الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

في سياق حرب ضروس ضد الإرهاب

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»
TT

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

الجزائر : مواجهات طويلة مع أذرع «القاعدة»

حقق الجيش الجزائري انتصارات متتالية كبيرة على الجماعات المسلحة المتطرفة، التي يحاربها منذ 1993 تاريخ اندلاع الإرهاب في الجزائر، وذلك بفضل عمليات عسكرية متفرقة لكنها مركزة استهدفت بالتحديد معاقل تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي يظل ناشطًا في مناطق كثيرة من البلاد وفي بعض الدول المجاورة، حيث يلقى «منافسة» شديدة من طرف «داعش» الذي يبحث له عن موطئ قدم على تراب الجزائر.
الجيش الجزائري أعلن مطلع الأسبوع عن مقتل 18 إرهابيًا، بمنطقة الرواكش بولاية المديّة (100 كلم جنوب غربي المديّة)، وأفاد بأنه عثر في مكان العملية العسكرية على أسلحة حربية وذخيرة، كانت بحوزة المتطرفين الذين ينتمون إلى «القاعدة المغاربية»، التنظيم الذي يدوم منذ 25 سنة تحت أسماء كثيرة.
وكانت المديّة قد بعيدة عن الأعمال الإرهابية منذ 10 سنوات على الأقل. إلا أنها عرفت في منتصف تسعينات القرن الماضي بأنها «منطقة محرّمة على الجيش» نظرًا للسيطرة المحكمة على المنطقة من طرف «الجماعة الإسلامية» آنذاك، بزعامة جمال زيتوني. ويومذاك استفاد التنظيم الإرهابي من تضاريس ولاية المديّة، من جبال ووديان، فاستغلها للتحصن بها واتخذها منطلقًا لضرب أهداف عسكرية ومدنية. واقترفت الجماعة مجازر رهيبة في المديّة راح ضحيتها المئات من المدنيين العزل، كما قتلت عددًا كبيرًا من رجال الأمن.
* «القاعدة» بثلاثة أسماء
اللافت أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب، منذ أُسس مطلع 2007 على أنقاض تنظيم متشدد خرج من عباءة «الجماعة الإسلامية المسلحة»، لم يكن له وجود في هذه الولاية إلا في حدود ضيقة جدًا. ويرى متتبعو الشأن الأمني أن تنقّل عناصر منه إلى ولاية المدية دليل على أمرين أساسيين: الأول أن خناق الجيش اشتد على الجماعة في معاقلها الرئيسية، وهي تحديدًا مدن تيزي وزو وبومرداس وبجاية شرقي العاصمة. والثاني أن قيادة التنظيم كانت بصدد إعادة توزيع عناصره بنقلهم إلى مناطق جديدة تفلت من مراقبة الأجهزة الأمنية.
ويشار إلى أن الضربة الموجعة التي وجهها الجيش إلى «القاعدة» في المدية، تأتي بعد سنة بالضبط من عملية إرهابية استهدفت الجيش. ففي مطلع شهر رمضان الماضي، قتل 13 جنديًا من فرقة مشاة في كمين للتنظيم الإرهابي بمنطقة عين الدفلى (120 كلم غرب الجزائر العاصمة). ومنذ ذلك الاعتداء الإرهابي كثّف الجيش من عمليات تمشيط المناطق التي يُشك في أن «القاعدة» زرعت عناصرها فيها.
وحول عملية الرواكش العسكرية النوعية، قال أحدث تقرير لوزارة الدفاع، إن الجيش «تمكن من القضاء على 18 إرهابيًا وإلقاء القبض على 4 آخرين، واسترجاع 20 رشاشًا من نوع كلاشنيكوف وبندقيتين نصف آليتين من نوع سيمونوف ومدفع هاون عيار 60 ملم مع 10 مقذوفات، ورشاش عيار 12.7 ملم وبندقية مضخية و4 قذائف (آر بي جي – 2) وكمية ضخمة من الذخيرة من مختلف العيارات بالإضافة إلى 23 مخزن ذخيرة و20 قنبلة يدوية و3 أحزمة ناسفة ومعدات تفجير و7 نظارات ميدان و23 هاتفًا جوالاً».
