حروب الكلمات العظيمة.. مجرد ذكريات

السجالات الفكرية والأدبية.. لماذا انحسرت في ثقافتنا المعاصرة؟

حروب الكلمات العظيمة.. مجرد ذكريات
TT

حروب الكلمات العظيمة.. مجرد ذكريات

حروب الكلمات العظيمة.. مجرد ذكريات

في الأربعينات والخمسينات والستينات، اشتعلت المزيد من المساجلات الأدبية التي كانت تنشب بسبب اختلاف الآراء، وعرفت ساحات الأدب فرسانًا لهذه المساجلات مثل سجالات عباس العقاد مع طه حسين، والرافعي وأحمد شوقي، وجميل صدقي الزهاوي، وسجالات محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي، وغير ذلك من معارك أثرت الفكر العربي الأدبي والنقدي، والتي كان من أواخرها السجالات الطاحنة بين أنصار المتحيزين لشعر العمودي والتفعيلة، وبين الذين أصروا على إطلاق عبارة «قصيدة» على النثر.
لماذا انحسرت مثل هذه السجالات في حياتنا الثقافية المعاصرة؟ هنا مداخلات حول هذا الموضوع من كتاب وباحثين ومثقفين من مختلف البلدان العربية:

حين كانت الحروب بأسلحة من كلمات، كانت الفائدة عظيمة على العقل العربي. لكن الإنسان العربي استبدل اليوم هذه الكلمات بشتى أنواع الفتك. قد يكون المدخل إلى موضوع أدبي مؤلمًا بهذه الطريقة، ولكن نريد القول: ليتنا بقينا على المعارك الأدبية كتلك التي كانت تشتعل بين الأدباء والنقاد والمفكرين ويسيل لأجلها الحبر حتى يغوص به القراء للركب.
في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، اشتعلت المزيد من المساجلات الأدبية التي كانت تنشب بسبب اختلاف الآراء، وعرفت ساحات الأدب فرسانًا لهذه المساجلات مثل سجالات عباس العقاد مع طه حسين والرافعي وأحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي، وسجالات محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي، وغير ذلك من معارك أثرت الفكر العربي الأدبي والنقدي والتي كان من أواخرها السجالات الطاحنة بين أنصار المتحيزين للشعر العمودي والتفعيلة، وبين الذين أصروا على إطلاق عبارة «قصيدة» على النثر.
لكن الذي حصل اليوم، أن هذه السجالات بمفهومها «الثوري» انحسرت إلى حد كبير، بحيث لم تعد تشكل مادة تصلح لأن تظهر في كتب كتلك الكتب التي ظهرت مفعمة بالزخم عن المعارك الأدبية السابقة، أي تكاد تكون المساجلات اليوم محصورة في ساحة مواقع التواصل الاجتماعي بالتغريدات والبوستات والتعليقات على أبعد تقدير.
الإجابة على الأسباب التي أدت إلى هذا الانحسار، لا يمكن أن تكون إجابة فردية، لذلك كان لا بد من سبر غور آراء كثير من الأكاديميين في مجال الأدب والأدباء ليدلوا بدلوهم في هذه المسألة الحيوية.
السرقات الأدبية.. فحسب
الأكاديمية السورية الدكتورة علياء الداية، بقسم اللغة العربية جامعة حلب، ترى أن السجالات والحوارات الثقافية تحتاج إلى أرضية من الاستقرار، وتقول: لعلّ هذا ما تفتقده أيامنا المعاصرة إلى حد كبير، وعلى صعد متعددة. وتضيف: كما يؤدي العامل الاجتماعي دورًا مهمًا، فمن الملحوظ حاليًا ارتفاع نسبة الشباب في البلاد العربية، وهذا ما يجعل اتجاهاتهم الثقافية وتفضيلاتهم المعيشية تلقي بظلالها على المشهد الفكري العام. كان الغالب في سجالات العقود السابقة هو الرغبة في تجاوز المنتج الثقافي، من خلال نقده أو الرغبة في تطويره أو تحسينه، أو إيجاد بدائل فكرية للنظريات المطروحة. أما الآن فيقتصر الأمر على الرغبة في العرض والمناقشة، وفي بعض الأحيان إثارة موضوع السرقات الأدبية. وتفسر الدكتورة علياء الداية ذلك بقولها: يتميز عصرنا بتعدد الوسائل الإعلامية، مما يجعلها تتداخل كثيرًا مع الوسائل المعرفية وتتماهى