الإخوان في مفترق طرق.. والانقسامات تتسع

«الشرق الأوسط» تنشر مراسلات سرية لقادة الإخوان تكشف عن حجم الخلافات والصراعات

مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
TT

الإخوان في مفترق طرق.. والانقسامات تتسع

مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري
مظاهرات «الإخوان» تحولت إلى عنف في الشارع المصري

أثار القرار الجريء الذي اتخذته حركة النهضة التونسية بفصل الدين عن السياسة تساؤلات عما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ستسير على خطى النهضة. إذ يرى المراقبون أن الأزمة الحالية التي تمر بها الجماعة في مصر قد يدفع قادتها إلى التفكير في اتخاذ خطوة مماثلة.
وبينما أشارت بعض القيادات الإخوانية في المنفى إلى دراستهم لفكرة فصل الأنشطة السياسية عن الدينية، في حين رفض آخرون الفكرة باعتبارها غير واقعية وغير قابلة للتطبيق. وبغض النظر عما ستؤول إليه المناقشات الجارية حاليا حول القضية، على افتراض أنه قيد النقاش، فإن الحركة ستواجه الكثير من العقبات التي ستحول دون اتخاذ قرار مماثل لحزب النهضة.
في غضون ذلك، قال خبراء في شؤون الجماعات الإسلامية إن «الانقسامات داخل صفوف الإخوان ستمتد لأعوام قادمة.. وإن المشهد داخل الجماعة (مفكك) فضلا عن تصارع 4 تيارات». بينما تنشر «الشرق الأوسط» مراسلات سرية لقادة الإخوان حصلت عليها من عدة دول، تكشف عن حجم الخلافات والصراعات، ومطالبات البعض بضرورة وجود حلول سريعة لأحوال الجماعة التي باتت غير واضحة المعالم.
ويشار إلى أن دعوة «فصل الدين عن السياسة» داخل الإخوان ليست بالجديدة، فالكثير من القيادات الإسلامية مثل محمد سليم العوا وطارق البشري وعبد الله النفيسي، حثوا جماعة الإخوان المسلمين على ترك السياسة والتركيز على الدعوة والتربية. وكان السبب الرئيسي وراء انشقاق حزب الوسط عن جماعة الإخوان المسلمين عام 1996 هو تحول الحركة إلى كيان سياسي، إذ قال رئيس حزب الوسط في مقابلة صحافية أجريت معه مؤخرا إن «نشاط الإخوان المسلمين ينبغي أن يقتصر على الدعوة».
ومنذ الأربعينات من القرن الماضي، دست جماعة الإخوان أنفها في كل المناحي السياسية. والمزج بين الدين والسياسة ليس بالأمر الغريب على أعضاء الجماعة، كما قد يبدو للعين الخارجية؛ بل على العكس تماما، فالإخوان تفتخر بمزج الدين والسياسة كجزء من آيديولوجيتها الشاملة، فالإسلام في وجهة نظر حسن البنا المؤسس وأعضاء الإخوان المسلمين دين شامل يغطي كافة مناحي الحياة، بما في ذلك النواحي السياسية.
من جهته، قال د. كمال الهلباوي الأمين العام السابق للتنظيم العالمي لـ«الإخوان» في الغرب عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان حاليا في اتصال هاتفي أجرته معه «الشرق الأوسط» من لندن إن جماعة الإخوان المسلمين، ليس لها أي وجود حاليا في مصر بحكم القانون، موضحا أن الجماعة مصنفة في مصر حاليا تنظيمًا إرهابيًا، ولم يعد لها مقر للقيادة، وجميع مقراتها تخضع للحكومة المصرية.
وصنفت الحكومة المصرية، الإخوان كجماعة إرهابية، وتشير المعلومات إلى تحول قطاع عريض من شباب جماعة الإخوان والتيار الإسلامي الرافض لعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى تبني العنف.
وأضاف الهلباوي أن قيادات الجماعة إما في السجون أو هاربون للخارج، ولا أحد يقود الشباب في مصر، لافتا إلى أن قيادة الجماعة وهو محمود عزت غير معروف محل إقامته، ويقال: إنه هارب في الخارج، في تركيا أو غزة، وقال ردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» أين محمود عزت، بأنه سؤال أمني في المقام الأول لا يستطيع الإجابة عنه، موضحا أن قادة الجماعة تتركز صراعاتهم حاليا على الاستئثار بالسلطة والإعلام والمال من جهة تبرعات أعضاء الجماعة، والنفوذ والعلاقات الخارجية حيث يوجد الإخوان في الغرب وإسطنبول وقطر. وعن المال قال الهلباوي: «نعم هناك أموال بيد القيادات في الخارج، وهناك صراع أيضا للاستحواذ عليها».
