الاستفتاء على «الأوروبي».. صراع أجيال ومرآة لانقسامات المجتمع

بوريس جونسون يواجه عائلته المناصرة لأوروبا بمواقفه المتعصبة للخروج

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يخاطب مواطنين في بريستول أمس في محاولة للإقناع بالبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يخاطب مواطنين في بريستول أمس في محاولة للإقناع بالبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
TT

الاستفتاء على «الأوروبي».. صراع أجيال ومرآة لانقسامات المجتمع

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يخاطب مواطنين في بريستول أمس في محاولة للإقناع بالبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يخاطب مواطنين في بريستول أمس في محاولة للإقناع بالبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

لا يميل أفراد أسرة دريسكول إلى الشجار. وإذا ما تشاجروا، فسيكون الجدل عادة حول من عليه الدور لاستخدام المكنسة الكهربائية.
تعمل ليزلي دريسكول، 55 عاما، في بيع الكعكات الساخنة في أحد المخابز الإنجليزية في لندن ودائما ما تنادي زبائنها بكلمات لطيفة مثل «حبيبتي» أو «عزيزتي»، فيما يعمل زوجها بيتر، 54 عاما، في شركة تركيب الأرضيات. أما ابنتهما لويز البالغة من العمر 19 عاما، ذات الشعر الأزرق، فتعمل نادلة في أحد المقاهي.
ولكن في الأسبوع الماضي، تشاجرت عائلة دريسكول بشكل سيء. وبعد مرور فترة وجيزة من الجدل الحاد، خرج الأب بيتر من المنزل وهو عابس الجبين لرؤية بعض من أصدقائه في ديربي ناحية الشمال. وكان مصدر المشكلة العائلية هو ما إذا كان ينبغي على بريطانيا البقاء في أو مغادرة الاتحاد الأوروبي، وهي العملية التي يشار إليها إعلاميا باسم «البريكست».
ومع الاستفتاء على عضوية الاتحاد الذي لم يبق عليه سوى بضعة أيام والمقرر انعقاده اليوم، تشير استطلاعات الرأي إلى الانقسام العميق الذي ضرب البلاد حول الأسس الاجتماعية والاقتصادية والإقليمية، مع نسبة كبيرة من كبار السن والعمال الإنجليز الذين يؤيدون الخروج البريطاني من الاتحاد، ونسبة مماثلة من صغار السن والأفضل تعليما، وأغلبهم من سكان اسكوتلندا وآيرلندا الشمالية، يفضلون البقاء ضمن عضوية الاتحاد.
ومع أن الآثار المترتبة على الاختيار تدور مع الناخبين حيث داروا، إلا أن التوترات الداخلية في تزايد مستمر. وفي حالة عائلة دريسكول، فإنهم يعيشون حالة «غليان» شديد. وقالت لويز في ظهيرة أحد الأيام، وهي تنظر إلى والدتها بشكل مباشر أثناء جلوسهما في أحد المقاهي: «إنا أختلف معها تماما. لا ينبغي علينا مغادرة الاتحاد أبدا، إنها المنظمة التي ساعدتنا بأكثر مما كنا نستطيع مساعدة أنفسنا إذا مضينا في طريقنا بمفردنا».
ولويز هي الوحيدة في عائلتها التي تريد بقاء بريطانيا ضمن عضوية الاتحاد، حيث إن والديها وجدها البالغ من العمر 80 عاما يريدون للبلاد مغادرة الاتحاد.
وقالت والدة لويز «إنها جزيرة صغيرة»، مشيرة إلى أنه «علينا الاهتمام بشؤوننا أولا. إن الأفعال الطيبة تبدأ من المنزل». وأجابت لويز تقول: «لكننا جميعنا بشر. وعلينا مساعدة بعضنا البعض». وردت والدتها عليها تقول وهي تهز رأسها: «إنني لا أفكر بهذه الطريقة يا عزيزتي. إذا كنت مولودة هنا، فأنت بالتأكيد إنجليزية. ولا أهتم إن كنت سوداء أم بيضاء أم خضراء أم زرقاء أم بنفسجية أم وردية - فأنت بالأساس إنجليزية». وأولئك المولودون في الخارج، كما استطردت السيدة دريسكول: «لديهم حكوماتهم التي ترعاهم، ولديهم البرلمانات الخاصة بهم، وأيا كان اسمها».
