حظر المواقع الاجتماعية يشوه صورة تركيا

زاد المخاوف في أوساط المستثمرين الأجانب وسيؤدي إلى انخفاض التصنيف الائتماني مع تأثيرات سلبية على قطاع السياحة

التغريدات زادت في تركيا بعد فرض أردوغان الحظر على تويتر
التغريدات زادت في تركيا بعد فرض أردوغان الحظر على تويتر
TT

حظر المواقع الاجتماعية يشوه صورة تركيا

التغريدات زادت في تركيا بعد فرض أردوغان الحظر على تويتر
التغريدات زادت في تركيا بعد فرض أردوغان الحظر على تويتر

بينما تناقش تركيا الجوانب السلبية للحظر الذي جرى فرضه مؤخرا على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» وموقع «يوتيوب»، بالإضافة إلى احتمالية توسع الحكومة في حظر مواقع التواصل الاجتماعي ليشمل «فيسبوك»، يشير المراقبون إلى تزايد نسبة المخاوف والقلق خشية أن تتسبب مثل هذه الخطوة في تشويه صورة تركيا أمام المستثمرين الأجانب والسائحين.
جدير بالذكر أن الاقتصاد التركي يعتمد على تدفقات رأس المال الأجنبي لتعويض النسبة المنخفضة لمدخرات البلاد والعجز الكبير في الطاقة، ومن ثم يتطلب هذا الأمر ضرورة بقاء الصورة الجيدة البلاد لجذب الاستثمارات من الخارج. ويقول الخبراء إنه من المؤكد أن الحظر المفروض على موقع «تويتر» - الذي جعل تركيا تنضم إلى قائمة الدول التي تفرض قيودا على وسائل الإعلام الاجتماعية مثل كوريا الشمالية والصين وإيران - لن يساعد تركيا في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالدرجة المرغوبة. وقد فرضت حكومة حزب العدالة والتنمية حظرا لمنع النفاذ إلى موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» في الأسبوع الماضي، وهو ما اعتبره الكثيرون محاولة لصرف الانتباه عن مزاعم ابتزاز الأموال التي تستهدف رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان وعائلته وحكومته. وفي محاولة لتمديد هذا الحظر، فرضت هيئة الاتصالات حظرا لمنع الوصول إلى خوادم نظام أسماء النطاقات الذي تقدمه «غوغل» والذي يستخدمه الكثير من المستخدمين كحيلة للهروب من الحظر المفروض على «تويتر». وجاء هذا الحظر عقب إلقاء إردوغان لكلمته أمام حشد من الجماهير في مدينة بورصة، حيث ذكر أن الحكومة عزمت على «استئصال موقع تويتر». جدير بالذكر أن الكثير من مستخدمي تويتر نشروا روابط على موقع «يوتيوب» لمكالمات هاتفية مسربة وصور من المزعوم أنها تعد دليلا على الادعاءات بابتزاز الأموال من جانب عائلة رئيس الوزراء والحكومة، حيث صارت هذه التحقيقات معروفة في 17 ديسمبر (كانون الأول). وبعد فرض هذا الحظر على موقع «تويتر» بفترة وجيزة، قامت هيئة الاتصالات يوم الخميس بمنع الوصول إلى منصة مشاركة المقاطع المصورة (الفيديوهات) على موقع «يوتيوب»، حيث أعقب هذا الإجراء تسريب تسجيل صوتي يقال إنه منسوب لوزير الخارجية التركي ورئيس الاستخبارات وكبار قادة الجيش حينما كانوا يناقشون التطورات في دولة سوريا - التي مزقتها الحرب - ، حيث جرى رفع هذا التسريب على الموقع. وأعرب ممثلو التجارة العالمية بالفعل عن مخاوفهم بسبب الحظر المفروض على موقع «تويتر»، مشيرين إلى أن هذا الحظر يضر بعملية إنفاذ القانون والديمقراطية بشكل سليم في تركيا.
وفي حديثه لصحيفة «تودايز زمان»، قال يوفوك سانلي، المراسل الاقتصادي لصحيفة «فاتان» اليومية، من المؤكد أن الحظر المفروض على «تويتر» يتسبب في تزايد المخاوف بين المستثمرين الأجانب، ولا سيما شركات التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي التي ستدرس عملية الاستثمار في تركيا. وأضاف أن «الحظر المفروض على وسائل الإعلام الاجتماعي ربما يؤدي أيضا إلى انخفاض التصنيف الائتماني لتركيا». وفي هذا الصدد، أصدرت جمعية الصناعيين ورجال الأعمال الأتراك بيانا صحافيا بشأن الحظر المفروض على موقع «تويتر»، - حيث لا يتماشى هذا الحظر مع حرية الرأي والتعبير - مشيرة إلى أن هذا الإجراء يكشف - حسبما يبدو - عن وجود مخاوف لا أساس لها، فضلا عن الإضرار بالديمقراطية.