ونوه بأن قيادة الإخوان لم تكن سرية طوال تاريخها، ولا تعمل من الخارج، مشيرًا إلى أن الصراعات على المناصب والأموال تضرب الجماعة الآن، لا سيما في ظل انشطارها إلى ثلاث مجموعات، مؤكدا أن جميعهم يبتعدون عن منهج الإمام المؤسس حسن البنا؛ بل ربما يتمسحون به من أجل إضفاء الشرعية ومحاولة الاستئثار بالسلطة.
وأوضح أن المجموعة الأولى هي الأقوى بحكم أنها تضم القيادات التاريخية، وتتحكم في أموال الجماعة، وتضم المرشد العام الجديد محمود عزت، ومحمود حسين الأمين العام للجماعة، والقيادات التي تعمل في لندن.
فيما قال أحمد بان الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط»، إن الانشقاقات التي تشهدها جماعة الإخوان في مصر وتركيا وسوريا تدل على انتقال الجماعة من حالة التماسك الفكري والوحدة التنظيمية إلى حالة من حالات التململ من طول الجمود الفكري والتنظيمي، والتعاطي مع الواقع المتغير في كل هذه الدول، بالشكل الذي يكاد ينتج مدارس فكرية وتنظيمية جديدة تختلف تماما عن الشكل القديم الذي عرفنا به جماعة الإخوان عبر عقود، مضيفا: أن الجماعة تعرضت لأكثر من زلزال تنظيمي، فقدت الحكم بعدما وصلت إليه في بعض البلدان، شاركت في الحياة السياسية وحصلت على ثقة الناخبين في بلدان أخرى، ودخلت الحكومة في بلدان.. هذا التباين في التجربة أنتج هذا التشظي أو الانقسام الذي لا أظن أنه سوف يتوقف؛ بل قد تمتد حالة السيولة في الانقسام لأعوام قادمة، قبل أن يحدث التجدد المعنوي والسياسي والتنظيمي والتفاعل مع الواقع بصيغة جديدة.
وتشهد جماعة الإخوان حالة من الانقسام والصراع داخليا، بالتزامن مع تعرضها لضربات أمنية وسياسية قاسية في مصر والدول العربية، لا سيما مع تصنيفها تنظيما إرهابيا في نهاية العام 2013 في مصر، واتخاذ دول الإمارات والمملكة العربية السعودية القرار نفسه لاحقا.
ومع اشتداد الضربات الأمنية ضد الإخوان، وتعرض غالبية القيادات للسجن، ولا سيما المرشد العام محمد بديع، وخيرت الشاطر، ومحمد البلتاجي، ورشاد البيومي نائب المرشد ومهدي عاكف المرشد السابق بالإضافة إلى الرئيس المخلوع محمد مرسي، والآلاف من الأعضاء، تترنح الجماعة وصارت تعاني الانقسامات، خاصة أنها تقع تحت قيادة محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام، وهو شخصية غير محبوبة في أوساط شباب الجماعة، ويحمّلونه مسؤولية انهيارها. وانقسمت الجماعة إلى جماعتين أساسيتين، هما الجماعة التي يقودها محمود عزت، وهي الجماعة الأكبر والأكثر عددًا، بسبب سيطرة عزت على أموال الجماعة، واستخدامها في تقريب الشباب إليه.
ويقود الجماعة الثانية، محمد كمال ومحمد منتصر، وتضم هذه الجماعة غالبية الشباب الرافضين للمسلك الحالي للجماعة، لكنهم ليسوا في قوة ونفوذ جماعة محمود عزت.
غير أن القاسم المشترك بين المجموعتين، أن قياداتهما هاربون للخارج، ويقيمون ما بين تركيا وقطر ودول أوروبا مثل بريطانيا والنمسا.
وتلقت الجماعة ضربة داخلية جديدة زادت من انقسامها، بإعلان محمد كمال، القيادي في الجماعة، وقائد المجموعة الشبابية، استقالته من كافة مواقعه داخل الجماعة، لا سيما أنه عضو في مكتب الإرشاد.
وقال كمال في تسجيل صوتي: «أدعو اللجنة الإدارية العليا لإعفائي من مهامي»، مضيفا: «وأعلن عدم التقدم لأي منصب في الإدارات المقبلة».
وكشف كمال للمرة الأولى أن الجماعة تعاني خلافات ومشاكل كثيرة، وقال: «لم أكن يومًا حريصا على موقع، بل كنت أريد الدفاع عن مؤسسية الجماعة وتصحيح أوضاع خاطئة وممارسات أضرّت بالجماعة وسمعتها وجارت على مبادئها»، داعيا القائم بأعمال المرشد محمود عزت إلى «التراجع خطوة للوراء وتسليم الراية للشباب فرسان الميادين»، على حد قوله.
وأضاف أن «كافة المبادرات التي تم طرحها لحل أزمة الصراع داخل الجماعة أوصت بتقديم الشباب وتراجع القيادات السابقة»، وقال: إن «عجلة الإصلاح بدأت في الدوران».