وفي جميع ربوع البلاد، يدفع الجدال الأزواج في مواجهة الزوجات، والأطفال في مواجهة الآباء، والشقيقات في مواجهة الأشقاء. ومن غير المرجح لمثل تلك الانقسامات أن تلتئم بسهولة بعد انتهاء الاستفتاء.
حتى عائلة بوريس جونسون، العمدة السابق لمدينة لندن وأبرز الوجوه المؤيدة لحملة مغادرة بريطانية للكتلة الأوروبية، لم تكن بمنأى عن الجدال والمنازعات. فوالده، ستانلي، وشقيقته، راشيل، وشقيقه، جو، وهو عضو في البرلمان البريطاني والذي عمل بشكل وثيق مع رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، يفضلون جميعا البقاء ضمن عضوية الاتحاد. أما والدة بوريس جونسون، شارلوت جونسون وال، فهي ترغب في الانسحاب وتؤيد المغادرة. ولقد حاولت راشيل مرارا وتكرارا إثناء العمدة الأسبق، من دون جدوى، عن تأييد مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي خلال مباريات التنس التي جمعتهما سويا.
وفي إزلينغتون، وهو حي من أحياء العاصمة لندن حيث عاش أفراد عائلة دريسكول لثمانية أجيال متتالية، فإن سكان الحي يعلنون وعلى نحو متزايد عن نواياهم حيال التصويت، وهو من الأمور نادرة الحدوث في المجتمع البريطاني.
هناك صفوف من المنازل عبر الشوارع صارت تحمل ملصقات «البقاء» معلقة على النوافذ. وعلى الطريق الممتلئ بمتاجر الجزارين، والمخابز، والأسماك، ومختلف التجار الذين يومئون برؤوسهم بقوة عند سؤالهم إذا ما كانوا يعتزمون التصويت لمغادرة الاتحاد الأوروبي.
وتلامس الجدال الثائر حول استمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي من عدمها مع قضايا متنوعة مثل الهجرة، والإرهاب، والاقتصاد، أزمة الإسكان، ومصير وزارة الصحة الوطنية. وبعض من هذه القضايا، مثل قضية الهجرة، تتعلق بصورة مباشرة بالاتحاد الأوروبي. والقضايا الأخرى، مثل أزمة الإسكان بأسعار معقولة، ليست على صلة وثيقة بالاتحاد.
ومع ذلك، فإن مثل تلك الفروق لا تتمتع بقدر كبير من الوضوح. بالنسبة للكثيرين، فإن الاستفتاء يعتبر من قبيل الفرص السانحة لتسجيل حالة الاستياء العامة حيال توجهات البلاد، كما أنه فرصة سانحة كذلك لرفض أو قبول أوروبا بأسرها. ولقد تشكلت مواقف بعض الناخبين من واقع التجارب الشخصية والحكايات الماضية.
فهناك، على سبيل المثال، اعتقاد شائع بأن المواطنين الأوروبيين سوف يتدفقون على بريطانيا، ولا سيما من دول أوروبا الشرقية، للاستفادة من نظام الرعاية الاجتماعية المتميز هناك. ولكن نظام الرعاية الاجتماعية البريطاني لا يتسم بالسخاء الذي نشهده في الكثير من الدول الأوروبية الأخرى، وهناك نسبة تقل عن 7 في المائة من المهاجرين يتمتعون بفوائد هذه النظم.
وفي حالة السيدة دريسكول، فإنها تتذكر جدها لوالدها الذي كان يرهن سترته ثم يعيد رهنها مرة تلو المرة كي يغطي الأساسيات من تكاليف المعيشة. ولقد عادت تلك الذكريات البائسة إلى الحياة مرة أخرى، كما تقول، عندما اكتشفت قبل بضع سنوات أن العائلة البولندية الوافدة حديثا في الحي الذي تسكن فيه قد تلقت أموالا لشراء سيارة جديدة، وانتقلوا ليعيشوا في منزل جديد يضم أربع غرف للنوم.
تقول دريسكول: «قبل سنوات، لم يكن لدينا ضمان اجتماعي أو أي شيء من هذا القبيل. كان عليك أن تتصرف بنفسك لإعالة نفسك». كان على جدتها أن تستعيد سترة زوجها من متجر الرهانات عندما يحصل على راتبه في كل يوم جمعة، ثم يعيدون رهنها مرة أخرى يوم الاثنين، كما قالت دريسكول: «وهكذا كانت تسير حياتهم أسبوعا تلو الآخر».
«وجود الثقافات المختلفة والمجتمعات المتنوعة هو من الأمور الرائعة» كما تقول، ولكن «ما لا يعجبني هو حقيقة أنه من خلال كل ذلك أننا تركنا أنفسنا منفتحين بشدة على الجميع. إنني أشعر وكأنني مواطنة من الدرجة الثانية في موطني وبلادي».
ودريسكول هي مواطنة إنجليزية وتفخر بذلك (وليست بريطانية، كما تقول - فلقد شطبت على تلك الكلمة في جواز سفرها وغيرتها إلى كلمة «إنجليزية»). ولقد حارب والدها في الحرب العالمية الثانية، كما حارب جدها في الحرب العالمية الأولى، ولقد عاشت كل حياتها في هذا الحي بالعاصمة لندن.
ولقد نشأت لويز في نفس المكان، ولكن في بريطانيا المزدهرة، ذات الثقافات المتعددة بأكثر مما شهدت الأجيال السابقة عليها. وفي المدرسة، كانت الوحيدة ذات البشرة البيضاء برفقة تلميذتين فقط. وأصدقائها من إريتريا ونيجيريا وجنوب أفريقيا.
ولقد صوتت لويز لصالح حزب الخضر في الانتخابات العامة التي جرت العام الماضي، ولقد أصابها الذهول لما علمت أن والدتها، وهي الناخبة العمالية التقليدية، قد صوتت لصالح حزب الاستقلال البريطاني المناهض لأوروبا. «آسفة، أعلم أنني عتيقة الطراز - لا أستطيع التحكم في ذلك، يا عزيزتي»، كما قالت دريسكول لابنتها، ببعض من الخجل البسيط.
وقالت لويز إنها تتفهم الضغوط التي تلقيها الهجرة على عاتق المدارس والمستشفيات في البلاد. ولكن مغادرة الاتحاد الأوروبي تسبب لها قلقا شديدا، كما تقول، بسبب أنه تعتبره مخاطرة بتدمير اقتصاد البلاد. ولقد استغرق الأمر منها ثمانية أشهر للحصول على عمل كنادلة في أحد المقاهي.
وأضافت لويز تقول: «إذا ما أردت العمل في الخارج، لكان الأمر أسهل بكثير إذا ما كانت إنجلترا جزءا من الاتحاد الأوروبي».
وأشارت والدتها عليها بالانتقال إلى نيويورك، وهي غير مدركة على نحو جيد للمفارقة الكبيرة التي سوف تجعل من ابنتها مهاجرة هي الأخرى. ولقد تحول النقاش حول الهجرة، وبشكل شبه حتمي، إلى جدال محتدم حول الإرهاب. حيث قالت السيدة دريسكول إن الحدود البريطانية التي يسهل اختراقها قد سهلت على الإرهابيين الدخول إلى البلاد، حيث كررت رسالة مفادها أن الحملة من أجل مغادرة الاتحاد الأوروبي ليست اختيارا سهلا ويسيرا على الناخبين ولكنهم مضطرون إليها.
ولقد سألت لويز لماذا تريد والدتها وقف تدفق المهاجرين إلى إنجلترا، فأجابتها والدتها تقول: «إنا غير قلقة من الأشخاص الطيبين. بل من الأشخاص السيئين».
واستطردت تقول: «عندما تكون حدودنا مفتوحة بهذه الطريقة، يبدو وكأننا نقول للإرهابيين تعالوا إلى بلادنا واقتلونا في ديارنا»، وأضافت أن أعضاء الجيش الجمهوري الآيرلندي كانوا على الأقل يخطرون الناس قبل تفجير القنابل في مختلف أنحاء بريطانيا خلال الفترة بين سبعينات وثمانينات القرن الماضي.
وأضافت السيدة دريسكول تقول: «يمكننا استقلال الحافلة في الغد في وجود رجل يحمل حقيبة للظهر ثم تنفجر الحقيبة بالرجل بكل شيء. أليس كذلك؟ ولا علاقة للأمر بما يسمونه معتقداتهم».
أدارت لويز عينيها فيما يبدو وكأنه محاولة نهائية، وقالت: «في نهاية اليوم، سوف يكون للاتحاد الأوروبي تأثير على جيلي أكثر مما يؤثر على جيلك. أفلا يكون من حقنا أن نقرر ما إذا كنا نستمر في الاتحاد أو نغادره؟».
لزمت والدتها الصمت وظلت تفكر. ثم قالت في هدوء: «إنني أبلغ 55 عاما من العمر. وأعلم أنه في غضون 50 عاما من الآن سوف تكونين على قيد الحياة من دوني، ولسوف تتحملين وحدك كل ما سوف يحدث»، ثم توقفت لبرهة قبل أن تقول أخيرا «أعتذر، ولكنني ما زلت أريد مغادرة الاتحاد».
* خدمة «نيويورك تايمز»



أكثر من 70 مفقوداً بعد غرق قارب ينقل مهاجرين في المتوسط

متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
TT

أكثر من 70 مفقوداً بعد غرق قارب ينقل مهاجرين في المتوسط

متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)
متطوعو «الصليب الأحمر» وفرق الإنقاذ يقفون بجوار قارب صيد يقل مهاجرين في ميناء باليوخورا عقب عملية إنقاذ قبالة جزيرة كريت (أرشيفية - رويترز)

فُقد أكثر من 70 شخصاً، وقضى اثنان على الأقل، إثر انقلاب قارب ينقل مهاجرين في وسط البحر الأبيض المتوسط، وفق ما أفادت منظمتا «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز» و«سي ووتش» غير الحكوميتين، يوم الأحد.

وأعلنت «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز» عن إنقاذ 32 شخصاً بعد غرق القارب الذي أبحر بعد ظهر السبت من ليبيا وعلى متنه 105 أشخاص ما بين نساء ورجال وأطفال.

وأضافت المنظمة: «حادث غرق مأسوي في عيد الفصح. 32 ناجياً، وتم انتشال جثتين، وأكثر من 70 شخصاً في عداد المفقودين»، موضحة أن القارب الخشب انقلب في منطقة بحث وإنقاذ تُسيطر عليها السلطات الليبية.

من جانبها، أفادت منظمة «سي ووتش» بأنّ الناجين أُنقذوا بواسطة سفينتين تجاريتين ونزلوا، صباح الأحد، في جزيرة لامبيدوسا الإيطالية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأظهر مقطع فيديو نشرته المنظمة على منصة «إكس» -ويبدو أن طائرة المراقبة «سي بيرد 2» قامت بتصويره- رجالاً يتشبّثون بهيكل القارب المنقلب في حين كان ينجرف في عرض البحر، ثم تقترب منه سفينة تجارية.

وقالت «ميديتيرنيا سايفينغ هيومنز»: «نتشارك الألم مع الناجين وأُسرهم وأقاربهم. هذا ليس حادثاً مأسوياً، بل نتيجة سياسات الحكومات الأوروبية التي ترفض فتح طرق وصول آمنة وقانونية».

وتشكل لامبيدوسا نقطة وصول أساسية للمهاجرين الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط انطلاقاً من شمال أفريقيا. ويهلك كثيرون أثناء قيامهم بهذه الرحلة الخطرة.

ومنذ مطلع العام الحالي، لقي 683 مهاجراً حتفهم أو فُقدوا في البحر الأبيض المتوسط، وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية.

وأفادت وزارة الداخلية الإيطالية بأن 6175 مهاجراً وصلوا إلى السواحل الإيطالية خلال الفترة ذاتها، وفقاً لأحدث الأرقام الصادرة في الثالث من أبريل (نيسان).


مبادرة صينية باكستانية بثلاثة محاور لاحتواء التوتر الأميركي الإيراني

هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

مبادرة صينية باكستانية بثلاثة محاور لاحتواء التوتر الأميركي الإيراني

هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
هجوم سابق على ناقلة نفط في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

أفصح مسؤول صيني عن انخراط بلاده في جهود للوساطة الدبلوماسية لاحتواء الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، بالتعاون مع باكستان عبر مبادرة من خمسة بنود ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية لخفض التوتر في المنطقة والتهدئة، وشدد المسؤول الصيني على ضرورة تمسك المجتمع الدولي بموقف موضوعي وعادل لاحتواء التصعيد، مؤكداً أن الأولوية القصوى تكمن في إحلال السلام وتعزيز المفاوضات.

وأوضح تشانغ هوا، السفير الصيني لدى السعودية، أن وزير خارجية بلاده أجرى اتصالات هاتفية مع نظرائه في دول الخليج، بما فيها السعودية، إلى جانب إيران وإسرائيل وفرنسا وألمانيا ومصر وتركيا، فضلاً عن زيارات قام بها المبعوث الخاص للحكومة الصينية لقضية الشرق الأوسط، تشاي جيون، إلى دول الخليج.

وقال تشانغ هوا، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أصدر مع نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، مبادرة مشتركة من خمس نقاط بين الصين وباكستان، تهدف إلى استعادة السلام والاستقرار في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط.

وأوضح أن المبادرة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل أولاً وقف إطلاق النار، وثانياً إطلاق المفاوضات، وثالثاً تقديم الضمانات، بما يعني وقف الأعمال العدائية بشكل فوري، مؤكداً استعداد الصين للعمل مع دول الشرق الأوسط لتنفيذ مبادرة الأمن العالمية بما يسهم في إعادة الاستقرار للمنطقة، وتعزيز الأمن لشعوبها، ودعم السلام العالمي.

بكين تقف إلى جانب الرياض

وأشار تشانغ هوا، إلى أن الصين والسعودية حافظتا على التواصل والتنسيق بشأن الأوضاع في المنطقة، موضحاً أن وزير الخارجية وانغ يي أجرى مكالمتين هاتفيتين مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، فيما كانت السعودية المحطة الأولى لزيارة المبعوث الخاص تشاي جيون.

وأكد حرص بلاده على تعزيز التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى مع السعودية، معرباً عن تطلعه إلى توسيع التنسيق الثنائي في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، مشيراً إلى أن بكين تدعم جهود الرياض ودول الخليج للحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها.

وأضاف أن الصين تشيد بضبط النفس الذي تبديه السعودية وسعيها إلى إحلال السلام ومنع اتساع رقعة الحرب، مؤكداً استعداد بلاده للعمل مع المملكة لاستعادة الاستقرار في المنطقة، لافتاً إلى أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط يشكل تهديداً مباشراً لأمن السعودية ودول الخليج.

كما أكد رفض بلاده لأي هجوم يستهدف دول الخليج، ومعارضتها للهجمات العشوائية التي تصيب المدنيين والأهداف المدنية، مع دعمها للمخاوف الأمنية المشروعة لدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها السعودية.

السعودية تؤمن الطاقة

صورة فضائية التقطتها شركة «بلانيت لابز» تُظهر البنية التحتية النفطية في ميناء ينبع غرب السعودية على البحر الأحمر يوم 4 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وأوضح تشانغ هوا أن الحرب المستمرة منذ أكثر من شهر أدت إلى تداعيات كبيرة تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وتؤثر في استقرار إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل الإنتاج والنمو الاقتصادي الدولي.

وأكد أن السعودية تعد مورداً رئيسياً للنفط الخام للصين، مشيراً إلى تعمق المواءمة بين مبادرة «الحزام والطريق» و«رؤية السعودية 2030» خلال السنوات الأخيرة، مع تعزيز التعاون الثنائي في مجال الطاقة بوصفه من أهم ركائز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وأضاف أن الصين تقدر الدور الإيجابي للسعودية في الحفاظ على توازن واستقرار سوق النفط العالمية، موضحاً أن مضيق هرمز والمياه المجاورة له يمثلان ممراً حيوياً لتجارة الطاقة والسلع الدولية، وأن الحفاظ على أمن واستقرار هذه المنطقة يمثل مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي.

وأشار إلى أن التوتر في مضيق هرمز يعكس تداعيات الحرب على إيران، مؤكداً أن استمرار الحرب سيبقي حالة عدم الاستقرار في المضيق، ما يستدعي وقفاً فورياً لإطلاق النار.

ودعا جميع الأطراف إلى تكثيف الجهود لخفض التصعيد وتجنب اضطرابات أوسع قد تؤثر في أمن الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة، مؤكداً استعداد الصين لمواصلة القيام بدور بنّاء في هذا الإطار.


تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)

تتسارع التحركات الدولية لمعالجة تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز، في وقت تتباين فيه المقاربات بين طرح عسكري دفاعي مباشر، كما فعلت أوكرانيا، والدفع نحو تنسيق سياسي - أمني أوسع، كما برز في التقارب الفرنسي - الكوري الجنوبي، والاجتماع الدولي الذي استضافته لندن، الخميس.

