الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

في سياق حرب ضروس ضد الإرهاب

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»
TT

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

حقق الجيش الجزائري انتصارات متتالية كبيرة على الجماعات المسلحة المتطرفة، التي يحاربها منذ 1993 تاريخ اندلاع الإرهاب في الجزائر، وذلك بفضل عمليات عسكرية متفرقة لكنها مركزة استهدفت بالتحديد معاقل تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي يظل ناشطًا في مناطق كثيرة من البلاد وفي بعض الدول المجاورة، حيث يلقى «منافسة» شديدة من طرف «داعش» الذي يبحث له عن موطئ قدم على تراب الجزائر.
الجيش الجزائري أعلن مطلع الأسبوع عن مقتل 18 إرهابيًا، بمنطقة الرواكش بولاية المديّة (100 كلم جنوب غربي المديّة)، وأفاد بأنه عثر في مكان العملية العسكرية على أسلحة حربية وذخيرة، كانت بحوزة المتطرفين الذين ينتمون إلى «القاعدة المغاربية»، التنظيم الذي يدوم منذ 25 سنة تحت أسماء كثيرة.
وكانت المديّة قد بعيدة عن الأعمال الإرهابية منذ 10 سنوات على الأقل. إلا أنها عرفت في منتصف تسعينات القرن الماضي بأنها «منطقة محرّمة على الجيش» نظرًا للسيطرة المحكمة على المنطقة من طرف «الجماعة الإسلامية» آنذاك، بزعامة جمال زيتوني. ويومذاك استفاد التنظيم الإرهابي من تضاريس ولاية المديّة، من جبال ووديان، فاستغلها للتحصن بها واتخذها منطلقًا لضرب أهداف عسكرية ومدنية. واقترفت الجماعة مجازر رهيبة في المديّة راح ضحيتها المئات من المدنيين العزل، كما قتلت عددًا كبيرًا من رجال الأمن.
* «القاعدة» بثلاثة أسماء
اللافت أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب، منذ أُسس مطلع 2007 على أنقاض تنظيم متشدد خرج من عباءة «الجماعة الإسلامية المسلحة»، لم يكن له وجود في هذه الولاية إلا في حدود ضيقة جدًا. ويرى متتبعو الشأن الأمني أن تنقّل عناصر منه إلى ولاية المدية دليل على أمرين أساسيين: الأول أن خناق الجيش اشتد على الجماعة في معاقلها الرئيسية، وهي تحديدًا مدن تيزي وزو وبومرداس وبجاية شرقي العاصمة. والثاني أن قيادة التنظيم كانت بصدد إعادة توزيع عناصره بنقلهم إلى مناطق جديدة تفلت من مراقبة الأجهزة الأمنية.
ويشار إلى أن الضربة الموجعة التي وجهها الجيش إلى «القاعدة» في المدية، تأتي بعد سنة بالضبط من عملية إرهابية استهدفت الجيش. ففي مطلع شهر رمضان الماضي، قتل 13 جنديًا من فرقة مشاة في كمين للتنظيم الإرهابي بمنطقة عين الدفلى (120 كلم غرب الجزائر العاصمة). ومنذ ذلك الاعتداء الإرهابي كثّف الجيش من عمليات تمشيط المناطق التي يُشك في أن «القاعدة» زرعت عناصرها فيها.
وحول عملية الرواكش العسكرية النوعية، قال أحدث تقرير لوزارة الدفاع، إن الجيش «تمكن من القضاء على 18 إرهابيًا وإلقاء القبض على 4 آخرين، واسترجاع 20 رشاشًا من نوع كلاشنيكوف وبندقيتين نصف آليتين من نوع سيمونوف ومدفع هاون عيار 60 ملم مع 10 مقذوفات، ورشاش عيار 12.7 ملم وبندقية مضخية و4 قذائف (آر بي جي – 2) وكمية ضخمة من الذخيرة من مختلف العيارات بالإضافة إلى 23 مخزن ذخيرة و20 قنبلة يدوية و3 أحزمة ناسفة ومعدات تفجير و7 نظارات ميدان و23 هاتفًا جوالاً».