وفي الرسالة الأولى التي تنشرها «الشرق الأوسط» بالإضافة إلى عشرات من المراسلات الخاصة، التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» والتي تم إرسالها إلى قيادات إخوانية خارج مصر تقول من شخص يدعى مدحت الحداد وهو مسؤول المكتب الإداري لـ«الإخوان» المصريين بتركيا المحسوب على جبهة القائم بأعمال المرشد محمود عزت، «أرى أن إخواني قد تجاوزوا كافة الخطوط الحمراء بلا استثناء، وأضاعوا كل فرص إيجاد حلول لجمع الصف؛ بل تمادوا في إجراءات شق الصف بلا هوادة.. فعلى المسؤول الذي حمله الله هذه المسؤولية إما أن يكون قادرا على حسم هذه الأمور ووقف هذا العبث بمقدرات الأمة ووضع الحدود الفاصلة لهذه المهاترات، وإما أن يترك مكانه لمن هو أقدر على الحسم».
وحول مصالحات مع الإخوان في مصر، قال الدكتور خالد الزعفراني الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ليس هناك أي مصالحات مع الإخوان ولا حتى نية مصالحات سواء من الدولة المصرية أم من الإخوان، لافتا إلى أن الدولة لا تستطيع أن تبدي أي مصالحة مع الإخوان بسبب رفض كثير من الشعب لذلك، فضلا عن الانشقاقات الموجودة داخل الإخوان والمزايدات، ولا يستطيع أي فصيل في الجماعة حتى الفصيل الأساسي الذي يتزعمه عزت نائب المرشد ومحمود حسين وإبراهيم منير لا يستطيع أن يأخذ قرارا لأن فيه مزايدة على الطرف الآخر في الجماعة وهو طرف قوي وهو محمد كمال، موضحا أن الإخوان لا يستطيعون أخذ أي قرار في هذا الشأن ولا الدولة المصرية نفسها تستطيع أن تأخذ أي قرار.
وقال الزعفراني إن كل ما يحدث من كلام عن المصالحات ليس له أي أساس، لافتا إلى أن المشهد داخل الجماعة الآن مفكك، وأصبحت أربعة أقسام، قسم ضخم وهو يقف يتأمل ومجمد موقفه وما زال ينتمي للجماعة لكنه لا يقوم بأي فعاليات ويرى أن الجماعة أخطأت في أشياء كثيرة؛ لكنه ليس لديه استعداد للابتعاد عن الجماعة، وقسم ثانٍ وهم الجماعة الأساسية وهو متمسك بكل شيء وعلى رأسه محمود عزت وهو قسم ضخم وهو الأكبر، أما الثالث فهو محمد كمال ومعهم مجموعة من الشباب صاحب الفكر الثوري وهؤلاء عمرهم قصير وسوف ينقسمون على بعض لأنه لا يوجد فكر واحد يجمعهم وعدد كبير منهم «ملوث» بالأفكار التكفيرية والجهادية أما المجموعة الرابعة وهي التي قررت الابتعاد عن الإخوان وهي مجموعة كبيرة.
ويقول مراقبون إن ثمة عقبة ثانية تتمثل في التلقين الآيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين، فعلى النقيض من الجماعات الإسلامية المسكينة تتبنى جماعة الإخوان المسلمين برنامجا مسيسا إلى حد كبير يضمن تفاعل الأعضاء إلى حد كبير مع الحياة السياسية بشكل يومي. وتروج برامج التلقين في الجماعة إلى بعض القيم التي تتجاوز الدين وتساعد في خلق هوية سياسية. علاوة على ذلك، فإن جماعة الإخوان لا تقتصر على تدريب أعضائها ليكونوا دعاة فقط، بل أيضا يشمل التدريب إعداد ناشطين اجتماعيين وسياسيين. ومن ثم، فإن التخلي عن السياسة سوف يعني تغييرًا جذريًا في برامج التلقين والتنشئة الاجتماعية الخاصة بالإخوان المسلمين، وهو ما تستطيع الجماعة تحمل القيام به.
وتابع الخبراء أما بالنسبة للمعضلة الثالثة، فتتمثل في الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، فلطالما تلقت الجماعة ألوان المديح على تماسك وانضباط هيكلها، الذي مكنها من البقاء على قيد الحياة في مواجهة قمع النظام لها لعقود من الزمان. ومع ذلك، فيمكن لهذا الهيكل أن يفضي إلى نتائج عكسية. ففي أعقاب ثورة يناير 2011. أنشا الإخوان «حزب الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، جميع أعضائه من الإخوان ولا يوجد ثمة دليل على انضمام أعضاء من خارج الجماعة إلى عضويته. وقد اعتمد الحزب الناشئ بشكل كبير على هيكل الإخوان المسلمين وتكتيكات التجنيد والحشد التي تنتهجها الجماعة.