وفي نفس السياق، أكد رضا نور ميرال، رئيس اتحاد رجال الأعمال والصناعيين الأتراك، أن تركيا تتجه بشكل كبير نحو التحول لنظام استبدادي في ضوء قرار الحكومة الأخير بفرض الحظر. وقال ميرال إن الاتحاد - بوصفه جماعة تمثل رجال الأعمال - تدين هذا الحظر المفروض على «تويتر»، كما تحث على ضرورة رفع الحظر في أقرب وقت ممكن. وأردف قائلا «من المستحيل أن تتمكن تركيا من تحقيق أهدافها الاقتصادية من خلال التصرف بهذه الطريقة». وفي الواقع أنه في حال استمرار فرض الحظر على مواقع التواصل الاجتماعي، فستكون هناك تأثيرات سلبية على قطاعي السياحة والتسويق الرقمي بصورة مباشرة بسبب هذا الحظر. ويقول خبراء في الشؤون التركية إن العدو اللدود لإردوغان اليوم هو الداعية فتح الله غولن البالغ 73 عاما، الحليف السابق الذي بات في نظره يحرك من بعيد مخططا لإسقاطه.
ومنذ أشهر يواجه إردوغان أسوأ أزمة في حكمه المستمر منذ 11 عاما، شهدت مظاهرات هائلة في الشوارع وفضيحة فساد متفجرة واقتصادا متعثرا. وتضررت حكومته كثيرا من سلسلة من التسريبات على الإنترنت كشفت قصصا رشاوى وفسادا وتناقلها مستخدمو الإنترنت بسرعة هائلة. ورد إردوغان بتهديد «الخونة» و«الإرهابيين»، فيما أدت مساعيه الحثيثة للجم وسائل التواصل الاجتماعي إلى نفور حلفائه الغربيين. ومع اقتراب امتحانه الأول في صناديق الاقتراع منذ انطلاق الأزمة في يونيو (حزيران)، تعهد إردوغان بمطاردة خصومه «حتى كهوفهم». وفي مرحلة سابقة، كان إردوغان وغولن حليفين مقربين حولا مشهدا سياسيا ظل طوال عقود خاضعا للعلمانيين والجنرالات من هواة الانقلابات.
ووسط مطالبات كثيفة في أوساط المسلمين المحافظين الذين كلوا مرحلة «الوصاية العسكرية»، حصل حزب العدالة والتنمية على السلطة عام 2002 وفاز في جميع الاستحقاقات منذاك التاريخ. وقاد الحزب المؤمن والداعم للأعمال ازدهارا هائلا في البناء واقتصادا ديناميكيا فيما بدأت تركيا تلقى الاستحسان في الخارج كنموذج لديمقراطية مسلمة ولاعبة عالمية نامية. وفيما أبدى حزب العدالة والتنمية قوته المذهلة في صناديق الاقتراع، وفر غولن التكنوقراط من أجل إدارة البيروقراطية مستثمرا ما هو حركة دينية من جهة وإمبراطورية أعمال من جهة أخرى.
ويؤكد أنصار غولن المعروفون بتقواهم وذكائهم في الأعمال، أن حركتهم تسعى إلى دمج «إسلام متحضر» بالحداثة والعلوم والقومية التركية. وغادر غولن إلى الولايات المتحدة عام 1999 للتهرب من اتهامات بممارسة أنشطة «معادية للعلمانية». وهو يرأس اليوم مؤسسة تدير مجموعة وسائل إعلامية ومراكز ثقافية ومدارس.
وتدير شبكة الخدمات التعليمية التي أسسها مدارس في 150 بلدا تشجع التحضر والمثابرة وتروج لإسلام معتدل ومتسامح.
كما أنها تدير في تركيا مدارس تبوأ خريجوها المخلصون مناصب رفيعة في الشرطة والقضاء.
وصرح المتحدث فاروق أكديتش «لا نعد الطلاب للامتحانات فحسب، نعدهم للحياة». وأضاف أن الطلاب «يتعلمون الإحسان والقانون الدولي وألا يقعوا في فخ الفساد أو السرقة، يتعلمون أن يكونوا قدوة». لكن الكثيرين يشيرون إلى انعدام شفافية التيار المتماسك.
