ماريا تشيوري.. أول امرأة تدخل «ديور» كمصممة

سطع نجمها في دار «فالنتينو» الإيطالية والآمال معقودة عليها لتعيد للدار الفرنسية الرومانسية

من تصاميم تشيوري وبيكيولي لدار «فالنتينو»  -  من تصاميم تشيوري وبيكيولي لدار «فالنتينو»
من تصاميم تشيوري وبيكيولي لدار «فالنتينو» - من تصاميم تشيوري وبيكيولي لدار «فالنتينو»
TT

ماريا تشيوري.. أول امرأة تدخل «ديور» كمصممة

من تصاميم تشيوري وبيكيولي لدار «فالنتينو»  -  من تصاميم تشيوري وبيكيولي لدار «فالنتينو»
من تصاميم تشيوري وبيكيولي لدار «فالنتينو» - من تصاميم تشيوري وبيكيولي لدار «فالنتينو»

كان الإعلان عن مصمم فني يخلف راف سيمونز في دار ديور متوقعًا، وربما طال انتظاره، لكن اسم ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة دار «فالنتينو» كان مفاجأة بكل المقاييس. فمنذ أن استقال المصمم البلجيكي منذ قرابة 8 أشهر تقريبًا، والتكهنات محتدة عمن سيخلفه، وكلما سُئلت الدار، كان ردها دائمًا أنها لن تتسرع وأن فريق عملها وورشاتها قادرون على ملء الفراغ إلى حين التوصل إلى المصمم المناسب.
غني عن القول إن أوساط الموضة لم تتوقف طوال هذه الفترة على التخمين، حيث ترددت عدة أسماء منها ألبير إلباز مصمم «لانفان» السابق، وسارة بيرتون مصممة دار «الكسندر ماكوين»، وفيبي فيلو مصممة «سيلين»، بل وحتى هادي سليمان مصمم «سان لوران» السابق، رغم أنه عمل مع «ديور» سابقًا وخرج منها في ظروف غير ودية. ولم يخطر ببال أحد أن يفكر في ماريا تشيوري لأنها كانت جزءًا من «فالنتينو» من جهة، وكانت ناجحة فيها من جهة ثانية، إلا أن العارفين بخبايا الأمور يؤكدون صحة الخبر ويرددون بأن الدار لن تصرح به رسميًا سوى في شهر يوليو (تموز) المقبل من خلال أسبوع الـ«هوت كوتير» بباريس. بعدها ستتولى ماريا مهمتها كمصممة فنية في الدار التي تأسست منذ نحو 70 عامًا وتعاقب عليها عدة مصممين كبار نذكر منهم إيف سان لوران وجيانفرانكو فيري وجون غاليانو.
من جهتها تشكل ماريا تشيوري إلى جانب بيير باولو بيكيولي، ثنائيًا ناجحًا في «فالنتينو»، حيث تألقت الدار أكثر في عهدهما كما شهدت ارتفاعًا في أرباحها، وهو ما يمكن اعتباره معادلة صعبة هذه الأيام. وصفتهما كانت التركيز على الحرفية اليدوية واحترام القديم وصياغته بأسلوب عصري راقٍ يخاطب جميع الجنسيات والأعمار. لهذا فإن اختيارها ضربة معلم بلا شك، ليس لخبرتها فحسب بل أيضًا لرومانسيتها التي تناسب أسلوب الدار الفرنسية، القائمة أساسًا على الرومانسية والأنوثة منذ انطلاقها منذ 70 عامًا، وتتوفر على أنامل ناعمة متمرسة فضلاً على إمكانيات عالية تُطوع المصاعب.
ومع ذلك، فإن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود أمامها، وإن كانت الورود سمة لصيقة بـ«ديور»، والسبب أنها ستدخلها في فترة عصيبة، حيث شهدت مبيعاتها تراجعًا ملحوظًا في السنة الأخيرة، بسبب تباطؤ الاقتصاد العالمي الذي كانت له تأثيرات مباشرة على المنتجات المترفة. هناك أيضًا من يرى أن أسلوبها اكتسب شبابية ولم يعد يخاطب كل الزبونات. لكن الكل يعرف أن الأزمة مجرد سحابة صيف لن تؤثر على الدار طويلاً، فهي مؤسسة بالنسبة للفرنسيين، كما لا تزال من أقوى بيوت الأزياء المتخصصة في مجال الـ«هوت كوتير» في العالم، حيث تحقق سنويًا نحو 50 مليار يورو، نسبة كبيرة منها يعود الفضل فيها إلى العطور ومستحضرات التجميل.