كذلك أفاد التقرير بأن العملية، التي انطلقت في 8 يونيو (حزيران) الحالي، واستغرقت 9 أيام كاملة، «مكّنت من تحديد هوية المجرمين الستة الآخرين، الذين تم القضاء عليهم مساء يوم أمس 19 يونيو 2016 بالمنطقة نفسها، ويتعلق الأمر بمحيي الدين ح. المدعو (موسى)، وم. بوعلام المدعو (أبو سفيان)، وب. الحاج المدعو (سامورة)، وع. قويدر المدعو (أبو محسن)، وب. إبراهيم المدعو (أبو عقيل)، وب. العياشي المدعو (أسامة)».
وأوضح التقرير أن «تحييد هذه الجماعة الإرهابية، يُعتبر ثمرة التدريب والتكوين الجيد والانضباط والتقيد الصارم بتعليمات وتوجيهات القيادة العليا للجيش، لا سيما خلال مختلف اللقاءات التي تجمعها بالإطارات والمستخدمين عبر النواحي العسكرية، وسيزيد حتمًا من إصرار وعزيمة قوات الجيش الوطني الشعبي على تكثيف مثل هذه العمليات النوعية، والقضاء على ما تبقى من هذه العصابات الإجرامية».
وهذا في إشارة إلى زيارات ميدانية مكثفة يجريها الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدفاع، إلى النواحي العسكرية منذ مطلع العام، بهدف تفقّد جاهزية الجيش وقدرته على التصدّي لهجوم محتمل من طرف الإرهاب. وحث صالح في كل زياراته، الجنود على القضاء على ما سمّاه «بقايا الإرهاب»، وهو مفهوم يتداوله الخطاب الرسمي منذ سنوات طويلة للدلالة على أن الإرهاب في «ربع الساعة الأخير» من عمره.
* اهتمام أميركي مركز
وفي الـ18 من الشهر، نشر الجيش حصيلة عملياته منذ مطلع العام. إذ أعلن عن القضاء على 73 متطرفًا واعتقال 111 شخصا متهمين بدعم الجماعات المتشدّدة خلال خمسة أشهر الأولى من العام الحالي، حيث تمكن الجيش خلال 6 أشهر من وضع حد لنشاط 1117 مهرب سلاح ومواد محظورة بالحدود، بينما جرى اعتقال 2309 مهاجرين سريين و105 تجار مخدرات. وسمح نشاط الجيش، خلال الفترة نفسها، باكتشاف وتدمير 248 مخبأً في الجبال والغابات يستعمله المتطرفون، للتحصن ضد ضربات قوات الأمن. وتضمّنت الحصيلة المنشورة بـ«مجلة الجيش»، حجز 205 سيارات ذات دفع رباعي و120 شاحنة، و148 سيارة و70 دراجة نارية، وهي وسائل نقل درج المتطرّفون ومهرّبو السلاح على استعمالها في نشاطهم وتنقلاتهم بالحدود، وفي المساحات الشاسعة لا سيما بالصحراء الكبرى، حيث تبذل السلطات الجزائرية مجهودات كبيرة لتغطيتها أمنيًا.