فإن قررت جماعة الإخوان المسلمين أن تصبح جماعة دينية فقط، فسوف تفقد تميزها في السوق الدينية. وعندما كتبت عن الجماعة عام 2007. رفض الكثير من قياداتها فكرة اقتصارها على الدور الديني فحسب، بينما أعرب بعضهم عن امتعاضهم من فكرة فصل الدين عن السياسة واعتبروها شكلا من أشكال العلمانية. وقد انضم هؤلاء الأعضاء إلى جماعة الإخوان المسلمين بسبب طابعها الشمولي، وبالتالي فإن فصل الدين عن السياسة سينفر كثير من الأعضاء، وخاصة في المناطق الريفية والضواحي.
ولكن اليوم تواجه الجماعة مزيدا من الخلافات والانشقاقات بين قادتها، رغم أن معظم قادة الجماعة في السجن، والكثيرون منهم يواجهون حكم الإعدام، وكثيرون هربوا لدول متعاطفة معهم مثل قطر وتركيا.
وأشار الهلباوي إلى أن المجموعة الأولى تعرف تتصارع على السلطة الآن، وكشف أن هذه المجموعة تتحدث وتقود ما تصفه بـ«الحراك الثوري». ونبه إلى أنهم «لا يؤمنون بالثورة، بل يؤمنون بالعنف، ويستهدفون ضباط الشرطة والجيش والمؤسسات المختلفة، ويسعون إلى إسقاط الدولة».
وذكر أن المجموعة الثانية يقودها شخصان هما محمد منتصر ومحمد كمال، وهي المجموعة التي تتصارع مع مجموعة محمود عزت على المناصب والأموال، وتحاول كل مجموعة منهما استقطاب الشباب إليها.
ولفت الهلباوي إلى أن المجموعة الثالثة تقف حائرة بين المجموعتين الأولى والثانية، وتسمي نفسها «جماعة التوقف والتبين»، مشيرا إلى أنهم يرفضون العنف والصراع على السلطة، وتضم عشرات الآلاف من الشباب، وهذه المجموعة تتعرض لضغوط هائلة من السلطة في مصر وقيادات الإخوان في الوقت نفسه.
ويرى المراقبون أن ما زاد الأمور تعقيدا هو اختلاف الإخوان المسلمين حول من يتحدث باسمهم، حيث إنه في نهاية العام الماضي، عزل عدد من قادة الجماعة المتحدث الصدامي، واسمه المستعار هو محمد منتصر، فيما رفض آخرون القرار، الذي قالوا: إنه مخالف للتعليمات.
فيما يعتقد خبراء الجماعات الأصولية أن «الخلاف بين قادة الإخوان هو عرض لنزاع عميق داخل الجماعة، حول القيادة والأولويات، حيث إنه بعد 88 عاما من النشاط الديني والسياسي والاجتماعي، الذي ألهم بإنشاء جماعات مماثلة في المنطقة، فإن الجماعة تمزق نفسها».
وعن التضارب الذي يحدثه محمود عزت نائب المرشد (الهارب) في مصر وتصريحاته التي يتحدث فيها أنه المرشد وهل لهذا تأثير على الشباب في الجماعة، أضاف أحمد بان لـ«الشرق الأوسط» نحن أمام انقسام تنظيمي في مصر مثلا يتعزز يوما بعد يوم بين مجموعتين، مجموعة تعبر عن الحرس القديم داخل الجماعة، وهذه المجموعة ربما يحركها هاجس الحفاظ على التنظيم أكثر من أي شيء آخر، مقارنة بمجموعة أخرى أقرب إلى جيل الشباب تحركه دوافع الثأر ويبدو مقتنعا بأن النمط الإصلاحي الذي درجت عليه جماعة الإخوان لم يعد مناسبا وأن الجماعة يجب أن تكون جماعة ثورية في أفكارها ووسائلها وأساليبها، هذا التباين يتعزز يوما بعد يوم، والقطيعة تتسع بين الفريقين، حتى أن قضية المصالحة والحوار مع الدولة المصرية لا تكاد تجد لها فريقا محددا بسبب هذا التنازع.
في ذات السياق، يقول القيادي الإخواني عمرو دراج، وهو أحد القياديين الذين يعيشون في إسطنبول، وهو يقف مع جناح المواجهة، قوله إن «جمود» الجماعة، في ظل القيادة القديمة، عامل يدفع الشباب نحو العنف، مشيرا إلى أن هناك من يتهم الحرس القديم بالتفاوض مع النظام، وهي تهمة ينفيها قادته.
وعن المراجعات التي قد تتم مع شباب الإخوان من قبل الدولة المصرية، قال الدكتور خالد الزعفراني لـ«الشرق الأوسط» إن هذه المراجعات يقوم بها مجموعة من العلماء المتخصصين ونحن نطالب بها، وهذه المراجعة للشباب عن الفكر التكفيري وفكر العنف والأفكار البعيدة عن الإسلام الوسطي، لافتا إلى أن هذه المراجعات التي بدأ منها شيء بسيط؛ لكن ليس هناك مراجعات جدية حتى الآن، والدولة المصرية مقصرة تماما في موضوع المراجعات.
فيما قال أحمد بان إن المراجعات قد تنجح إذا انطلقت من دوافع ذاتية داخل الجماعة وتوفرت لها الأجواء المناسبة تنتج أثرها، لكن حتى الآن لا توجد بيئة حاضنة لقضية المراجعة بشكل واسع وشامل داخل الجامعة وداخل الدولة المصرية أيضا.
من جهته، أكد إبراهيم منير نائب المرشد العام لـ«الإخوان»، الأمين العام للتنظيم العالمي للغرب في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» أنه على الرغم من أن الجماعة فكرها واحد وأدبياتها واحدة واتجاهها واحد؛ لكن هناك اختلافات في العمل السياسي، لكن قنوات الحوار والاتصالات لم تنقطع أبدا.
وحول دور الشباب في المرحلة الحالية والمقبلة في مسيرة الجماعة، قال منير، إنه رغم وجود شيوخ الجماعة وراء القضبان؛ فإنه لا يمكن التقليل من أهميتهم، فمهدي عاكف المرشد السابق فوق الـ90 عاما وبديع المرشد الحالي فوق الـ75 عاما، وحكم عليه حتى الآن بنحو 4 أحكام إعدام والسجن لما يزيد عن 400 عام، فضلا عن رشاد البيومي 83 عاما وهو نائب المرشد، ويعانون الحبس في السجون المصرية، ومجال الدعوة مفتوح لمن يستطيع أن يبذل فيه من جهود بالنسبة للشباب، والمسؤولية في الجماعة منذ القدم بالانتخابات من أصغر مسؤولية إدارية حتى أعلى مستوى من المناصب، حتى اختيار المرشد بالانتخاب وله دورتان فقط، ولا أحد يسعى إلى تولي مسؤولية، إنما المسؤولية تسعى إلى الناس، بحسب الانتخابات التي تجرى داخل الجماعة، بحسب اللوائح وحسب الطاقة الموجودة لدى أعضاء الجماعة.
وأوضح منير أن مكتب الإرشاد مكون من 17 لمن هم فوق الثلاثين عاما وبالانتخاب بحسب لائحة الجماعة، ولا يمكن التقليل أيضا من دور الشباب، وليس هناك مجالات مغلقة أمام الشباب، وأمام نصائح مشايخ الجماعة المتبقين خارج السجون.
واعتذر إبراهيم منير نائب المرشد العام لجماعة الإخوان في لقائه مع «الشرق الأوسط» عن تصريحاته أمام مجلس العموم البريطاني، التي حمل فيها الجماعة الإسلامية مسؤولية العنف خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وذلك لبحث تأثير نشاط الإخوان على المصالح البريطانية.
وقال منير: «لعله كان من الواجب لحظتها الإشارة إلى أن الأمر بالنسبة للجماعة الإسلامية قد حدث بعد اغتيال المتحدث الإعلامي باسمها الدكتور علاء محيي الدين عام 1990 بدم بارد، وقبل المراجعة الشرعية التي قامت بها الجماعة الإسلامية وإعلانها نبذ أي مظاهر للعنف من خلال مراجعتهم المشهورة، ثم مشاركتهم العمل السياسي بعد عام 2011 من خلال حزب سياسي قانوني».
وذكر منير، أنه في منتصف الثمانينات خلال فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك كانت هناك أزمة اقتصادية واجتماعية، وبدأت الجماعة الإسلامية العنف وكاد النظام يسقط فعلا، والكثيرون دفعوا الإخوان، وتساءلوا: لماذا لا تشاركون في هذه الأمور فهي فرصة لإسقاط النظام العسكري؟، ومع ذلك رفض الإخوان المشاركة، لأنه ضد مبادئهم، حتى لو كان مبارك يظلمهم. وأثارت تصريحات منير، ردود فعل غاضبة داخل الجماعة الإسلامية مما دفعها وحزبها السياسي «البناء والتنمية»، لإصدار بيانات استنكار وإدانة لها.
وفي إحدى الرسائل التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» جاءت من شخص يدعى إسلام الغمري، وقال فيها «قدر محبتنا لكم، ولكن التصريحات التي جاءت عن الدكتور إبراهيم منير عن الجماعة الإسلامية أثارت حالة من السخط في أوساط إخوة الجماعة الإسلامية وغيرهم، وقد طلب الإخوة مني إيصال احتجاج الإخوة عندنا على هذه التصريحات، وطلب التوضيح من دكتور محمود حسين الأمين العام حرصا منا على دعم أواصر المحبة والأخوة بيننا ودفعا لنزغ الشيطان».
