كوبا أميركا.. بطولة عالمية دون جماهير

كوبا أميركا.. بطولة عالمية دون جماهير

تاهت في الولايات المتحدة بين أسعار التذاكر المرتفعة والاهتمام الإعلامي الفقير
الخميس - 18 شهر رمضان 1437 هـ - 23 يونيو 2016 مـ
ملاعب عملاقة ومدرجات خاوية في كوبا أميركا («الشرق الأوسط»)

بعد المباراة التي خسرها أمام المنتخب الأرجنتيني برباعية نظيفة في الدور قبل النهائي لبطولة كوبا أميركا، أمس، فإن النتيجة مهما كانت لن تكون محزنة بالنسبة للمنتخب الأميركي. كان هناك إحساس بإنجاز المهمة بالنسبة إلى فريق المدرب يورغن كلينسمان. كان الهدف هو الوصول إلى المربع الذهبي للبطولة، وهو هدف تحقق بالانتصار على الإكوادور في دور الثمانية.
هل يؤدي تحليل البطولة ككل إلى الإحساس نفسه بالرضا؟ على أرض الملعب كانت البطولة شديدة الإمتاع رغم كل شيء. وشأن أي بطولة تقام في الصيف، كان هناك القليل من المباريات دون المستوى، في مقابل عدد من المباريات الغزيرة بالأهداف. انتهت 3 مواجهات حتى الآن من دون إحراز هدف في الوقت الأصلي. تقوضت الإثارة في المجموعات بوجود فريق يعاني بشدة، ومن ثم تقلصت الدراما في المراحل المبكرة. كانت هناك حبكة مغرية. الخروج المبكر للبرازيل، التقدم المفاجئ لفنزويلا، وصول البلد المضيف إلى المربع الذهبي رغم بداية باهتة، وفوز تشيلي الساحق والخيالي على المكسيك 7 - 0، الذي أطفأ نجم تيكاتيتو (جناح بورتو البرتغالي)، في الوقت الذي كان فيه الجناح على وشك أن يتم اختياره أفضل لاعب في البطولة. لم يكن هناك وجود لنيمار، لكن ليونيل ميسي على الأقل تعافى من إصابة في الظهر وقدم أداء ممتازًا.
ستذهب أمور محرجة مثل الخطأ في عزف النشيد الوطني طي النسيان (لكنها لن تنسى في الأوروغواي وتشيلي ومنزل بيتبول)، لكن هل سيكون من السهل محو مشهد آلاف المقاعد الشاغرة في الملاعب، حتى في مباريات الولايات المتحدة، من الذاكرة؟ عندما نتذكر الشعور المشهود في حفلات المشاهدة والتغطية الإعلامية المكثفة خلال كأس العالم 2014، تستهوي المرء مقارنة المقاعد الشاغرة والنقص في عدد المذيعين الذين يرتدون وشاحات التشجيع على المحطات التلفزيونية الكبرى، والتساؤل عما إذا كان غياب الحضور الجماهيري والصخب في المدرجات يشير إلى تراجع في علاقة هذا البلد مع كرة القدم، وهو ما يمكن أن يؤثر على طلبه لاستضافة كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة.
قبل عامين، ذهب ما يقدر بـ30 ألف مشجع إلى ملعب «سولجر فيلد» في شيكاغو لمشاهدة الولايات المتحدة وهي تخسر أمام بلجيكا على الشاشة. وقبل أسبوعين فقط، كان أقل قليلاً من 40 ألف مشجع حاضرين في ملعب يسع 61 ألف متفرج لمتابعة فريق كلينسمان وهو يهزم كوستاريكا 4 - 0، وكان كثير منهم يرتدون قمصان المنتخب الأميركي. وفي حين اجتذبت مباريات الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك أعدادًا أكبر من المشجعين، فإن هناك 9 مباريات في مرحلة المجموعات حضرها أقل من 30 ألف مشجع.
ولعل هذا يكون مفهومًا عندما تنظر إلى أسعار التذاكر المرتفعة، وشعبية البطولة ومستوى الوعي بها في هذا الجزء من أقصى شمال خط الاستواء، وهو أمر مشكوك فيه. عندما هزمت الولايات المتحدة الإكوادور 2 - 1 يوم الخميس الماضي، كان 47322 مشجعًا فقط حاضرين في ملعب سينشري لينك فيلد في سياتل، وهي المدينة التي يلعب بها الفريق الذي يجتذب أكبر حضور جماهيري في دوري كرة القدم الأميركي للمحترفين. كان مستوى التردد الصوتي عاليًا، لكن الحضور كان أقل من سعة الملعب بـ20 ألفًا (للصدفة كان متوسط الحضور الجماهيري لمتابعة فريق «ساوندرز» 44247 متفرجا الموسم الماضي).