كذلك أفاد التقرير بأن العملية، التي انطلقت في 8 يونيو (حزيران) الحالي، واستغرقت 9 أيام كاملة، «مكّنت من تحديد هوية المجرمين الستة الآخرين، الذين تم القضاء عليهم مساء يوم أمس 19 يونيو 2016 بالمنطقة نفسها، ويتعلق الأمر بمحيي الدين ح. المدعو (موسى)، وم. بوعلام المدعو (أبو سفيان)، وب. الحاج المدعو (سامورة)، وع. قويدر المدعو (أبو محسن)، وب. إبراهيم المدعو (أبو عقيل)، وب. العياشي المدعو (أسامة)».
وأوضح التقرير أن «تحييد هذه الجماعة الإرهابية، يُعتبر ثمرة التدريب والتكوين الجيد والانضباط والتقيد الصارم بتعليمات وتوجيهات القيادة العليا للجيش، لا سيما خلال مختلف اللقاءات التي تجمعها بالإطارات والمستخدمين عبر النواحي العسكرية، وسيزيد حتمًا من إصرار وعزيمة قوات الجيش الوطني الشعبي على تكثيف مثل هذه العمليات النوعية، والقضاء على ما تبقى من هذه العصابات الإجرامية».
وهذا في إشارة إلى زيارات ميدانية مكثفة يجريها الفريق أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدفاع، إلى النواحي العسكرية منذ مطلع العام، بهدف تفقّد جاهزية الجيش وقدرته على التصدّي لهجوم محتمل من طرف الإرهاب. وحث صالح في كل زياراته، الجنود على القضاء على ما سمّاه «بقايا الإرهاب»، وهو مفهوم يتداوله الخطاب الرسمي منذ سنوات طويلة للدلالة على أن الإرهاب في «ربع الساعة الأخير» من عمره.
* اهتمام أميركي مركز
وفي الـ18 من الشهر، نشر الجيش حصيلة عملياته منذ مطلع العام. إذ أعلن عن القضاء على 73 متطرفًا واعتقال 111 شخصا متهمين بدعم الجماعات المتشدّدة خلال خمسة أشهر الأولى من العام الحالي، حيث تمكن الجيش خلال 6 أشهر من وضع حد لنشاط 1117 مهرب سلاح ومواد محظورة بالحدود، بينما جرى اعتقال 2309 مهاجرين سريين و105 تجار مخدرات. وسمح نشاط الجيش، خلال الفترة نفسها، باكتشاف وتدمير 248 مخبأً في الجبال والغابات يستعمله المتطرفون، للتحصن ضد ضربات قوات الأمن. وتضمّنت الحصيلة المنشورة بـ«مجلة الجيش»، حجز 205 سيارات ذات دفع رباعي و120 شاحنة، و148 سيارة و70 دراجة نارية، وهي وسائل نقل درج المتطرّفون ومهرّبو السلاح على استعمالها في نشاطهم وتنقلاتهم بالحدود، وفي المساحات الشاسعة لا سيما بالصحراء الكبرى، حيث تبذل السلطات الجزائرية مجهودات كبيرة لتغطيتها أمنيًا.