معها، ومن ذلك ما يدفع أعدادًا متنامية من القراء باتجاه كتب رائجة، لاقتنائها إلكترونيًا أو ورقيًا وتبادل النقاشات حولها وتداول الاقتباسات والعناوين، من دون أن يعني ذلك حراكًا فكريًا عميقًا بالضرورة. وفي مثال آني للدور الإعلامي المعرفي الثقافي - تقول الدكتورة علياء الداية - نجد المسلسلات المأخوذة عن روايات عربية والتي حافظت على عنوان الرواية نفسه، مثل «ساق البامبو»، و«سمرقند»، و«أفراح القبّة»، وما تحظى به من متابعة واسعة، ونقاشات بين مشاهديها، ومقارنتهم بينها من حيث الجودة، وبين المسلسل المنتج والرواية المأخوذ عنها، الكثير يتجهون إلى قراءة الرواية أو إعادة قراءتها من جديد ليكونوا على أهبة المشاركة فيما يستجد من حلقات على الشاشة، ومن حوارات مع المجال الاجتماعي من حولهم ووسائل التواصل.
ولا تتجاهل الدكتورة الداية في هذا الموضوع حقيقة أن «الثقافة العربية المعاصرة تكتسب سمة العابرة للأماكن، بفعل مكوناتها من نصوص ومبدعين ومتلقين ما زالوا متواصلين وملتصقين بثقافاتهم الأصلية، ولكن الهجرة طافت بهم عبر العالم، وقد تثير الأماكن الجديدة أو الطارئة حوارات فكرية أو ثقافية ما تزال قيد التشكل لعقود قادمة».
الكاتبة الكويتية إستبرق أحمد تعتقد أن العالم يخضع لتغييرات متسارعة: «بحيث حتى بعض المواضيع التي تسترعي الانتباه تخفت وقد تختفي، كل خبر يدفع خبرا آخر للظل، كل اختراع يلغي أو يقلل من أهمية اختراع آخر»، لذا - حسبما تقول إستبرق أحمد - كانت السجالات والمناقشات غالبا تحتاج لصحيفة، أو إصدار كتاب للحفاظ على الحدث، أما الآن فالزمن في لهاث نكاد نسمع شهيقه وزفيره، بوسائل أصبحت أكثر وفرة وحيوية تتمثل بالسيد الوحش المدعو «الشبكة العنكبوتية» فإن الوسائط أو الطرق متاحة بتنوعها، مما جعلنا نرى حوارات كثيرة في مواقع الإنترنت تستقطب كثيرًا من المواضيع الثقافية، وتضيف: قد يجد أصحابها أهمية لوضعها في كتاب لكن غالبا تفتر المناقشة ويأتي ما هو أكثر أهمية منها فلا تصل إلى أرشفتها، أقول ذلك الرأي دون أن يكون السبب الوحيد الظاهر، فهناك عدة أسباب منها أن جرأة النقد في خفوت، والحياة محقونة بكثير من المعارك اليومية فلا تخلو من بلدان تقتلع وحدود تنفجر وصراعات طائفية طاغية تجعلنا لا نحتاج للانقسام إلى فريق ضد فريق إزاء قضية ثقافية، لأننا أصلا متشظون، فالانقسامات أكثر بكثير من استغراقنا أو اصطفافنا وراء اسم ضد اسم في معركة ثقافية، وتستدرك إستبرق أحمد بقولها: لكن الظاهر أيضا هو تزايد المعارك بين تيار يتشبث بالتنوير وتيار آخر ظلامي يتنامى بلا انحسار، سواء في إطار التلفزة أو مواقع التواصل أو الانفجار بكتب وكتيبات مناوئة أغلبها يكتب على عجل، فالهدف منها تدبيج الرأي أكثر من تأمل الأفكار، وهكذا تأتي المشاحنات دون إنصات بل بتربص واضح فيسطحها وهو ما يجعلها معارك ليست بثراء المعارك الثقافية السابقة التي تقوم على «احترام» جهد وثقافة الطرف الآخر وإن اختلف تماما معه، علما بأننا لا ننفي وجود هذه المعارك لكننا ندعي كما ورد بالتحقيق الصحافي أنها تراجعت كثيرا نتيجة لتراجع الأدوات السابقة وطغيان متواصل للتشبث بفكرة «الحقيقة المطلقة».
الشاعر والمؤلف الكويتي سالم الرميضي له رأي قد يبدو غريبًا في خاتمته لكثير من المتابعين لهذه الإشكالية، فهو يرى أن هذه المساجلات انتقلت اليوم من ساحة الأدب الفصيح إلى ساحة الأدب الشعبي، ولكنه قبل ذلك يسترجع التاريخ أولاً فيقول: فعلاً كانت المساجلات والمطارحات الأدبية قديمة قدم التاريخ العربي وتنوعت عنواناتها ومواضيعها بداية من المفاخرة والمهاجاة في سوق عكاظ بالجاهلية ثم بالمدح والذم بين شعراء المسلمين والمشركين في صدر الإسلام وبعد ذلك النقائض بين جرير والفرزدق في عصر بني أمية، وهكذا حتى تاريخنا الحديث وكما ورد بالسؤال حتى الأدباء من غير الشعراء كانت بينهم رسائل ومحاججات ومطارحات من مثل كتاب العقاد «على السفود» وردود الشيخ محمود شاكر وحرب المقالات بين رواد الأدب الكلاسيكي والحديث في النصف من القرن المنصرم.
