أفغانستان: اشتباكات بين الأمن ومسلحي «داعش» تشرد المئات من المواطنين

واشنطن تحقق في تقارير بشأن مقتل مدنيين في مهاجمتها لسجن تابع لطالبان

جندي أفغاني في منطقة كوت في ولاية ننجرهار عقب أيام من الاشتباكات مع عناصر «داعش»  (إ.ب.أ)
جندي أفغاني في منطقة كوت في ولاية ننجرهار عقب أيام من الاشتباكات مع عناصر «داعش» (إ.ب.أ)
TT

أفغانستان: اشتباكات بين الأمن ومسلحي «داعش» تشرد المئات من المواطنين

جندي أفغاني في منطقة كوت في ولاية ننجرهار عقب أيام من الاشتباكات مع عناصر «داعش»  (إ.ب.أ)
جندي أفغاني في منطقة كوت في ولاية ننجرهار عقب أيام من الاشتباكات مع عناصر «داعش» (إ.ب.أ)

أعلن مسؤول أمس أن ما بين 400 إلى 500 أسرة نزحت في شرق أفغانستان، بسبب الاشتباكات المستمرة منذ أيام ين مسلحي تنظيم داعش والقوات الأمنية. وقال عطاء الله خوجياني المتحدث باسم حاكم إقليم نانجارهار بشرق البلاد:«لقد أرسلنا فرق بحث إلى منطقة كوت لمعرفة العدد بالتحديد». وكانت الاشتباكات المستمرة قد اندلعت الجمعة الماضي، عندما هاجم مسلحون لهم صلة بالحركة، التي أعلنت عن خلافة في أنحاء شمال العراق سوريا، نقطة تفتيش في المنطقة. وقال خوجياني: «قتل أكثر من 160 من مسلحي التنظيم»، وأوضح أن سبعة من أفراد الأمن وخمسة مدنيين قتلوا، كما أصيب أكثر من 30 جنديا ومدنيا. وأضاف خوجياني: «مسلحو (داعش) أضرموا النار في 90 منزلا لسكان المنطقة». وأشار إلى أن السلطات تقوم في الوقت الحالي بإرسال المساعدات للأسر المشردة في المنطقة.
وأعلن الجيش الأميركي أمس، أنه، يتم حاليا التحقيق بشأن التقارير التي تفيد باستهداف غارة جوية أميركية لسجن تابع لحركة طالبان، مما أدى إلى مقتل كثير من المحتجزين به. وقال رون فليسفيج، المتحدث باسم القوات الأميركية في أفغانستان: «يتم التحقيق بشأن مزاعم مقتل مدنيين في تلك الغارة الجوية. هذا هو كل ما يمكنني أن أقوله في الوقت الحالي». من ناحية أخرى، قالت طالبان إن غارة جوية أميركية ضربت أحد سجونها مساء السبت الماضي، مضيفة أن السجناء الذين قتلوا هم أفراد من قوات الأمن. وقال ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم الحركة مساء أول من أمس: «قتل ستة من جنود إدارة كابل الذين كانوا مسجونين على أيدي المتمردين، فيما أصيب اثنان آخران». وأوضح أن هناك خمسة مسلحين - من بينهم رئيس السجن والقائد المحلي الملا جنات جول - قتلوا أيضا.
وكان مسؤول في الحكومة الأفغانية قال في وقت سابق إن هناك ثلاثة سجناء قتلوا في الغارة الجوية. فيما قال مسؤول آخر، وهو حمدالله دانيش المتحدث باسم حاكم الإقليم، إن عناصر من طالبان هي التي قامت بنفسها بقتل السجناء الثلاثة، ردا على الغارة الجوية. من جانبهم، نفى المسلحون هذه الرواية، حيث قالوا إن «الأميركيين الهمجيين» قصفوا السجن على الرغم من علمهم بأن هناك أشخاصا محتجزين فيه. يذكر أن هناك قوة قوامها نحو 9800 جندي أميركي متمركزة حاليا في أفغانستان، وهناك خطط لخفض العدد ليصل إلى 5500 بحلول نهاية العام الحالي.
من جهة أخرى، أمر الرئيس الأفغاني بإجراء «تحقيق معمق» في الاستغلال الجنسي المنهجي للأطفال من قبل الشرطة بعد تقرير أعدته وكالة الصحافة الفرنسية أخيرا يكشف أن حركة طالبان تجند فتيانا لشن عمليات ضد رجال الشرطة. وأثار الكشف عن تقليد «الباشا بازي» التي تعني «لعب الغلمان» بالداري إحدى اللغتين الرسميتين في أفغانستان، والمرتبطة بشكل من الرق الجنسي إدانة دولية بعدما تبين أن حركة طالبان ترسل فتية لاختراق مراكز الشرطة وشن هجمات أسفرت عن مقتل مئات من عناصرها في السنتين الأخيرتين في ولاية اروزغان (جنوب) النائية.