وصرح سنان أولغن من مركز ادم للأبحاث «لا شفافية قط.. لا نعلم من يتلقى الأوامر ممن. لقد اخترقوا النظام برمته سواء في الجهاز التنفيذي أو في جهازي العدل والشرطة». ويلقب الأنصار المخلصون لإردوغان الذي كان في السابق لاعب كرة قدم شبه محترف ورئيسا لبلدية إسطنبول، رئيس الوزراء «الفارع الطول» أو «السلطان»، لكن منتقديه يتهمونه بالانجراف إلى سلوك «حكم الرجل الواحد». وعندما قمعت الشرطة المتظاهرين في يونيو في مواجهات أدت إلى مقتل 8 أشخاص وجرح الآلاف، وفرت صحف غولن تغطية شاملة. وحذرت مؤسسة الصحافيين والكتاب المرتبطة بغولن من أن تركيا قد تخسر «طابعها كدولة خاضعة لحكم القانون». وصرح نائب رئيس المؤسسة جمال أوشاك لوكالة الصحافة الفرنسية أن مزاعم تدبير «الطبيب المحترم» غولن لكل شيء من بعيد خاطئة، مشددا «لم نتدخل قط في السياسة ولن نفعل أبدا».
وفي إطار تصعيد الخلاف بين الرجلين، هدد إردوغان في نوفمبر (تشرين الثاني) بإغلاق جميع مدارس غولن وقال «سيخسرون مليار دولار سنويا»، وهو إجراء أقره البرلمان في الشهر الجاري.
وترى أغلبية الأتراك أن فضيحة الفساد الواسعة التي انطلقت في ديسمبر (كانون الأول) ليست إلا انتقاما. وتم توقيف العشرات من حلفاء إردوغان في السياسة والأعمال. وتراوحت الاتهامات المدعومة بسلسلة تسريبات أحاديث مسجلة من الرشوة إلى تهريب الذهب والتجارة غير المشروعة مع إيران.
ورد إردوغان بحملة تطهير طالت آلاف الشرطيين والمدعين فيما شددت الحكومة السيطرة على القضاء والإنترنت.
أما غولن الذي نادرا ما يجري مقابلات، فرد في مقال في صحيفة فايننشال تايمز في الشهر الجاري مؤكدا أن «مجموعة صغيرة في الفرع التنفيذي للحكومة تجعل تطور البلاد برمتها رهينة لديها».
والأسبوع الماضي، باتت الحرب بين الطرفين أكثر شراسة عندما نشر تسجيل سري على موقع يوتيوب لاجتماع أمني رفيع يناقش احتمالات التدخل عسكريا في سوريا. ولا يرجح أن يعود الهدوء قريبا.
فعشية الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ما زال أمام إردوغان موسم انتخابي طويل بعد انتخابات الأحد المحلية، فيما تتكاثر الشائعات حول تسريبات جديدة ستنشر. يبدو أن المعركة للسيطرة على تركيا بدأت للتو. وضغطت حكومة إردوغان على وسائل الإعلام وشنت حملة على الإنترنت حيث أمرت مؤخرا بإغلاق موقعي تويتر ويوتيوب ما أثار احتجاجات من حلفاء تركيا في الحلف الأطلسي وجماعات حقوق الإنسان. ووصفت منظمة العفو الدولية الحظر بأنه «محاولة لفرض الرقابة الحكومية لن تؤدي سوى إلى تعميق انعدام الثقة والإحباط».
وأضافت أنه «حتى لو كان للسلطات التركية مخاوف مشروعة حول بعض المحتوى (على الإنترنت) إلا أنه من المبالغ فيه تماما فرض حظر شامل على يوتيوب في البلد بأكمله». ودعا مؤلفون من بينهم غونتر غراس والكاتب التركي أورهان باموك الحكومة إلى أن تتذكر «أن هذا البلد الجميل سيكون أكثر قوة وسعادة عندما يحترم التعددية والتنوع وحرية التعبير».
ووسط جو من انعدام الثقة وانتخابات أمس التي يحق لأكثر من 50 مليون شخص التصويت فيها، يعتزم حزب الشعب الجمهوري المعارض وعشرات آلاف المتطوعين من المواطنين مراقبة عملية فرز الأصوات. وتعتبر هذه الانتخابات حاسمة لإردوغان الذي يسعى إلى الحفاظ على هيمنته على السلطة رغم الاضطرابات الأخيرة. ويسعى إردوغان إلى الحصول على منصب الرئيس خلفا لعبد الله غل في الانتخابات التي ستجري في أغسطس (آب) وهي الأولى التي سينتخب فيها الأتراك رئيسا للدولة.
وتنتهي ولاية إردوغان الثالثة كرئيس للوزراء العام المقبل، ليكمل 12 عاما في الحكم، وهي أقصى مدة لتولي هذا المنصب بموجب قوانين حزب العدالة والتنمية التي لمح إردوغان إلى رغبته في تغييرها.



لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».


تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
TT

تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)

تجاوز «البودكاست»، للمرة الأولى، الإذاعة بوصفها إحدى أبرز الوسائل الشعبية للاستماع للمحتوى الصوتي، ما يدفع بالمنافسة بينهما لمزيد من الاحتدام. وفي حين تشير البيانات إلى أن السوق تتجه إلى مزيد من الاعتماد على «البودكاست»، قال خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» إن الراديو لا يزال يتمتع بمزايا تنافسية وفرص لجذب الجمهور.

مؤسسة «إديسون ريسيرش» الأميركية كانت قد أجرت مسحاً ونشرت نتائجه في نهاية فبراير (شباط) الماضي، وكشفت النتائج عن زيادة إقبال الجمهور على الاستماع لـ«البودكاست» ليتجاوز للمرة الأولى جمهور الإذاعة.

وأكدت المؤسسة، المتخصصة في استطلاعات الرأي ودراسات السوق والإعلام، أن الباحثين ظلوا على مدار العقد الماضي، يتتبعون سلوك الجمهور فيما يتعلق بالمحتوى الصوتي وتفضيلاته. ورصدوا، بالفعل، نمواً مستمراً في نسبة الوقت المخصص للاستماع إلى «البودكاست»، مقابل تراجع في حصة الوقت المخصص للإذاعة، لينتهي الأمر بتفوق «البودكاست» بنسبة 40 في المائة من إجمالي وقت الاستماع، مقابل 39 في المائة للإذاعة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه النسبة تتعلق بالإذاعة الحوارية فقط، ويستثنى منها وقت الاستماع للموسيقى مقابل «البودكاست المصور».

من ناحية أخرى، مع أن الفارق لا يزال محدوداً، فإن الخبراء أثاروا تساؤلات حول التنامي الذي لا يمكن إنكاره لهذا النمط من المحتوى الصوتي، لا سيما في ظل دخول منصّات مثل «سبوتيفاي» و«يوتيوب» في المنافسة، ما يمثل توجهاً محورياً في الصناعة.

هيفاء البنا، الصحافية اللبنانية والمدربة في الإعلام ومواقع التواصل، رأت أن تجاوز «البودكاست» للإذاعة التقليدية القائمة على البث الخطي، يعكس تحولاً بالأساس في سلوك الجمهور. وأوضحت أن «التحول مرتبط أساساً بتغير عادات استهلاك المحتوى بشكل عام، وليس الصوت فقط».