ويضيف الشاعر سالم الرميضي: أما الآن فأظن أن المساجلات والمطارحات موجودة فعلاً ولكن المتلقي فقد الاهتمام بالأدب بعد أن تم اختطافه وتشويهه بشكل متعمد عن المتلقي العام الذي كان يتلقى تلك المساجلات في السابق بالاهتمام والنشر والحديث حولها، فالأدب اليوم شأن خاص لكل من يرتدي معطفًا رماديا بالشتاء ويشرب نصف كوب من القهوة ويتصفح جريدة قبل أسبوع! ولكن هذه المساجلات - حسب اعتقاد الرميضي - ما تزال ماثلة بقوة في الساحة الشعبية عند شعراء (القلطة) أو ما يعرف بالمحاورة القائمة على الارتجال وكذلك ما يسمى بالرديات وهي تماما كالنقائض الفصيحة؛ إذ يرسل الشاعر قصيدة ويرد عليه الشاعر الآخر بنفس الوزن والقافية ويجيب تساؤلاته أو يقلب معناه أو يجاريه.
أما الأكاديمية السورية الدكتورة بتول دراو، المتخصصة في مبادئ النقد ونظرية الأدب، فتقول: حين نفهم الوسط الذي احتضن صراعات العقاد وطه حسين نستطيع أن نفهم سبب تراجع مثل تلك السجالات في الوسط اليوم، ففي تلك المرحلة وبسبب طبيعة الوسط آنذاك الذي كان متسمًا بالانفتاح على الثقافات الواسعة؛ ظهرت تلك الصراعات التي كانت صادمة نظرًا لجدتها وعمق الموضوعات التي تحدثت عنها؛ فضلاً عن حساسيتها، وجرأتها الكبيرة في بسط آرائها والدفاع عنها.
أما اليوم -تضيف الدكتورة بتول دراو- فلعلنا أصبحنا أمام ما يمكن أن نسميه بالحرب الباردة، فالسجالات ما تزال مستمرة ولكنها فقدت مصداقيتها؛ أو لعل الأصح القول فيها إنها كانت حوارًا ثقافيًا حول رسالة الغفران على سبيل المثال عند العقاد وحسين، وتحولت لاحقًا إلى صراعات متأثرة بهيمنة نمط فكري ما عائد إلى تأثره بفكر آيديولوجي معين، ونحن لا ننفي عن السجالات الأولى تأثرها بما هو فكري؛ ولكن الفكري فيها يتراجع على حساب ما هو ثقافي بخلاف ما قد نجده اليوم، حيث إن الفكري يغدو مقدمًا على ما هو ثقافي، كأن يتم ترشيح عمل أدبي ما إلى جائزة ما نظرًا لأن صاحبه ينتمي إلى هذا البلد أو ذاك، أو لأن صاحبه يمتلك منظومة فكرية أو غير ذلك مما يدور في الفلك نفسه مما يناسب القائمين على الترشيح للأعمال الإبداعية، وهنا نجد أنفسنا أمام وسط يؤثر سلبًا في الإبداع بخلاف ما كان عليه سابقًا، حيث لم نكن نجد هذا الاهتمام الواسع بتقويم الإبداع من خلال المسابقات أو الجوائز، وهذا ما يجعلنا نرى أن السجال الثقافي تحول إلى صراع آيديولوجي مما أوهمنا بغيابه، وهو في الواقع لم يغب؛ وإنما تحول عن الحقل الثقافي الذي وُجد فيه.
وتفسر الدكتورة بتول دراو ذلك بقولها: أي أن ما نريد قوله إن سجالات الأوائل اتسمت بالصدق أكثر من صراعات اللاحقين، وإن الصدام الذي أثارته السجالات الأولى فقدناه اليوم، وجُلّ ما نجده الآن هو صدى لآراء تلك السجالات؛ أما أن يتم اقتحام حقول أخرى غير ما خاضها الأوائل فهو أمر لا نجده مطروحًا في سجالات اللاحقين، بل إن كثيرا من السجالات لم تعد تتسم بالجرأة والإفصاح أو النقد الجاد.
ولكنها تختتم رأيها بأنه: «مع ذلك ما تزال مدارس العقاد وحسين أو طرابيشي والجابري مستمرة بصراعاتها إلى اليوم، وبالشكل الذي وجدت فيه أساسا».



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.