بعد بريطانيا.. 7 دول أوروبية قد تطالب بالانفصال

صعود اليمين المتطرف المناهض للاتحاد الأوروبي أبرز العوامل

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وزوجته سامانثا بعد التصويت في الاستفتاء أمس بلندن (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وزوجته سامانثا بعد التصويت في الاستفتاء أمس بلندن (إ.ب.أ)
TT

بعد بريطانيا.. 7 دول أوروبية قد تطالب بالانفصال

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وزوجته سامانثا بعد التصويت في الاستفتاء أمس بلندن (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وزوجته سامانثا بعد التصويت في الاستفتاء أمس بلندن (إ.ب.أ)

في وقت توافد فيه الناخبون البريطانيون على صناديق الاقتراع، يستعد قادة الاتحاد الأوروبي لسيناريو محتمل لم يكن ليخطر على بال أحدهم قبل عدة شهور، ألا وهو: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ولم تخلُ الأسابيع الماضية من خطب مصيرية؛ إذ حذر رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يشكل تهديدا خطيرا على «الحضارة السياسية الغربية». ومع ذلك، فإن المخاوف المتعلقة بتفكك الاتحاد الأوروبي هي مخاوف بعيدة الاحتمال. في حين أن هنالك بالطبع بلدان أخرى من الممكن أن تكتسب فيها استفتاءات مشابهة زخما.
* السويد
تنظر السويد إلى نفسها باعتبارها معادلا اسكندنافيا لبريطانيا؛ حيث ترفض اعتماد العملة الأوروبية الموحدة اليورو، وفيما يتعلق بسياسات الاتحاد الأوروبي، توافق كلا من بريطانيا والسويد على 90 في المائة من جميع القضايا.
ومن ثم، فسوف يثير استفتاء بريطانيا على الاتحاد الأوروبي مخاوف استثنائية في السويد، فمن ناحية، قبلت الدولة مئات الآلاف من اللاجئين العام الماضي، لكنها سعت جاهدة إلى دمج بعض منهم. ونتيجة لذلك، اكتسب اليمين المتطرف في السويد زخما وسط مستجدات ذكرت البعض بصعود حزب الاستقلال المملكة المتحدة، المؤيد لانسحاب بريطانيا من الاتحاد البريطاني.
وعلى الرغم من أن معظم السويديين لا يزال لديهم انطباع إيجابي تجاه الاتحاد الأوروبي، فذلك من المحتمل أن يتغير حال تصويت بريطانيا على عضويتها في الاتحاد البريطاني. وفي هذه الحالة، فإن أحد الأسئلة المحورية تتعلق بما إذا كان قادة الاتحاد الأوروبي سيحاولون تعزيز التماسك من خلال تعميق أواصر التعاون والتركيز على الأعضاء الأساسيين، أو ما إذا كانوا سيوسعون الاتحاد من أجل السماح للحكومات الوطنية أن تكون لها الكلمة العليا.
ومن المرجح أن تبدأ الشكوك في التسلل إلى السويديين حول ما إذا كان صوت دولة في صغر حجم بلدهم ولا تعتمد العملة الأوروبية الموحدة سيسمع في بروكسل، في حال مواصلة الاتحاد الأوروبي لعملية اندماجه.
* الدنمارك
عقدت الدنمارك استفتاء في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وإن كان ذا تأثير محدود للغاية؛ إذ صوت فيه الدنماركيون ضد تسليم المزيد من الصلاحيات للاتحاد الأوروبي.
إلا أن هذا وحده لا يكفي للتنبؤ بما إذا كان الدنماركيون حقا يريدون التصويت لصالح «الخروج» من الاتحاد الأوروبي. ففي حقيقة الأمر، يعتقد معظم السكان في البلدان الأعضاء بالاتحاد الأوروبي أن بروكسل لا ينبغي أن تكون أكثر قوة مما هي عليه، وفقا لدراسة حديثة صادرة عن مركز بيو للأبحاث.
وكما هو الحال بالنسبة إلى السويديين، ثمة عاملان سيؤثران بشكل خاص في سلوك الناخبين؛ يتمثل الأول في أن معظم الدنماركيين يخوضون من زيادة معدلات الهجرة وتدفق اللاجئين الذي من الممكن أن يهدد نظام الرفاه في تلك الدولة الصغيرة. أما العامل الثاني، فيتمثل في أن الدنماركيين لطالما اعتمدوا حتى الآن على بريطانيا حليفا قويا في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، حيث إن كلا البلدان يتبنيان مواقف سياسية مماثلة.
من جانبها، قالت أستاذة العلوم السياسية مارلين ويند من جامعة «كوبنهاجن» في تصريحات لوكالة «بلومبيرغ»: «من دون بريطانيا، لن يكون للدنمارك القدرة على جر قاطرة مصالح الدنمارك».
* اليونان
اختفت أزمة ديون الحكومة اليونانية في الغالب من النقاش العام والعناوين الرئيسية، وإن كانت ستعود عاجلا أم آجلا.
وتخشى صحيفة «كاثيميرني» اليونانية من أن مخاوف الأزمة المستمرة جنبا إلى جنب مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من الممكن أن تصبح في نهاية المطاف تهديدا لوضع عضوية اليونان في الاتحاد الأوروبي.
وتشير الجريدة إلى أن «مصدر القلق الرئيسي في أثينا أن الخروج من الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يُضعف عزيمة منطقة اليورو لتعزيز موقف اليونان ضمن العملة الموحدة، التي قد تتطلب المزيد من الأدوات إضافة إلى مستوى أعلى من التكامل عما عليه الحال اليوم».