وأوضحت «نشرية الجيش الشهرية»، أن الضباط والجنود المنخرطين في سياسة محاربة الإرهاب، نجحوا في عمليات متفرقة منذ مطلع العام، من حجز كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة. وهذا النشاط غير المسبوق للآليات العسكرية، دفع بالجنرال ديفيد رودريغز، قائد المهام العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى طلب زيارة الجزائر، فالتقى الأسبوع الماضي مع رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال وقايد صالح ومسؤولين في قسم محاربة الإرهاب بجهاز المخابرات. كما استقبله الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وأبلغت مصادر عليمة «الشرق الأوسط» أن رودريغز أبلغ محدثيه بأن «أفريكوم» تريد التعاون مع الجيش الجزائري من أجل التصدي لـ«دواعش ليبيا» فوق التراب الليبي. ونقلت المصادر عن المسؤول العسكري الأميركي أن تنظيم الدولة الإرهابي يشكل خطرًا كبيرًا على الأمن بالمغرب العربي وأوروبا، وحتى الولايات المتحدة الأميركية في حال استطاعت الجماعة المتطرّفة أن تجد لها منفذًا، إلى بلدان غرب القارة السمراء التي تطل على المحيط الأطلسي. وإذا ما وصلت إلى هذه المناطق فإن الخطر سيكون قريبًا من السواحل الأميركية، بحسب ما نقل عن رودريغز في لقاءاته مع المسؤولين الجزائريين. كما استفسر قائد «أفريكوم» عن عودة «القاعدة» إلى النشاط في جمهورية مالي، على خلفية استهدافها المتكرر مواقع البعثة الأممية للسلام في مالي.
وأوضح المصدر ذاته بأن المسؤولين الجزائريين أبدوا لرودريغز تحفظًا شديدًا بخصوص نقل وحدات من الجيش الجزائري خارج الحدود لمطاردة عناصر «القاعدة» أو «داعش»، بحجة أن دستور البلاد يمنع ذلك، إلا إذا تعلق الأمر بمهام سلمية. وأكد المسؤولون، في المقابل، أنهم على استعداد للتعاون أمنيًا مع بلدان المنطقة لمساعدتها على مواجهة الإرهاب. وضرب محدّثو رودريغز، حسب المصدر، مثالاً بالأشواط الكبيرة التي قطعها التعاون الاستخباراتي بين تونس والجزائر خلال العامين الأخيرين.
* تأثير دواعش ليبيا
من جهة أخرى، يقدم خبير القضايا الأمنية والاستراتيجية، قوي بوحنية، لـ«الشرق الأوسط» قراءة في المشهد الأمني على ضوء العملية العسكرية الأخيرة، فيقول: «مقتل 18 إرهابيا بالمديّة ينبئ بأن خلايا الإرهاب النائمة ما زالت تملك القدرة على النشاط من جديد، وبالتالي إلحاق خسائر بالجيش». وتابع أن «نشاط الجيش خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يؤكد مدى جاهزيته لضرب جيوب الإرهاب الأساسية، وليس أدل على ذلك من القضاء على زعيم تنظيم (جند الخلافة)، الذي يُنسب له اغتيال متسلق الجبال الفرنسي هيرفيه غوردال عام 2014»، في إشارة إلى المتطرّف عبد المالك قوري، الذي سقط في كمين للجيش غرب الجزائر العاصمة، وكان معه مجموعة من عناصر التنظيم تم القضاء عليهم.
وأضاف قوي بوحنية أن «الجماعات النائمة والخلايا اللوجيستية الداعمة للإرهاب، لا تزال تجد مرتعًا لها في الجزائر، وتحديدًا، في مرتفعات مناطق القبائل والمدية وتيبازة وصولاً إلى ضواحي العاصمة والبليدة، حيث يقوم الجيش شهريًا وبصفة دورية بتفكيك العبوات واستهداف مجموعات إرهابية صغيرة تتربّص به لمباغتته. ولا يوجد شك في أن الجيش الجزائري اكتسب تجربة وخبرة كبيرتين خلال تسعينات القرن الماضي عندما كان الإرهاب في أوج قوته. يضاف إلى ذلك التنسيق الاستخباراتي العالي الدقة بين مختلف الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى التدريب الاحترافي الذي استفادت منه القوات المسلحة في مجال الأدلة الجنائية، وتفكيك خيوط الجريمة المنظمة وارتباطاتها بمهربي السلاح وتجّار المخدرات».
