد من الأعباء على ألمانيا وفرنسا في المستقبل من ناحية السياسة الأمنية في أوروبا».
ويتوقع بارتلز تحالفا وثيقا بين لندن وواشنطن، وقال: «ربما تصبح بريطانيا خلال بضع سنوات شريكا لأوروبا في السياسة الأمنية مثل الولايات المتحدة».
وزارة الخارجية الألمانية، على لسان رئيس الدبلوماسية فرنك - فالتر شتاينماير، اعتبرت خروج بريطانيا ضربة للجهد الدبلوماسي الأوروبي، والألماني على وجه الخصوص. وقال: ستستمر العلاقات الثنائية بالطبع، لكن الوزارة تعتقد أنها ستفتقد شريكًا تصويتيًا مهمًا في الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة، وبالتالي عضوًا مهمًا في مجلس الأمن.
وستواجه ألمانيا صعوبات دبلوماسية أخرى بسبب الخروج البريطاني، خصوصا أن بريطانيا تتفق مع سياسة ألمانيا في البلقان، لكنها تختلف معها في الموقف من بولندا وهنغاريا. وستدفع الأمور، بغض النظر عن كل شيء، باتجاه مزيد من التنسيق والتعاون بين فرنسا وألمانيا، ومزيد من التنسيق بين بريطانيا والولايات المتحدة.
والخروج البريطاني سينعكس بشكل سلبي على آلاف الطلبة الألمان الذين يدرسون في الجامعات البريطانية بدعم من مشروع «إيرازموس» الأوروبي. إذ ينال كل طالب منحة قدرها 270 يورو شهريًا، ويعفى من تكاليف الدراسة في بريطانيا، إلى أن يتخرج بحسب الاتفاقية. وربما يؤدي الخروج البريطاني إلى وقف هذه المساعدة أو تحجيمها، وربما يوقف الجانب البريطاني عمله في اتفاقية إيرازموس. وعلى أي حال ستصبح تكاليف الدراسة في بريطانيا، على الطلبة الدارسين حاليًا في بريطانيا، عبئًا كبيرًا قد يدفع كثيرين على قطع الدراسة والعودة إلى ألمانيا. بل إن كامل التعاون العلمي في مجال البحث والاستكشاف بين ألمانيا وبريطانيا مهدد، خصوصا أن بريطانيا قلصت مخصصاتها السنوية في مجال البحث العلمي منذ فترة.
كريستين بيد، من غرفة تجارة ألمانيا، توقع سلسلة من حالات الإفلاس ستصيب مئات الشركات البريطانية والألمانية التي كانت تعمل وفق اتفاقية إنهاء الحدود واتفاقية تنسيق الجمارك بين بلدان الاتحاد.
لكن حذر حزب الخضر الألماني من هيمنة ألمانية على الاتحاد الأوروبي عقب تصويت البريطانيين بخروج بلادهم من الاتحاد.
وقالت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر كاترين غورينغ - إكارت في جلسة خاصة بالبرلمان الألماني «بوندستاغ» بشأن استفتاء بريطانيا أنها لا ترغب في اتحاد أوروبي يمكن فيه لألمانيا وحدها الفوز، إذا خسرت أوروبا. وتابعت السياسية المعارضة قائلة إن «سمات ألمانيا القوية هي أن يتم التحدث من الناحية الأوروبية في ألمانيا وليس أن يتم التحدث من الناحية الألمانية في أوروبا». وأشارت غورينغ - إكارت إلى أن قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعد نكسة صعبة بالنسبة للوحدة الأوروبية، وأكدت أنه لا يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه بالنسبة لأوروبا وكأن شيئا لم يكن. وأضافت أن الأوروبيين أثبتوا بالفعل كثيرا أنهم أقوياء ومبتكرون ويتمتعون بالمرونة. وأكدت أن الأمر يتوقف الآن على أن تتكاتف أوروبا سياسيا و«لا تسير على الأرض الشعبوية».
ورغم الخروج غير المشرف لمنتخب إنجلترا أمام آيسلندا فإن على نوادي كرة القدم البريطانية، والألمانية أيضًا، أن تتحسب لتأثيرات حالة التسلل التي وقفت بها بريطانيا خارج منطقة الجزاء الأوروبية. إذ ستسقط مستقبلاً قاعدة عدم تحديد عدد اللاعبين الأوروبيين في الفريق نفسه، وهذا سيؤدي إلى كساد سوق اللاعبين البريطانيين في (الدوري الألماني الممتاز)، وكساد سوق اللاعبين الألمان في بريطانيا. وربما سيكف مدرب الآرسنال آرسين فينغر عن ضم مزيد من اللاعبين الألمان الجيدين إلى فريقه، لأن لديه حاليًا ثلاثة لاعبين ألمان في الفريق.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».