ثمة شيء مفقود بوضوح عندما تتصفح أسعار تذاكر مباريات نصف النهائي وتتساءل عما إذا كنت وصلت بطريق الخطأ لموقع مسرحية «هاميلتون» المعروضة في مسارح برودواي. والحق أنه ربما كانت هذه الأرقام غير مناسبة لهاميلتون. في مساء الأحد، كان سعر التذكرة على موقع البطولة الرسمي، لمقعد أمامي لمباراة الولايات المتحدة والأرجنتين في الصف المتوسط، 1300 دولار، بفضل آلية التسعير القائمة على الطلب لحدث يقترب الحضور الجماهيري فيه من الوصول إلى السعة القصوى. يصل أعلى سعر لتذكرة غير قابلة للبيع، لحضور هاميلتون، إلى 849 دولارا، فيما يبلغ سعر بعض المقاعد 10 دولارات فقط.
وعندما بحثت في اليوم السابق لمباراة الولايات المتحدة والإكوادور، كان أسعار الدرجة العلوية في ملعب سينشري لينك فيلد، على موقع «تيكيت ماستر»، تتراوح من 65 دولارا إلى 2015 دولارا، قبل مصاريف الحجز. أما مقاعد الدرجات الأدنى قرب الراية الركنية، فكانت 150 - 450 دولارا. وإجمالا، فإن الأسعار كانت موازية لما كنت ستدفعه لو كنت ستشاهد فريق «سياتل سيهوكس» في الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية «إن إف إل»، لكن بأكثر من ضعف سعر تذاكر مباراة لفريق ساوندرز في دوري كرة القدم الأميركي للمحترفين.
كذلك في يوم الأربعاء، كانت أسعار المقاعد البلاتينية الرسمية في الدرجة الأدنى قرب خط المنتصف في ملعب «ميتلايف» في نيوجيرزي، خلال مباراة كولومبيا والبيرو في دور الثمانية، 875 دولارًا، وهو ما يوازي دخلاً شهريًا مرتفعًا في كل البلدين. ومع هذا فكان الملعب شبه مكتمل عن آخره بالجماهير. الاستنتاج الطبيعي هو أن التسعير الذي يعامل البلد الذي يعد بوتقة انصهار، كماكينة صراف آلي، جعل بعض المشجعين الأميركيين، رغم رغبتهم المحتملة، غير مستعدين أو قادرين على إنفاق 500 دولار أو أكثر من أجل اصطحاب أسرتهم إلى مباراة في دور المجموعات في بطولة لا تحظى برواج كبير خارج أميركا اللاتينية، خصوصًا إذا لم يكونوا سيشاهدون نجومًا عالميين كبارًا. وفي الوقت نفسه، فإن المشجعين المقيمين في الولايات المتحدة، والمنتمين لمنتخبات كبرى من الخارج، والذين تربوا على متابعة بطولة كوبا، قد يجدون فرصا قليلة في مشاهدة فرقهم الوطنية بشكل مباشرة، وكرة القدم قد تكون رياضتهم المفضلة.
لقد ذكرتنا بطولة كوبا بأنه بعيدا عن عام يقام فيه كأس العالم، ومع اهتمام إعلامي لا يكاد يذكر، لا يعد المنتخب الأميركي محط الاهتمام الأول في البلاد. وهذا صحيح عن الدوري المحلي كذلك. وقد أدى مزيج من أسعار التذاكر في المتناول نسبيا، ووجود نجوم عالميين، وإحساس بالمناسبة، أدى كل هذا لحضور جماهيري يزيد على 109 آلاف مشجع في مباراة ودية بين مانشستر يونايتد وريال مدريد في ميشيغان في 2014، بينما يعاني كثير من أندية دوري كرة القدم الأميركي للمحترفين لجذب 20 ألف مشجع لحضور مبارياتهم.
قال دان ويرسيما، متحدث باسم جماعة «الأميركيين الخارجين على القانون» وهي رابطة من المشجعين، قال إن جماعته باعت تذاكر القسم المخصص لها في الملاعب وإن حفلات المشاهدة التي أقامتها في أنحاء البلاد امتلأت عن آخرها. لكن «بالنسبة إلى المشجع العادي لا شك أن الأسعار تبدو بعيدة عن المتناول. وأعتقد أن المنظمين بالغوا قليلا. وأتمنى أن تكون هذه قصة تحذيرية لمخططي الفعاليات الرياضية.. ما زالت أميركا تملك قطاعا كبيرا من السكان من المشجعين العاديين».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة