كارثة الفلوجة الإنسانية.. 85 ألفًا يواجهون خطر الموت

مجلس اللاجئين النرويجي: الظروف المعيشية في المخيمات تزداد سوءاً بمرور الوقت.. والحكومة عاجزة عن تقديم شيء

عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
TT

كارثة الفلوجة الإنسانية.. 85 ألفًا يواجهون خطر الموت

عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)
عراقية تدفع بعجلة بعد إعلان الحكومة إخلاء مئات من العراقيين من مدينة هيت في محافظة الأنبار للوصول إلى أماكن آمنة في محاولة لدخول المدينة وطرد {داعش} منها (أ.ف.ب)

اضطرت أسر الفارين من جحيم القتال في مدينة الفلوجة العراقية إلى النوم في الصحراء المكشوفة لمدة أسبوع كامل، في ظل تحذيرات هيئات الإغاثة الإنسانية من أن هؤلاء الناس معرضون إلى خطر الموت مع النقص الحاد والخطير في إمدادات الخيام والمياه إليهم.
وأكثر من 85 ألف مواطن تمكنوا من الفرار من المدينة وضواحيها خلال الأسابيع الأخيرة في الوقت الذي تخوض القوات العراقية فيه حربها من أجل استعادة المدينة من تنظيم داعش الإرهابي. وهناك ما يقرب من 4.4 مليون مواطن عراقي في البلاد أصبحوا من النازحين داخليا، وهو أكبر عدد من النازحين المسجلين في أي دولة. وقالت منظمة الأمم المتحدة أن وتيرة الوافدين الجدد أخذها على حين غرة، على الرغم من علمها بأن عشرات الألوف من الناس كانوا محاصرين في المدينة قبل بدء العمليات العسكرية في الشهر الماضي. والحكومة العراقية، في الأثناء ذاتها، تبدو وأنها قد أعدت القليل، مما لا يكفي، من المساعدات لأسر المواطنين الفارين من القتال.
جلست ميهال عدنان وأطفالها الأربعة إلى جانب متعلقاتهم الشخصية في ذلك المخيم الذي أقيم على عجل على مسافة تبعد 15 ميلا إلى الغرب من الفلوجة بالقرب من مدينة الحبانية العراقية. وكان ذلك يومهم الرابع في العراء من دون مأوى من أي نوع، حيث يتعرضون يوميا للعواصف الترابية ودرجات الحرارة التي تتجاوز حدودا غير مسبوقة من الارتفاع. كانت ميهال تحمل طفلها المعاق البالغ من العمر 13 عاما وتحاول تدليك عضلاته المتيبسة وهو يبكي من آلامه. لقد اتسخت ملابسه وليست هناك مراحيض أو خزانات للمياه يمكن أن تستخدمها لتنظيف طفلها. ولقد انطلقت تلك الأسرة إلى إحدى الخيام التابعة للحكومة للشكوى من انخفاض الإمدادات، حيث إن الأولويات هناك لمن يملكون الأموال أو الاتصالات ببعض المسؤولين. تقول ميهال عدنان: «سوف ننام هنا الليلة»، مشيرة إلى بطانية رمادية واحدة يتقاسمونها بينهم، وأضافت تقول: «ماذا يمكن أن نفعل أيضا؟ إننا بائسون. ليس لدينا شيء البتة».
على مقربة منهم، اندفع الرجال نحو صندوق وحيد من زجاجات المياه كانت قد ألقت به إحدى الشاحنات أثناء سيرها. يقول محمد جاسم خليل، 72 عاما: «إننا نلقى معاملة الكلاب. ما ذنبي في كل الذي يحدث هنا؟» كانت عائلته تنام في العراء لمدة ستة أيام ثم تمكنت أخيرا من الحصول على خيمة. ويقول إسماعيل محمد حسين، 51 عاما: «تمنيت لو أن قذيفة هاون قد سقطت على منزلي في الفلوجة وقتلتني. لكان ذلك أفضل كثيرا من الحياة بهذه الطريقة». وصرح مجلس اللاجئين النرويجي قائلا إن الظروف المعيشية في المخيمات تزداد سواء بمرور الوقت. والفئات الأكثر عرضة للمخاطر هن النساء الحوامل، وكبار السن، وذوو الإعاقة، وبعضهم ينهار بسبب الإرهاق، كما يقول عمال الإغاثة.
يقول نصر مفلحي، مدير المنظمة في العراق إن «الأوضاع تتدهور يوما بعد يوم، وسوف يلقى الناس حتفهم في تلك المخيمات ما لم تصلهم الإمدادات والإغاثة الضرورية. إن ما نشهده اليوم هو نتيجة مباشرة لتأخر استجابة والنقص الشديد في التمويل مع أعداد هائلة من المدنيين الفارين من الكابوس ليعيشوا كابوسا آخر». وتقول الأمم المتحدة إنها تعاني من نقص شديد في التمويل لأنها تتعامل مع أعداد غير مسبوقة من النازحين في العالم، مع وجود واحد من أصل 113 شخصا في العالم غير قادر على العودة إلى وطنه بسلام.
أعلنت الحكومة العراقية انتصارها في الفلوجة، ولكن لم يتم تطهير سوى ثلث مساحة المدينة من المتطرفين، وفقا للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولا يعلم أحد تعداد السكان المحاصرين في داخل المدينة. ولقد حذرت الأمم المتحدة من فرار مزيد من المواطنين مع تقدم القوات العراقية في المدينة، مما يضيف مزيد من الجهد والإرهاق إلى المخيمات التي تعاني من نقص الإمدادات بالفعل. ولقد ناشد المسؤولون في الأمم المتحدة المجتمع الدولي لتوفير 17.5 مليون دولار من تمويل الطوارئ.
وتحمل العائلات التي تصل إلى المخيمات قصصا مروعة عن الحياة في ظل تنظيم داعش الإرهابي ومسلحيه الذين سيطروا على المدينة لما يقرب من عامين ونصف العام.
كانت إمدادات المواد الغذائية شحيحة لعدة شهور، في الوقت الذي كانت المدينة فيه خاضعة لحصار قوات الأمن العراقية وتتعرض للقصف اليومي بالمدفعية والغارات الجوية. وكانت رحلات الفرار من المدينة محفوفة بكثير من المخاطر، حيث كان المتطرفون من أعضاء «داعش» يطلقون النار على السكان النازحين من المدينة.
رفع فلاح حسين علي ذراعيه ليكشف للناس عن الكدمات الغائرة التي قال إنها نتيجة للجلد بالأسلاك الكهربائية الغليظة على أيدي مسلحي التنظيم. وقال إنه كان سجينا لدى «داعش» عندما بدأت العمليات العسكرية وتمكنت قوات الأمن العراقية من إطلاق سراحه. وقال إنه اعتقل وظل قيد الاحتجاز لمدة 20 يوما حيث تعرض الرجال في حي النزال الذي كان يسكنه للاعتقال على أيدي مسلحي التنظيم بعد رفع العالم العراقي على تلك المنطقة بين عشية وضحاها.
وأضاف فلاح قائلا: «لم نكن نريد بقاء التنظيم الإرهابي هناك. ولكنهم نقلونا من موت إلى موت من نوع آخر. أي نوع من الحياة هذه التي نحياها؟» يقول غسان أبو شعر، وهو منسق الطوارئ لمنظمة أطباء بلا حدود، إن إجمالي الإصابات داخل المخيمات هو للإصابات الجسدية والعقلية، مضيفا أن «الناس هنا في نقطة الانهيار».
ومما يضيف إلى الضغوط العسيرة التي تشهدها العائلات هناك أن الرجال كافة من سن القتال هم قيد الاحتجاز من أجل الفحص والمراجعة الأمنية، حيث تركوا النساء والأطفال لمواجهة الشدائد بمفردهم حتى يتم الإفراج عن الرجال.
ولا يزال زوج ميهال عدنان وولدها البالغ من العمر 17 عاما قيد الاحتجاز الأمني. وقالت إحدى النساء من حي المعلمين في الفلوجة، وقد فضلت الإفصاح عن اسمها لأنها كانت تنتقد ردود فعل الحكومة العراقية: «إذا كانت الحكومة عاجزة عن مساعدتنا فينبغي عليهم الإفراج عن رجالنا. لقد فررنا من (داعش)، ومن القصف المستمر، ومن الجوع، حتى نلقى ذلك في انتظارنا».
ولقد اشتكى كثيرون أنهم لا يُسمح لهم بالمغادرة من محافظة الأنبار العراقية، حتى من أجل تلقي العلاج أو حتى إن كانت لهم عائلة أو أقارب في بغداد التي تبعد 40 ميلا إلى الشرق. وفي حين أن السكان ذوي الأغلبية السنية يشكلون تهديدا أمنيا، إلا أن الوصول إلى المدينة مقيد بمنتهى الشدة.
وفي مخيم آخر مقام في خارج بلدة الخالدية القريبة، يتلقى السكان وجبات غذائية جاهزة يوميا، وهناك عدد محدود من دورات المياه وخزانات المياه. تقول بعض العائلات إنه على الرغم من تلك المصاعب، فإن الحياة في المخيمات أفضل كثيرا من الحياة في ظل «داعش».
حيث يقول مهدي صالح عابد، 94 عاما، وهو يجلس في ظل خيمة من الخيام إن «الحياة هنا أشبه بالسجن. ولكن الحياة هنا في الغبار والأتربة أفضل بكثير من الحياة مع (داعش)». كانت إحدى الهيئات الإغاثية قد قامت بتسليم مائة ألف رطل من المواد الغذائية، مع انتشار الغبار خلال الصفوف الجرداء من الخيام في الصحراء أثناء اصطفاف الناس من أجل تسلم نصيبهم منها – ولكن العائلات هناك تفتقر إلى أساسيات الحياة مثل المواقد المحمولة حتى يمكنها الاستفادة من أكياس الدقيق والأرز التي يتلقونها من الهيئات الإغاثة.
يقول جيريمي كورتني، مؤسس تحالف الحب الوقائي، وهي من الجمعيات الإغاثية التي كانت تشرف على التوزيع، إن مستوى التخطيط ليس إلا عبارة عن كارثة متكاملة الأركان، وأضاف يقول: «لقد فشلت الحكومة العراقية والمنظمات الدولية في القيام بما يلزمهم القيام به لمواجهة هذه الكارثة».
وأعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الذي تواجه حكومته احتجاجات شعبية واسعة النطاق في بغداد، وعلى نحو غير متوقع عن عملية استعادة الفلوجة في أواخر مايو (أيار) فيما وصفه بعض المحللين بأنه محاولة لتشتيت الانتباه بعيدا عن مشاكله السياسية المتفاقمة في الداخل.
ولكن على الرغم من حقيقة أن العملية العسكرية قد بدأت بمثابة «محاولة سريعة لحفظ ماء الوجه» والتي أخذت الجميع على حين غرة، كان من الواضح أنه سوف يكون هناك نزوج جماعي للمواطنين بمجرد الإعلان عن بدء العمليات العسكرية قبل شهر من الآن، مما يمنح الجمعيات الإغاثية الوقت الكافي للاستعداد والتجهيز، كما قال كورتني.
من بين 85 ألف شخص من الفارين من المدينة، هناك 60 ألف مواطن وصلوا خلال ثلاثة أيام فقط الأسبوع الماضي، مما أغرق جهود وكالات الإغاثة الإنسانية بأعدادهم الهائلة. يقول برونو غيدو، الممثل العراقي لوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «لا يمكن لأحد أن يكون مستعدا لكارثة بهذا الحجم الرهيب». وأضاف أن المخيمات التي ترعاها الأمم المتحدة لا يمكنها استقبال سوى 16.830 شخص فقط، على الرغم من أن المخيمات الحكومية والخيام الكبيرة المؤقتة التي تستخدمها أكثر من 30 عائلة عراقية من الفلوجة تمثل درجة من درجات النقص في التجهيزات، فلا تزال هناك حاجة إلى 20 مخيما آخرين، كما أضاف.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.