وأوضحت «نشرية الجيش الشهرية»، أن الضباط والجنود المنخرطين في سياسة محاربة الإرهاب، نجحوا في عمليات متفرقة منذ مطلع العام، من حجز كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة. وهذا النشاط غير المسبوق للآليات العسكرية، دفع بالجنرال ديفيد رودريغز، قائد المهام العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى طلب زيارة الجزائر، فالتقى الأسبوع الماضي مع رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال وقايد صالح ومسؤولين في قسم محاربة الإرهاب بجهاز المخابرات. كما استقبله الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وأبلغت مصادر عليمة «الشرق الأوسط» أن رودريغز أبلغ محدثيه بأن «أفريكوم» تريد التعاون مع الجيش الجزائري من أجل التصدي لـ«دواعش ليبيا» فوق التراب الليبي. ونقلت المصادر عن المسؤول العسكري الأميركي أن تنظيم الدولة الإرهابي يشكل خطرًا كبيرًا على الأمن بالمغرب العربي وأوروبا، وحتى الولايات المتحدة الأميركية في حال استطاعت الجماعة المتطرّفة أن تجد لها منفذًا، إلى بلدان غرب القارة السمراء التي تطل على المحيط الأطلسي. وإذا ما وصلت إلى هذه المناطق فإن الخطر سيكون قريبًا من السواحل الأميركية، بحسب ما نقل عن رودريغز في لقاءاته مع المسؤولين الجزائريين. كما استفسر قائد «أفريكوم» عن عودة «القاعدة» إلى النشاط في جمهورية مالي، على خلفية استهدافها المتكرر مواقع البعثة الأممية للسلام في مالي.
وأوضح المصدر ذاته بأن المسؤولين الجزائريين أبدوا لرودريغز تحفظًا شديدًا بخصوص نقل وحدات من الجيش الجزائري خارج الحدود لمطاردة عناصر «القاعدة» أو «داعش»، بحجة أن دستور البلاد يمنع ذلك، إلا إذا تعلق الأمر بمهام سلمية. وأكد المسؤولون، في المقابل، أنهم على استعداد للتعاون أمنيًا مع بلدان المنطقة لمساعدتها على مواجهة الإرهاب. وضرب محدّثو رودريغز، حسب المصدر، مثالاً بالأشواط الكبيرة التي قطعها التعاون الاستخباراتي بين تونس والجزائر خلال العامين الأخيرين.
* تأثير دواعش ليبيا
من جهة أخرى، يقدم خبير القضايا الأمنية والاستراتيجية، قوي بوحنية، لـ«الشرق الأوسط» قراءة في المشهد الأمني على ضوء العملية العسكرية الأخيرة، فيقول: «مقتل 18 إرهابيا بالمديّة ينبئ بأن خلايا الإرهاب النائمة ما زالت تملك القدرة على النشاط من جديد، وبالتالي إلحاق خسائر بالجيش». وتابع أن «نشاط الجيش خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يؤكد مدى جاهزيته لضرب جيوب الإرهاب الأساسية، وليس أدل على ذلك من القضاء على زعيم تنظيم (جند الخلافة)، الذي يُنسب له اغتيال متسلق الجبال الفرنسي هيرفيه غوردال عام 2014»، في إشارة إلى المتطرّف عبد المالك قوري، الذي سقط في كمين للجيش غرب الجزائر العاصمة، وكان معه مجموعة من عناصر التنظيم تم القضاء عليهم.
وأضاف قوي بوحنية أن «الجماعات النائمة والخلايا اللوجيستية الداعمة للإرهاب، لا تزال تجد مرتعًا لها في الجزائر، وتحديدًا، في مرتفعات مناطق القبائل والمدية وتيبازة وصولاً إلى ضواحي العاصمة والبليدة، حيث يقوم الجيش شهريًا وبصفة دورية بتفكيك العبوات واستهداف مجموعات إرهابية صغيرة تتربّص به لمباغتته. ولا يوجد شك في أن الجيش الجزائري اكتسب تجربة وخبرة كبيرتين خلال تسعينات القرن الماضي عندما كان الإرهاب في أوج قوته. يضاف إلى ذلك التنسيق الاستخباراتي العالي الدقة بين مختلف الأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى التدريب الاحترافي الذي استفادت منه القوات المسلحة في مجال الأدلة الجنائية، وتفكيك خيوط الجريمة المنظمة وارتباطاتها بمهربي السلاح وتجّار المخدرات».