وأعلن القصر الرئاسي في بيان أن «الرئيس أشرف غني أمر بإجراء تحقيق معمق فورا استنادا إلى هذه المعلومات». وأضاف: «من تتم إدانته ستجري ملاحقته ومعاقبته دون أي اعتبار لرتبته، وفقا للقانون الأفغاني ولالتزاماتنا الدولية». وأكدت الرئاسة الأفغانية أنه «لا مكان» في المجتمع الأفغاني للذين يقومون بالاستغلال، مؤكدة أنها مستعدة لفعل كل شيء «أيا كان الثمن» لتتم معاقبتهم. ويسمح تقليد «الباشا بازي» بالاحتفاظ بفتية قبيل سن البلوغ متبرجين أحيانًا ومتنكرين بملابس نسائية لجعلهم راقصين أو استغلالهم كرقيق جنسي أو لحمل السلاح في مراكز للشرطة.
وهذه العادة متجذرة في اروزغان حيث روى قياديون في الشرطة وقضاة ومسؤولون حكوميون وغيرهم نجوا من هجمات مماثلة لوكالة الصحافة الفرنسية أن مقاتلي طالبان يجندون هؤلاء الفتية ضد مستغليهم. وتكشف هذه المزاعم التي تنفيها حركة طالبان بشدة مدى استغلال الأطفال من الجانبين في النزاع الذي تشهده أفغانستان.
ويأتي قرار السلطات الأفغانية بعد ردود الفعل الدولية المنددة التي أثارها تقرير نشرته وكالة الصحافة الفرنسية. وأعلنت السفارة الأميركية في كابل: «نندد بشدة بأي استغلال على غرار الأمثلة المروعة التي وردت في التقرير». وتابعت: «نحث الحكومة الأفغانية على حماية ودعم الضحايا وأسرهم، وندعو بشدة إلى إحلال العدل ومحاسبة الجناة بموجب القانون الأفغاني». ودعا عضو الكونغرس دنكان هانتر في رسالة وجهها الأسبوع الماضي إلى وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر إلى دور فاعل أكثر للولايات المتحدة من أجل وضع حد لهذه الممارسة.
وكتب هانتر في الرسالة التي اطلعت عليها وكالة الصحافة الفرنسية: «أنا قلق من استغلال طالبان المتزايد للأطفال من أجل الوصول إلى مواقع أمنية، وشن هجمات من الداخل ضد الشرطة الأفغانية». وتابع: «أعتقد أن بإمكاننا اتخاذ خطوات فورية لوقف اغتصاب الأطفال في إمكان توجد فيها القوات الأميركية والتخفيف من مخاطر الهجمات من الداخل، وذلك يتطلب تطبيق سياسة عدم التسامح إطلاقًا».
وأعلنت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان أن عادة «الباشا بازي» تثير «قلقا شديدا» في أوساط الأسرة الدولية. وأعلن مساعد الممثل الخاص للأمم المتحدة في أفغانستان مارك بودن لوكالة الصحافة الفرنسية أن البعثة الأممية في أفغانستان «لا تزال تردها تقارير حول عادة (الباشا بازي)، من بينها ضمن القوات الأفغانية، وهي تواصل التزامها مع الحكومة لضمان تجريم ومنع كل أشكال استغلال الأطفال والاعتداء عليهم». ويأتي إعلان الحكومة الأفغانية التي لم تحدد جدولا زمنيا للتحقيق قبل اجتماعين مهمين للجهات المانحة لأفغانستان في وارسو وبروكسل في وقت لاحق من العام الحالي. ولا تزال البلاد التي تعاني من النزاع تعتمد في شكل كبير على المساعدات المالية الدولية والدعم العسكري لقواتها خصوصًا الشرطة.
وشددت وزارة الداخلية الأفغانية على التزامها بإجراء إصلاحات لمؤسساتها لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن انتشار تقليد «الباشا بازي» بين أفراد الشرطة يعد «جريمة خطيرة». وكانت الحكومة أطلقت العام الماضي تحقيقًا في الاستغلال الجنسي وتجنيد أطفال بشكل غير شرعي في مختلف أنحاء أفغانستان. إلا أن البلاد لم تتبنَّ بعد أي تشريعات لتجريم عادة «الباشا بازي» كما لم تتخذ أي مبادرات من أجل إنقاذ الأطفال المستعبدين لدى الشرطة. وقال المحلل لدى تشاتهام هاوس في لندن شارو لاتا هوغ لوكالة الصحافة الفرنسية إن «غياب أي مبادرات لإطلاق سراح وإنقاذ أطفال من مستغليهم فشل خطير من قبل السلطات الأفغانية»، مشددا على ضرورة أن تمارس الجهات المانحة ضغوطا على كابل من أجل ذلك». وأضاف لاتا هوغ: «لا يمكن الحديث عن استغلال الأطفال وكأنه عادة ثقافية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...