وتابع بوحنية، الذي نشرت له دراسات كثيرة عن الأوضاع الأمنية بأفريقيا، شارحًا: «الزحف الداعشي على مدن الساحل الليبي، مثل درنة وصبراتة - والثانية لا تبعد سوى كيلومترات عن الحدود التونسية - وتعاظم النشاط الميليشياوي المسلح في تونس، زاد من تعقيد عملية إعادة الاستقرار إلى المنطقة. وهذا الوضع تسبّب بدوره في متاعب أمنية إضافية للجزائر باعتبارها تشكل عُمق المنطقة، وهي أكبر قوة إقليمية. وما يستحق الإشارة هنا خطورة ما اعتبره الدولة الميليشياوية الأمنية التي تحاول السيطرة على مقاليد الدولة السياسية في ليبيا، وهو ما صعّب عملية الاستقرار في هذا البلاد».
وبحسب الخبير الأمني فـ«الامتدادات الحدودية للجزائر التي تزيد عن 6000 كلم، من شأنها أن تشكّل ضريبة جغرافية وأمنية إضافية عليها. خصوصًا أن تحرّك الخلايا الإرهابية في الساحل الأفريقي واستمرار تدفق السلاح على منطقة الساحل، تسبّبا في تفاقم الوضعية الرخوة للساحل، رغم الاستقرار النسبي الذي تشهده دوله منذ عام تقريبًا».
ولاحظ بوحنية أن «جماعات أنصار الدين وبعض الفصائل الأزوداية الانفصالية تناضل وفق رؤية تمكنها من أن تكون ضمن المشهد الأمني والتنموي في مالي. بينما جماعة بوكو حرام وبعض الجماعات الراديكالية في نيجيريا وبعض الدول المجاورة تعانق الآيديولوجية الداعشية. وكان «أبو بكر البغدادي» قد أعلن قبل سنة ونصف السنة تقريبًا عن مبايعة أكثر من 14 سريّة إرهابية من دول المغرب العربي له، وهو بذلك يسعى إلى استكمال عقد العمل المسلح العابر للقارات، والمهدّد للدول الأفريقية الهشّة والمحيطة بمنطقة الساحل.
وأوضح الخبير بأن الجزائر «ستبقى محل تهديدات أمنية، رغم الضريبة التي دفعتها خلال العشرية السوداء، وهي 200 ألف قتيل. ولقد مرّت عشر سنوات على إقرار ميثاق السلم والمصالحة، الذي حقق نتائج جيدة نسبيًا على صعيد إقناع المسلحين بالتخلي عن الإرهاب. غير أن العمليات الإرهابية ذات الحجم الصغير والمتوسط تبقى غير مستبعدة.. فالجماعات المتشددة تتغذّى من المحيط الإقليمي المتفجر في ليبيا ومالي. وبالتالي، لا حل للدول الأفريقية، برأيي، إلا تبني خطة عمل أفريقية متكاملة تركّز على محاور ثلاثة: المحور الأول أمني ويقوم على تعزيز التعاون الاستخباراتي بين الدول بشكل يمكنها من تفكيك الجماعات المسلحة والقضاء عليها. والمحور الثاني يتمثل في التنمية بتعزيز الحكم الراشد والتوزيع العادل للثروة. والمحور الثالث يتعلق بدعم الاستقرار السياسي في دول الساحل، خصوصا، تفاديًا لحركات انقلابية. وهنا يجب دعم خيارات المصالحة في ليبيا ومالي وأفريقيا الوسطى وساحل العاج».
* «المرابطون».. الخطر الداهم
وبإلقاء نظرة متأنية على الجماعات المتطرفة المسلحة النشطة حاليًا، وخريطة انتشارها، يتضح أن أخطرها فيما يخص الداخل الجزائري، يبقى تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي يرأسه عبد المالك دروكدال الشهير بـ«أبو مصعب عبد الودود» منذ 2005. وحاولت أجهزة الأمن الإيقاع به في كمائن عدة مرات بمنطقة القبائل، حيث يتنقل بين شعابها ووديانها، من دون أن تتمكن منه.