وهناك رسالة أخرى أرسلها الدكتور عاشور الحلواني أمين حزب الحرية والعدالة بالمنوفية في مصر، قال فيها «أثبتت التجارب أن هذه الجماعة ليست مرتبطة بأشخاص مهما كان قدر الأشخاص قيمة وقامة وفضلا»، مضيفا: «آلمني وآلم كل حر متجرد للحق أن جماعتنا تمر بمنعطف خطير ومحنة غير مسبوقة ومؤامرة كبرى داخلية وخارجية، وتزداد المسألة صعوبة لهول الصدمة وغياب المؤسسات المتوافق عليها الفاعلة القادرة على حل هذه الخلافات، وهذه المؤسسات ما غابت بإرادتنا ولكن بتغييب أعضائها في المعتقلات أو المطاردات أو حتى الموت.. وقسم الصف الإخوان إلى فريق مستبشر بنصر الله وثابت على الحق يؤدي واجبه داخل السجن وخارجه يدعو لوحدة الكلمة ووحدة الجماعة مشغول بأوراده داعيا لإخوانه أن يجمع الله شملهم، وفريق آخر أصابه الاكتئاب العام والحزن على ما آلت إليه الأمور وإن أظهر أنه منتظم في أداء واجباته المطلوبة منه ومعظم هذا الفريق خارج السجون أصابه الفتور وقعد عن العمل المثمر الفعال، فيما هناك فريق ثالث مشغول لأذنيه بالاختلافات بين القيادات وترديد أقوال ونشر أخبار قد تكون صحيحة أو لا تكون وقد يظهر أنه ملكي أكثر من الملك في تبريره هذه الأقوال أو الأفعال أو حتى اختلاق شائعات للأسف الشديد».
وتابع الحلواني في رسالته: بعض القيادات قادت الجماعة في طريق خطأ وأدت إلى كوارث وتجاوزت الصلاحيات وتجاوزت القيادة الشرعية وتريد شق الجماعة أو اختطافها وهناك شكوك حول بعض الأفراد فيها وأن محمد منتصر والفريق الإعلامي معه «يدغدغون» العواطف على غير الحقيقة ويتعمدون الكذب ونشر وتسريب المعلومات المغلوطة أو المجتزأة وعلى الجميع السمع والطاعة للقيادة الشرعية، مقترحا في نهاية رسالته التي تضمنت عبارات تتعلق بعودة مرسي ولقاءات تتم بين عناصر لـ«الإخوان»، مقترحا تشكيل مكتب يضم إبراهيم منير القائم بعمل المرشد مشرفا، وحلمي الجزار رئيسا، وعمرو دراج نائبا، وعضوية عبد الموجود الدرديري، وجمال حشمت، ويحيى حامد، وأحمد عبد الرحمن، وأشرف بدر الدين، وأحمد عبد العزيز، وأحمد عبده، وصلاح عبد المقصود (وزير الإعلام الأسبق).
وتواجه جماعة الإخوان المسلمين بمصر (تأسست عام 1928)، حاليًا خلافات داخلية متصاعدة، وصلت ذروتها خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عقب إعلان مكتب الإخوان المسلمين في لندن، إقالة الشاب محمد منتصر (اسم حركي مقيم داخل مصر)، من مهمته كمتحدث إعلامي باسم الجماعة، وتعيين طلعت فهمي (55 عامًا) متحدثًا جديدًا بدلاً منه.
وتلا ذلك تدشين موقع إلكتروني جديد للجماعة، واستمرار إصدار بيانات مضادة بين قيادات بالجماعة، ومكاتب تنفيذية بها، حول إدارة التنظيم، وشكل الثورة التي ينتهجونها ضد السلطات المصرية الحالية.
ودفعت أزمة الخلاف الداخلي المتصاعد في جماعة الإخوان المسلمين في مصر، الجماعة الإسلامية (حليفها الأبرز) لأن تُصدر بيانا تحذر فيه من أثر هذا الخلاف على التحالف الوطني الداعم لشرعية الرئيس محمد مرسي والرافض للانقلاب، كما تضمن البيان تهديدا غير مباشر بالانسحاب من التحالف بإشارتها إلى أن ذلك «قد يدفع قوى إلى مراجعة الموقف إزاء الاستمرار في التحالف».
وظهرت أزمة جماعة الإخوان للعلن في منتصف 2015، على خلفية تباين وجهات النظر بين قادة الجماعة.
وقالت الجماعة الإسلامية في بيانها إن هذا الموقف «يأتي في ظل استغراق أطراف الخلاف في دوامة الأزمة وتعقيدات جذورها وفروعها»، لافتة إلى أن ما تحمله الأزمة من مخاطر قد تؤثر سلبا على المصالح العليا للوطن.
وأكدت أن تداعيات الأزمة ستؤثر على علاقة الإخوان بالتحالفات التي تجمعها مع غيرها من القوى الفاعلة في المشهد المصري، والتي قد تدفع هذه القوى إلى إعادة النظر ومراجعة مواقفها من الاستمرار في تلك التحالفات.
في غضون ذلك، وعن تلويحات بعض المسؤولين في الحكومة المصرية بوجود اتجاه للتصالح مع الجماعة، قال أحمد بان، وهو قيادي منشق عن الجماعة، لا أحد يعلم من الذي يستطيع تسويق هذا الانقسام بين فريقي الجماعة.
وعن مزاعم وجود لقاءات من مسؤولين بمصر بأعضاء من الإخوان للتصالح، أكد بان، أتصور أن الحوار يجري ربما بشكل سري منذ فترة وأتصور أن هناك بالفعل تواصلا ما بين الجماعة وأطراف داخل الدولة المصرية، لافتا إلى أن هذه الاتصالات لأعضاء من الجماعة داخل وخارج مصر.
وهاجر العشرات من أعضاء جماعة الإخوان إلى سوريا أثناء حكم مرسي، وانضموا إلى تنظيم جبهة النصرة، ثم تحولوا إلى «داعش» لاحقًا، وشغلوا مواقع قيادية في التنظيم.
وعن سير الإخوان على خطى راشد الغنوشي بإبعاد الدين عن الدولة، قال بان «للدقة راشد الغنوشي لم يقل بإبعاد الدين عن الدولة أو بفصل الدين عن الدولة، فقط يدعو للفصل الوظيفي بمعنى أن تتخصص مجموعة من الجماعة للعمل السياسي وتتخصص مجموعة أخرى للعمل الدعوي دون المزج بينهما»، مضيفا: أتصور أن إخوان مصر رغم حديثهم عن هذا الأمر إلا أنه ينسف أساس الفكرة الإخوانية التي تعتمد على قضية الشمول وقضية العالمي، ومن ثم هم بعيدون عن هذا الأمر.
وقال الزعفراني إن فصل الدين عن الدولة في الإخوان، مستبعد نهائيا عند جماعة الإخوان، وظني أن الجماعة مستقبلها غير طيب في مصر، وأنها مع الأيام سوف تزداد بعدا عن الشعب المصري.
وحول حال الإخوان الآن في مصر، قال بان هي حالة من حالات التشاور الفكري والتنظيمي وعدم القدرة على تصميم بناء فكري وتنظيمي يلائم الواقع، وبالتالي هي حالة فشل قد تقود إلى حالة من حالات المراجعة بالشكل الذي نستطيع أن نتحدث فيه عن صيغ و«بنى» جديدة لأفكار الإخوان تختلف أو ليست وثيقة الصلة بالبنى التي اعتمدت عليها الجماعة عبر تاريخها.
من جهته، قال الدكتور خالد الزعفراني الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية والقيادي المنشق عن الإخوان، كان متوقعا أن تحدث مثل هذه الانشقاقات التي تشهدها صفوف الجماعة في مصر وسوريا ولندن وإسطنبول لأن الإخوان أنفسهم سمحوا لخطاب غريب عن الخطاب التقليدي للجماعة التي كانت عليه في سبعينات وتسعينات القرن الماضي، وهو الخطاب الذي كان في ميدان «رابعة العدوية» بمصر (اعتصام أنصار مرسي عقب عزله شرق القاهرة) وكان من أشخاص ينتمون إلى تنظيمات الجهاد ومن التكفيريين وأصبحوا من الأبواق التي كانت تخطب في «رابعة» وقد سمعهم كثيرون من شباب الإخوان وهذا قد أحدث تغيرا كبيرا في فكر كثير من شباب الإخوان، مضيفا: ممارسات الإخوان في مصر عملت في وقيعة كبيرة بين الإخوان كتنظيم والشعب المصري، فالشعب أصبح هناك عداء مع الإخوان وعدم ثقة كبيرة في الإسلام السياسي، والخطاب التكفيري والجهادي أثر كثيرا على الإخوان في مصر، فأصبحت جبهة محمد كمال ومحمد منتصر، مخالفة للخط التقليدي الخاص بالجماعة، هي جماعة كانت تتبع الأسلوب الهادئ وأسلوب عدم التكفير وعدم الإثارة وتعتمد على النفس الطويل، فهذا أحدث شرخا في أفكار الإخوان التقليدية وبين أفكار واردة على الإخوان، وظهرت المجموعات النوعية وغيرها وهي التي تنتمي لـ«الإخوان» ظاهريا لكن أفكارها تتسم بالعنف.