ومن جانبه قال ولفانجو بيكولي، مدير الأبحاث لشركة استشارات المخاطر السياسية «تينيو إنتيليجنز»، في تصريحات له للجريدة إنه «في جميع الأحوال تعتمد اليونان بقدر أكبر على تقاسم العبء الأكبر في منطقة يورو أكثر تكاملا. إلا أن ذلك لن يكون محتملا في الغالب بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وبالتالي، فإن جل ما تخشاه اليونان، لا يتمثل في استفتاء مناهض للاتحاد الأوروبي تحت تأثير الأحزاب اليمينية، بقدر ما تخشاه من دفع الاتحاد الأوروبي لليونان للخروج منه من أجل إنقاذ التلاحم بين بقية الأعضاء.
* هولندا
أوصلت الصحيفة الهولندية «ألمغين دغبلاد» رسالة بالغة الوضوح للبريطانيين قبيل استفتاء أمس؛ إذ تصدرت صفحتها الأولى مقالة بعنوان «لا تتركني بهذه الطريقة». وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الرسالة قد لا تعبر عن وجهة نظر معظم الهولنديين حول الاتحاد الأوروبي.
من جانبه، دعم جيرت ويلدرز، رئيس الحزب الشعبوي اليميني، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعقد الآمال على إجراء استفتاء مماثل في هولندا؛ إذ قال ويلدرز لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في مقابلة أجريت معه مؤخرا: «إن أردنا أن نحيا كأمة، فعلينا أن نوقف الهجرة ونوقف الأسلمة». وأضاف ويلدرز الذي يتصدر حاليا استطلاعات الرأي في بلاده: «ولن نتمكن من تحقيق ذلك داخل الاتحاد الأوروبي».
* المجر
لا يُعرف عن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان أنه صديق مخلص للاتحاد الأوروبي، فقد اكتسب الرجل في واقع الأمر سمعة مناقضة لذلك. وفي شهر مايو (أيار) الماضي، استقبله رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أوروبان قائلا له: «مرحبا، أيها الديكتاتور»، بينما كانت كاميرات التلفزيون تسجل ذلك الحادث المحرج.
وعلى الرغم من الخلافات، فقد حث أوروبان بريطانيا مؤخرا على البقاء في الاتحاد الأوروبي، ولكنه قام بذلك على الأرجح؛ لأن بريطانيا المشككة في الاتحاد الأوروبي تُعد شريكا مهما للحكومة في بودابست.
ويخطط أوروبان لإجراء استفتاء في المجر قد يفضي إلى نتائج تضر بتماسك الاتحاد الأوروبي، فبعد تدفق اللاجئين على الدولة، سيُطلب من المجريين تقرير ما إذا كان سيتم السماح للاتحاد الأوروبي لإعادة توطين اللاجئين على الرغم من عدم موافقة البرلمانات الوطنية التي تتأثر بالقرار. وجدير بالذكر أن المجر لن تُجري استفتاء صريحا على القطع بـ«البقاء أو الخروج» من عضوية الاتحاد الأوروبي، بل إن الاستفتاء قد تم تصميمه بصورة غير مباشرة لمسألة السلطة التي تتمتع بها بروكسل.
* فرنسا
فرنسا هي إحدى كبرى الدول المتحفظة على البقاء في الاتحاد الأوروبي، بواقع 61 في المائة ممن لديهم نظرة سلبية للاتحاد (مقارنة بالمجر التي تقدر فيها نسبة من يحملون وجهة النظر نفسها بنسبة 37 في المائة).
وإلى جانب ألمانيا، فإن فرنسا هي قوة دافعة في القارة الأوروبية، وإن كانت أيضًا تعاني كثيرا من المشكلات بما في ذلك، ضعف الاقتصاد وزيادة التهديدات الإرهابية. وأُلقي باللوم بشأن بعض هذه المشكلات على الاتحاد الأوروبي أو على الظروف التي خلقتها الدول الأعضاء. ومعروف عن المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل على سبيل المثال، دعمها الكبير لإجراءات التقشف التي تبنتها عقب فترة الكساد الأخيرة. وعلى النقيض من ألمانيا، فإن فرنسا لم تستطع بعد التغلب على ارتفاع معدلات البطالة وضعف النمو الاقتصادي. وينظر كثير من الفرنسيين بحالة من عدم التصديق حيال ما قامت به ميركيل من فتح حدود ألمانيا أمام اللاجئين السوريين عام 2015. وقد يصب هذا في صالح حزب الجناح اليميني بالجبهة الوطنية، التي من المتوقع أن تستحوذ على المزيد من السلطة السياسية في الانتخابات القادمة. وقد دعم زعيمة الحزب مارين لوبين خروج بريطانيا من منظمة الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى المصير المشابه الذي ينتظر فرنسا حال قاد حزبها البلاد.
* اسكوتلندا كحالة خاصة
أجرت بريطانيا استفتاءين شعبيين مهمين خلال العاميين الماضيين، لكن في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فستحتاج بريطانيا إلى استفتاء ثالث، وقد يكون الاستفتاء الوحيد في أوروبا المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة، وقد صوتت اسكوتلندا للبقاء كجزء من المملكة المتحدة عام 2014، لكن أغلبية الدولة مؤيدة للاتحاد الأوروبي.
إن التفكير في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا يتخطى مرحلة التجريب حاليا، إلا أن ذلك يجري على المستوى الشعبي وبشكل تفصيلي ومدهش. وقال رئيس الوزراء الاسكتلندي نيكولا استورجين، وهي عضو في الجبهة الوطنية الاسكتلندية، إن الانفصال يجب أن يناقش في حال خروج بريطانيا، وقد تنضم اسكوتلندا أيضا إلى منطقة اليورو نتيجة لذلك.

*خدمة صحيفة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».