وبينما تشكك باريس وعواصم أوروبية أخرى في واقعية أي تدخل عسكري لفتح الممر الحيوي، تستعدّ لندن لاستضافة اجتماع لـ«مخططين عسكريين»، الأسبوع المقبل، لبحث خيارات تشمل إزالة الألغام وتوفير قوة طمأنة للسفن التجارية، ضمن مقاربة متعددة المراحل قد لا تُفعّل قبل وقف إطلاق النار.

عرض زيلينسكي

عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مساهمة بلاده في جهود إعادة فتح المضيق، مؤكداً استعداد كييف لتقديم دعم دفاعي يستند إلى خبرتها في تأمين الملاحة في البحر الأسود بعد الغزو الروسي. وقال إن بلاده قادرة على توفير تقنيات تشمل اعتراض الطائرات المسيّرة، ومرافقة السفن، والحرب الإلكترونية، مشيراً إلى أن إعادة فتح المضيق قد تتطلب أيضاً مزيجاً من أنظمة الدفاع الجوي، وقوافل بحرية محمية، وقدرات تشويش متقدمة لضمان سلامة العبور. وأضاف أن أوكرانيا «مستعدة للمساعدة في كل ما يتعلق بالدفاع».

ويأتي الطرح الأوكراني في ظل مساعٍ من كييف لتفادي تراجع موقعها على الأجندة الدولية مع تحوّل التركيز نحو حرب الشرق الأوسط، ومحاولة توظيف خبرتها العسكرية في مواجهة أنماط تسليح مشابهة لتلك التي تستخدمها إيران، لا سيما الطائرات المسيّرة التي اكتسبت القوات الأوكرانية خبرة واسعة في التصدي لها، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، كما يأتي ذلك بعد جولة قام بها زيلينسكي في عدد من دول الشرق الأوسط، شملت توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي في إطار سعيه لتعزيز حضور بلاده كشريك أمني في المنطقة.

باريس تفضّل الدبلوماسية

في المقابل، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمّة جمعته بنظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، التركيز على المسار الدبلوماسي؛ حيث اتفق الجانبان على تنسيق الجهود للمساهمة في إعادة فتح المضيق، وتخفيف تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وأكد الزعيمان ضرورة ضمان أمن خطوط الملاحة، دون الخوض في تفاصيل عملياتية. وشدد ماكرون على أهمية بلورة إطار دولي لخفض التصعيد، معتبراً أن اللجوء إلى عملية عسكرية لفتح المضيق «غير واقعي»، وهو موقف يعكس تبايناً مع دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي حضّ الحلفاء، خصوصاً في آسيا، على الاضطلاع بدور أكبر في تأمين الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وكان الرئيس الفرنسي قد وصف خيار السيطرة العسكرية على المضيق بأنه «غير واقعي»، محذراً من مخاطر التصعيد، وتعريض السفن لهجمات محتملة.

إجماع دولي

وجاءت هذه المواقف غداة اجتماع عبر الفيديو، نظّمته لندن، الخميس، وجمع 40 دولة شدّدت على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط». ورأى وزراء خارجية هذه الدول، التي لم تشمل الولايات المتّحدة، أن إغلاق المضيق من جانب إيران يُشكّل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي» وانتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة وقانون البحار.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن المجتمع الدولي أظهر «تصميماً واضحاً» على ضمان حرية العبور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، كما يكتسب المضيق أهمية خاصة لنقل مواد حيوية، مثل الأسمدة؛ ما يجعله عنصراً أساسياً في دعم سلاسل الغذاء، خصوصاً في أفريقيا.

وحدّد المشاركون 4 محاور رئيسية للتحرك المشترك: أولاً، زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة، لإيصال رسالة واضحة ومنسقة إلى إيران بضرورة السماح بالمرور الحرّ وغير المقيّد، ورفض فرض أي رسوم على السفن. ثانياً، بحث إجراءات اقتصادية وسياسية منسقة، بما فيها العقوبات، في حال استمرار إغلاق المضيق. ثالثاً، العمل مع المنظمة البحرية الدولية للإفراج عن آلاف السفن والبحّارة العالقين، وإعادة حركة الشحن. رابعاً، إقامة ترتيبات مشتركة لتعزيز الثقة في الأسواق والعمليات التشغيلية، عبر التنسيق مع شركات الشحن والهيئات المعنية لضمان تدفق المعلومات بشكل متماسك وفي الوقت المناسب.