وتابعت البنا أن الجمهور اليوم اعتاد نموذج «المحتوى عند الطلب» في كل شيء تقريباً، من الفيديو إلى الموسيقى، ومن ثمّ أصبح من الطبيعي أن يتوقع التجربة نفسها مع المحتوى الصوتي. وتابعت أن «البودكاست» يمنح المستمع التحكم الكامل، اختيار الموضوع، الحلقة، والتوقيت، بينما يظل الراديو التقليدي «مرتبطاً بجدول بث ثابت يفرض على المستمع التكيف معه».

أيضاً أشارت البنا إلى «عامل التخصص»، فقالت إن «البودكاست» يسمح بوجود برامج شديدة التخصص، تستهدف اهتمامات محددة، وهو ما يصعب تحقيقه في الإذاعات العامة التي تخاطب جمهوراً واسعاً. وذكرت أن انتشار أنظمة الترفيه الذكية في السيارات وربط الهواتف الذكية بالسيارة، ساهما في الوصول بسهولة إلى تطبيقات «البودكاست» أو الموسيقى أو الكتب الصوتية.

في سياق متصل، وفي خطوة تعكس تغيراً واضحاً في اتجاهات صناعة الإعلام، أبرمت شركة «نتفليكس» صفقات مع مؤسستي «آي هارت ميديا» و«بارستول سبورتس» لعرض إنتاجاتهما من «البودكاست» عبر المنصة بصيغة بصرية متطورة تتجاوز القوالب التقليدية.

وتتوافق هذه الخطوة مع البيانات الصادرة عن «يوتيوب» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي أفادت بنمو ملحوظ في مشاهدة «البودكاست المصور» عبر أجهزة التلفاز الذكية، إذ سجلت المنصة 700 مليون ساعة مشاهدة شهرية خلال عام 2025 ارتفاعاً من 400 مليون ساعة في عام 2024.

وهنا، قال الحسيني موسى، خبير تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، إننا أمام محتوى واحد يُقدم من خلال نموذجين مختلفين، من حيث الإنتاج والتوزيع وشكل العلاقة مع الجمهور. وأوضح أن «هناك اختلافات جوهرية في النموذجين، ففي حين تتميز المنظومة الإذاعية بالدقة والمهنية والتحقق من المعلومات، وهذا يجعل نسب الخطأ أو التضليل أقل، يتمتع البودكاست بمساحات من الحرية تكسر القوالب التقليدية؛ لكن في الوقت نفسه قد يَعرض محتوى مضللاً دون رقيب».

وفي سياق المقارنة، أورد موسى أن ما يميز «البودكاست» هو اعتماده على «ارتباط شخصي وثيق» بالمستمع أو المشاهد، وأن «البودكاست يقدم حلقات طويلة تمتد لبضع ساعات أحياناً، وهذا النموذج يشعر الجمهور بثقة منشؤها التواصل الإنساني المستمر وليس بالضرورة البراهين المادية».

في المقابل، رغم البيانات التي قد تقوّض فرص الإذاعة، رأى موسى أنه لا تزال الإذاعة لديها فرص ومزايا تنافسية، وأن «نقطة القوة الأولى هي الثقة، فجمهور الراديو يشعر بطمأنينة تجاه المحتوى المقدم، ويثق بأنه تم تدقيقه وتحريره باحترافية».

وأردف: «الميزة الثانية هي الآنية، إذ تعد الإذاعة من أقوى وسائل الإعلام في مساحة الخبر العاجل، بينما يظل البودكاست بعيداً عن هذه الميزة». وأما الميزة الثالثة بحسب موسى فهي التحوّل للديجيتال (الرقمية)، شارحاً «حان الوقت ألا تكتفي الإذاعة بالبث التقليدي، وتنطلق نحو إعادة توزيع محتواها بشكل ذكي قريب من الديجيتال، وهذا سيساهم في الوصول للجمهور الأصغر سناً».


فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.