قد يرى البعض في دخول ماريا تشيوري دارًا بمستوى وسمعة «ديور» ضربة حظ، بينما يراه البعض الآخر شجاعة. فهي أول امرأة تدخلها منذ تأسيسها قبل 70 عامًا، كما أنه على الرغم من سمعة «ديور» فإن إمكانياتها تثير الوجل والخوف في نفوس البعض، لا سيما بعد سقوط جون غاليانو الذي عمل فيها لمدة 14 عامًا تقريبًا، وتحديدًا الطريقة التي طُرد بها. تأتي بعده استقالة البلجيكي راف سيمونز بعد انتهاء عقده مباشرة، متنازلاً عن كل الإغراءات حتى يتفرغ لحياته ويستمتع بوقته الخاص وبعملية الإبداع بطريقته. كل هذا يشير إلى أن الدار تقدم لمصمميها الكثير ويتوقع منها الكثير أيضًا، وهو ما لا يقوى عليه سوى قلة. ماريا تشيوري، قد تكون واحدة من هذه القلة، بالنظر إلى ما حققته لدار «فالنتينو»، منذ أن تولت عملية التصميم مع زميلها بيير باولو بيكيولي، إلى حد أنها أقنعت فالتينو كارافاني نفسه بقدراتها، فضلاً على فوزها، مع بيكيولي بعدة جوائز عالمية. إنجازهما كان ترسيخ مكانة «فالنتينو» كواحدة من أهم بيوت الأزياء الفاخرة، وأكثرها تحقيقًا للأرباح، وصفتهما كانت أسلوبًا رومانسيًا راقيًا لا يعتمد على الإثارة وكشف المفاتن بقدر ما يعتمد على الخطوط المدروسة والتطريزات المنفذة باليد وبحرفية عالية تستمد جمالها من الإرث الروماني الإيطالي. يكفي أنهما أكثر من جعل الفساتين المحتشمة، ذات الياقات العالية والأكمام الطويلة مثيرة تقطر بالأناقة والرومانسية.
وهذا ما تحتاجه «ديور» في الوقت الحالي، فاسمها يرادف الرومانسية والأنوثة، حيث كان مؤسسها أول من احتفل بالخصر الضامر وأبدع التنورات المستديرة الطويلة التي أعادت للمرأة أنوثتها بعد الحرب العالمية الثانية وسنوات من التقشف. حاول أغلب المصممين الذين توالوا عليها احترام هذا العنصر وترجمه كل واحد منهم بطريقته. وقد يكون جون غاليانو أكثر من سلط الضوء على هذا الجانب لاستعماله لغة مسرحية درامية، تميل إلى السريالي أحيانًا. لهذا عندما خلفه البلجيكي راف سيمونز، شك البعض في قدراته الرومانسية، فهو معروف بأسلوبه العملي والحداثي، لكنه سرعان ما أكد لهم العكس من خلال عدة محاولات استعان بها بآلاف الورود التي كان يزين بها أماكن العرض أو التطريزات الدقيقة التي كان يرسمها على تصاميمه. رغم كل هذه المحاولات الناجحة، كان دائمًا يعطي الانطباع بأن العملية لم تكن عفوية ولا سهلة بالنسبة له. فالرومانسية كانت لغة جديدة عليه، وعوض عنها بتقديم تصاميم عصرية تخاطب جيل الشابات إلى حد أنه أنزل لهن الـ«هوت كوتير» من برجها العاجي وتخلص من دراميتها المسرحية محققًا الربح. المشكلة أن كل هذا جاء على حساب الحلم، لهذا فإن الآمال معقودة على ماريا تشيوري لتعيد لنا هذا الحلم.



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.