غير أن القوة الضاربة التي كان يتمتع بها التنظيم الإرهابي خلال سنوات 2006 و2007 و2008، تراجعت إلى حد كبير، وإن كان لا يزال يحتفظ بعامل المباغتة، وهو ما تدركه السلطات جيدًا. وللعلم، التنظيم خلال 2013 أحد أبرز عناصره، وهو صلاح أبو محمد الناطق باسم «القاعدة» والمروج لأعمالها عبر الإنترنت الذي وقع في كمين للمخابرات شرقي العاصمة. وتقريبًا لم يبقَ من «الوجوه البارزة» في التنظيم سوى «أمين المال» المكنّى «أبو أحمد الجيجلي»، وهو من أوائل الملتحقين بالتنظيم الإرهابي الذي نقل جزءًا كبيرًا من نشاطه إلى الصحراء الكبرى على الحدود مع مالي والنيجر.
أما ثاني التنظيمات التي تتوجّس منها السلطات الأمنية الجزائرية خيفة فهو «المرابطون»، بقيادة المطلوب دوليًا الجزائري مختار بلمختار المعروف بـ«خالد أبو العباس». وفي وقت كان فيه المسؤولون الأمنيون يعتقدون بأن الخلاف الذي وقع بين بلمختار وقيادة «القاعدة»، ثم طلاقه معها، أدخلاه في مرحلة ضعف ووهن، فاجأ الإرهابي الأكثر خطورة في منطقة الساحل الأفريقي الأجهزة الأمنية بعملية استعراضية مطلع 2013، تمثّلت بالهجوم على منشأة عين أميناس، التي هي المنشأة الغازية الأكبر في صحراء البلاد واحتجز العشرات من الفنيين الأجانب والمحليين. ويومذاك تدخّلت «القوات الخاصة» الجزائرية لفك أسر الرهائن، وانتهت العملية بمجزرة رهيبة إذ قتل 29 أجنبيًا ومعهم 28 من المعتدين، لم يكن بلمختار من بينهم، إذ كان العقل المدبّر للعملية التي نفّذها عناصر يتبعون له، يتحدّرون من 6 جنسيات: جزائرية وموريتانية ومصرية وتونسية ومالية وكندية. ويتحصًن «أبو العباس» حاليًا بقبيلة البرابيش في شمال مالي، التي تزوج منها. ويقال إن أعيان هذه القبيلة المسلحين على استعداد لخوض حرب إذا استدعى الأمر، ولن يفرطوا في «أبي العباس».
وفي حين لم يُعد يُعرف أي نشاط لما تدعو نفسها «جماعة حماة الدعوة السلفية» منذ 5 سنوات، بعدما كانت تنشط في تيبازة وعين الدفلى (غرب وجنوب غربي الجزائر العاصمة)، يتعاظم خطر «حركة أنصار الدين» منذ نهاية عملية «القط المتوحش» العسكرية التي شنها الطيران الحربي الفرنسي على مواقع التنظيمات المتطرفة بشمال مالي في مطلع 2013. ولئن كانت القوات الفرنسية بالتحالف مع عسكر النيجر قد نجحت في قتل قائد «القاعدة» الجزائري «عبد الحميد أبوزيد» في خضم «القط المتوحش»، فإن زعيم «أنصار الدين» المتطرف إياد آغ غالي ما زال يتحرّك بعناصره في المدن المالية الحدودية مع الجزائر. وبحسب أحدث تقارير الأمن، يبحث آغ غالي عن التوغّل إلى عمق التراب الجزائري لضرب مصالح غربية تتمثل أساسًا في مشاريع بترولية أميركية. وتخشى أجهزة الأمن الغربية التي تقتفي أثر هذا القيادي المتشدّد من قيام حلف بينه وبين «داعش» ليبيا.
أما «حركة التوحيد والجهاد» التي انشقت عن جماعة «أبي زيد»، في 2011 فقد «تخصصت» بخطف رعايا غربيين، خصوصًا الفرنسيين منهم، ومساومة حكوماتهم للحصول على فدية. ولقد تراجع نشاط هذا التنظيم منذ سنة، إلا أن خطره يظل قائمًا. ولوحظ أن عناصره في المدة الأخيرة يتحرّكون في منطقة الحدود الموريتانية - المالية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.