وتابع بوحنية، الذي نشرت له دراسات كثيرة عن الأوضاع الأمنية بأفريقيا، شارحًا: «الزحف الداعشي على مدن الساحل الليبي، مثل درنة وصبراتة - والثانية لا تبعد سوى كيلومترات عن الحدود التونسية - وتعاظم النشاط الميليشياوي المسلح في تونس، زاد من تعقيد عملية إعادة الاستقرار إلى المنطقة. وهذا الوضع تسبّب بدوره في متاعب أمنية إضافية للجزائر باعتبارها تشكل عُمق المنطقة، وهي أكبر قوة إقليمية. وما يستحق الإشارة هنا خطورة ما اعتبره الدولة الميليشياوية الأمنية التي تحاول السيطرة على مقاليد الدولة السياسية في ليبيا، وهو ما صعّب عملية الاستقرار في هذا البلاد».
وبحسب الخبير الأمني فـ«الامتدادات الحدودية للجزائر التي تزيد عن 6000 كلم، من شأنها أن تشكّل ضريبة جغرافية وأمنية إضافية عليها. خصوصًا أن تحرّك الخلايا الإرهابية في الساحل الأفريقي واستمرار تدفق السلاح على منطقة الساحل، تسبّبا في تفاقم الوضعية الرخوة للساحل، رغم الاستقرار النسبي الذي تشهده دوله منذ عام تقريبًا».
ولاحظ بوحنية أن «جماعات أنصار الدين وبعض الفصائل الأزوداية الانفصالية تناضل وفق رؤية تمكنها من أن تكون ضمن المشهد الأمني والتنموي في مالي. بينما جماعة بوكو حرام وبعض الجماعات الراديكالية في نيجيريا وبعض الدول المجاورة تعانق الآيديولوجية الداعشية. وكان «أبو بكر البغدادي» قد أعلن قبل سنة ونصف السنة تقريبًا عن مبايعة أكثر من 14 سريّة إرهابية من دول المغرب العربي له، وهو بذلك يسعى إلى استكمال عقد العمل المسلح العابر للقارات، والمهدّد للدول الأفريقية الهشّة والمحيطة بمنطقة الساحل.
وأوضح الخبير بأن الجزائر «ستبقى محل تهديدات أمنية، رغم الضريبة التي دفعتها خلال العشرية السوداء، وهي 200 ألف قتيل. ولقد مرّت عشر سنوات على إقرار ميثاق السلم والمصالحة، الذي حقق نتائج جيدة نسبيًا على صعيد إقناع المسلحين بالتخلي عن الإرهاب. غير أن العمليات الإرهابية ذات الحجم الصغير والمتوسط تبقى غير مستبعدة.. فالجماعات المتشددة تتغذّى من المحيط الإقليمي المتفجر في ليبيا ومالي. وبالتالي، لا حل للدول الأفريقية، برأيي، إلا تبني خطة عمل أفريقية متكاملة تركّز على محاور ثلاثة: المحور الأول أمني ويقوم على تعزيز التعاون الاستخباراتي بين الدول بشكل يمكنها من تفكيك الجماعات المسلحة والقضاء عليها. والمحور الثاني يتمثل في التنمية بتعزيز الحكم الراشد والتوزيع العادل للثروة. والمحور الثالث يتعلق بدعم الاستقرار السياسي في دول الساحل، خصوصا، تفاديًا لحركات انقلابية. وهنا يجب دعم خيارات المصالحة في ليبيا ومالي وأفريقيا الوسطى وساحل العاج».
* «المرابطون».. الخطر الداهم
وبإلقاء نظرة متأنية على الجماعات المتطرفة المسلحة النشطة حاليًا، وخريطة انتشارها، يتضح أن أخطرها فيما يخص الداخل الجزائري، يبقى تنظيم «القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، الذي يرأسه عبد المالك دروكدال الشهير بـ«أبو مصعب عبد الودود» منذ 2005. وحاولت أجهزة الأمن الإيقاع به في كمائن عدة مرات بمنطقة القبائل، حيث يتنقل بين شعابها ووديانها، من دون أن تتمكن منه.