وأضاف الزعفراني، وهو قيادي منشق عن جماعة الإخوان، أن الإخوان في الكويت لهم علاقات طيبة بالحكم والشعب الكويتي، عندما رأوا القطيعة التي حدثت لإخوان مصر فضلوا أن يبتعدوا عن الإخوان في مصر تماما، حتى لا يحدث بينهم وبين الشعب الكويتي وقيعة، وكذلك إخوان البحرين نفس الوضع وأيضا إخوان الأردن. أما الإخوان في المغرب يسلكون مسلكا آخر، وأيضا إخوان تونس، لافتا إلى أنه من منذ صعود التيار القطبي 2010 وهو تطور غريب على نهج الإخوان الذي كان عليه عمر التلمساني ومن بعده من المرشدين، موضحا أن هذه الانشقاقات التي حدثت في إخوان مصر سوف تزداد الأيام المقبلة؛ إذا لم يأخذ الإخوان قرارا شجاعا ويتم تغيير أسلوبهم ونظام الجماعة الشاملة، والجماعة التي بها السمع والطاعة بالشكل الإجباري، وأنها تبقى تنظيما سريا ولها ميزانية لا أحد يعرفها، هذا الشكل لن يقبل به الشعب المصري مرة أخرى، أيضا استحالة أن ترضى الدول العربية أن تكون الإخوان جماعة تقف ضد الأنظمة وتصبح دولة داخل الدولة.
وتنشر «الشرق الأوسط» رسالة خاصة عن الوضع الحالي لـ«الإخوان» في تركيا من شخص يدعى أسامة سليمان، ويقول فيها «لا شك أن الوضع غير صحي وينذر بما لا يرضاه أي مخلص لجماعته»، متابعا: على الجميع أن يتفهم ما آلت إليه الأمور وأن على كل من اختاره الله في موقع المسؤولية أن يبادر ولا يمل أو يفوض غيره أو يصمت أمام الإصرار في البحث عن حل يجمع الصف ويقويه لا يضعفه، مضيفا: لذا وكوني أخا جنديا في الجماعة أدعوكم لتبني العمل على اجتماع عاجل خلال الساعات القادمة يجمع فيه من ترونه أهلا له وتطرح فيه المقترحات ويتخذ بشأنها قرارا يراعي المصلحة العامة ويحتوي الموقف الناشئ إبراء للذمة وما تفرضه المسؤولية علينا جميعا تجاه جماعتنا.
وهناك رسالة أخرى من المكتب الإداري لـ«الإخوان» في تركيا، جاء فيها تقديرا من المكتب الإداري المنتخب بتركيا لطبيعة المرحلة الحالية والتي تدعو للوحدة والالتفاف حول القضايا المصيرية، فقد تم اتخاذ خطوات عدة لرأب الصدع وتجميع الصف، وعلى الرغم من صدور بيان عن أمانة مجلس الشورى يؤكد بطلان الدعوة والتي رفضها 26 عضوا من أصل 38 عضوا، وأن الداعين 9 فقط من أعضاء الشورى بحسب ما تم نشره وتداوله، فإن أيادي المكتب ممدودة للجميع حتى اللحظة، وقد تم التواصل من مسؤول المكتب مع عدد من الداعين لتلك الجلسة للتوصل لحل يرضي جميع الأطراف إعلاء لوحدة ومصلحة الصف، والتفرغ لحل المشكلات التي يعاني منها بعضنا، ومواجهة عدونا المشترك، والاستجابة لمبادرة أخ فاضل من القامات التي يجمع عليها جميع الأطراف وهو عضو شورى أيضا، وتم التواصل من خلال شخصه الكريم مع المجموعة المتصدرة للحدث، حيث قاموا بترشيح ثلاثة من الإخوة لاتخاذ القرار المناسب، وطلب عقد جلسة طارئة للشورى بحضور ممثلين من إدارة الرابطة لمناقشة البنود الخمسة المختلف عليها بين مشروع اللائحة واللائحة المعتمدة والسعي لإقناع إخواننا في الرابطة على استثناء لائحتنا في بعض الأمور نظرا لخصوصية المكان والمهمة والتوقيت، وشروع لجنة تحقيق مستقلة في اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه أي مخالفات حدثت في الانتخابات التي جرت ويكون لهذه اللجنة الحق في اتخاذ أي قرار تراه.
ورفض المكتب في رسالته الإملاءات الفردية التي يتم تلبيسها بثوب العموم تحت مسميات ليست دقيقة سواء «دعوة باسم مجلس الشورى» أو دعوة «الجمعية العمومية».
ويقول مراقبون بأن ثمة عقبات وتحديات تقف أمام «المصالحة المفترضة» بين مصر وتركيا، تتمثل في سقف الشروط العالي الذي قدمته تركيا، والمرتبط بالديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر بما يشمل إلغاء عقوبات الإعدام والمؤبد الجماعية وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وهو ثمن لا يبدو النظام القائم في مصر حاليا قادرا على – أو راغبا في – تقديمه، فضلا عن الموقف الشخصي للرئيس التركي رجب طيب إردوغان من شخص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والحدة الكبيرة في سلسلة طويلة من التصريحات التي تنال منه مباشرة، ورفض الرئيس إردوغان حتى الآن لقاءه أو التعامل معه، وتأكيده على ذلك في كل المناسبات.
بالإضافة إلى الاشتراطات المصرية المتعلقة بتسليم بعض القيادات الإخوانية المقيمة في تركيا وإغلاق وسائل الإعلام التي تهاجم الانقلاب قبل أي مصالحة.



مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.


من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».