غير أن القوة الضاربة التي كان يتمتع بها التنظيم الإرهابي خلال سنوات 2006 و2007 و2008، تراجعت إلى حد كبير، وإن كان لا يزال يحتفظ بعامل المباغتة، وهو ما تدركه السلطات جيدًا. وللعلم، التنظيم خلال 2013 أحد أبرز عناصره، وهو صلاح أبو محمد الناطق باسم «القاعدة» والمروج لأعمالها عبر الإنترنت الذي وقع في كمين للمخابرات شرقي العاصمة. وتقريبًا لم يبقَ من «الوجوه البارزة» في التنظيم سوى «أمين المال» المكنّى «أبو أحمد الجيجلي»، وهو من أوائل الملتحقين بالتنظيم الإرهابي الذي نقل جزءًا كبيرًا من نشاطه إلى الصحراء الكبرى على الحدود مع مالي والنيجر.
أما ثاني التنظيمات التي تتوجّس منها السلطات الأمنية الجزائرية خيفة فهو «المرابطون»، بقيادة المطلوب دوليًا الجزائري مختار بلمختار المعروف بـ«خالد أبو العباس». وفي وقت كان فيه المسؤولون الأمنيون يعتقدون بأن الخلاف الذي وقع بين بلمختار وقيادة «القاعدة»، ثم طلاقه معها، أدخلاه في مرحلة ضعف ووهن، فاجأ الإرهابي الأكثر خطورة في منطقة الساحل الأفريقي الأجهزة الأمنية بعملية استعراضية مطلع 2013، تمثّلت بالهجوم على منشأة عين أميناس، التي هي المنشأة الغازية الأكبر في صحراء البلاد واحتجز العشرات من الفنيين الأجانب والمحليين. ويومذاك تدخّلت «القوات الخاصة» الجزائرية لفك أسر الرهائن، وانتهت العملية بمجزرة رهيبة إذ قتل 29 أجنبيًا ومعهم 28 من المعتدين، لم يكن بلمختار من بينهم، إذ كان العقل المدبّر للعملية التي نفّذها عناصر يتبعون له، يتحدّرون من 6 جنسيات: جزائرية وموريتانية ومصرية وتونسية ومالية وكندية. ويتحصًن «أبو العباس» حاليًا بقبيلة البرابيش في شمال مالي، التي تزوج منها. ويقال إن أعيان هذه القبيلة المسلحين على استعداد لخوض حرب إذا استدعى الأمر، ولن يفرطوا في «أبي العباس».
وفي حين لم يُعد يُعرف أي نشاط لما تدعو نفسها «جماعة حماة الدعوة السلفية» منذ 5 سنوات، بعدما كانت تنشط في تيبازة وعين الدفلى (غرب وجنوب غربي الجزائر العاصمة)، يتعاظم خطر «حركة أنصار الدين» منذ نهاية عملية «القط المتوحش» العسكرية التي شنها الطيران الحربي الفرنسي على مواقع التنظيمات المتطرفة بشمال مالي في مطلع 2013. ولئن كانت القوات الفرنسية بالتحالف مع عسكر النيجر قد نجحت في قتل قائد «القاعدة» الجزائري «عبد الحميد أبوزيد» في خضم «القط المتوحش»، فإن زعيم «أنصار الدين» المتطرف إياد آغ غالي ما زال يتحرّك بعناصره في المدن المالية الحدودية مع الجزائر. وبحسب أحدث تقارير الأمن، يبحث آغ غالي عن التوغّل إلى عمق التراب الجزائري لضرب مصالح غربية تتمثل أساسًا في مشاريع بترولية أميركية. وتخشى أجهزة الأمن الغربية التي تقتفي أثر هذا القيادي المتشدّد من قيام حلف بينه وبين «داعش» ليبيا.
أما «حركة التوحيد والجهاد» التي انشقت عن جماعة «أبي زيد»، في 2011 فقد «تخصصت» بخطف رعايا غربيين، خصوصًا الفرنسيين منهم، ومساومة حكوماتهم للحصول على فدية. ولقد تراجع نشاط هذا التنظيم منذ سنة، إلا أن خطره يظل قائمًا. ولوحظ أن عناصره في المدة الأخيرة يتحرّكون في منطقة الحدود الموريتانية - المالية.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».