فن المختارات.. ازدهر قديمًا ويكاد يموت حديثًا

الأرفه لي يعود إلى القرنين الرابع والخامس الهجريين بالإنجليزية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

فن المختارات.. ازدهر قديمًا ويكاد يموت حديثًا

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يقف القارئ أمام المكتبة العربية التراثية وكأنه أمام بحر من المختارات الأدبية. لماذا ازدهرت مثل هذه الكتب في الحضارة العربية الإسلامية بشكل لا مثيل له في غيرها من الحضارات، حتى يخيل للمرء أن العرب والمسلمين لم يكتبوا الأدب أصالة بقدر ما اختاروا أمثالاً وأشعارًا وحكمًا وأقوالاً يضمنونها كتبهم؟ كيف يمكن لكتاب لا يحتوي على أي عبارة جديدة أن يكون أصيلاً ومبتكرًا وأن يخدم أغراضا أدبية وآيديولوجية وسياسية؟ كيف عمل العلماء العرب والمسلمون على كتبهم هذه؟ كيف جمعوا أقوالاً وغربلوها ورتبوها وعلّقوا عليها؟
هذه الأسئلة الصعبة هي موضوع كتاب جديد للباحث اللبناني بلال الأرفه لي، صدر بالإنجليزية عن دار نشر «بريل» المرموقة بعنوان The Anthologist’s Art. والكتاب دراسة معمقة عن صاحب التأليفات الكثيرة في الأدب العربي، أبي منصور الثعالبي، المتوفى سنة 429 هـ، مع التركيز على كتابيه المشهورين «يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر» و«تتمّة اليتيمة». يسبق ذلك دراسة مطولة عن فن الاختيار في الأدب العربي عامة، من المعلّقات حتى سقوط بغداد في يد المغول، هذا الفن الذي يكاد يختفي للأسف في عصرنا الحالي.
يشكّل الكتاب، إذن، نافذة على فضاء أديب إسلامي متميز، عاش في القرن الرابع وأوائل القرن الخامس للهجرة، في نيسابور الخراسانية، وتنقّل في أرجاء العالم الإسلامي، لكنه رفض أن يكتب بغير العربية، فجاءت كتبه احتفالاً بالثقافة والأدب العربيين في بلاد ما وراء النهرين.
ينفذ الكتاب إلى مشغل الثعالبي الأدبي، ويوثق وعيه المنهجي في الاختيار والتأليف عبر تتبع مقدّمات الثعالبي وأسانيده وإحالاته في كتبه كافة، ليشرح لنا كيف جمع هذا الرجل المعلومات ودوّنها ووثّقها وحفظها وغربلها وساءلها ورتّبها أثناء تأليفه لكتابه الضخم «اليتيمة». والكتاب يشكّل بانوراما عن الأدب العربي في القرنين الرابع والخامس الهجريين، من أقصى خراسان شرقًا حتى الأندلس والمغرب العربي غربًا، ويعكس تنوّعات الفترة الطبقية والثقافية والفنية والاجتماعية. ففي ثناياه يأخذنا الأرفه لي في جولة إلى قصور الصاحب بن عبّاد وابن العميد والمهلبي وسيف الدولة وعضد الدولة، ويشرح لنا كيفية تباري الشعراء والكتّاب في دخول هذه القصور وطريقة عيشهم فيها، وعلاقتهم بالوزراء والأمراء، صداقاتهم وعداواتهم، إنجازاتهم وإبداعاتهم، إخفاقاتهم وسرقاتهم، وكيفية تنقّلهم بين القصور وأسباب ذلك. وفي الوقت نفسه يجول في أسواق خراسان وبغداد والري، ويناقش أدب عشرات الشعراء المغمورين ممن أهملتهم كتب الأدب. يسهب الأرفه لي في الحديث عن التكتّلات الأدبية في تلك الفترة، وعن طريقة تعلّم الأدباء مهنهم الأخرى إلى جانب الأدب، ويضيء على السياقات التاريخية والثقافية والأدبية والجغرافية للأدب في تلك الفترة.
يخصص الأرفه لي فصلاً خاصًا عن الثعالبي، حياته وإرثه الأدبي الضخم، وكيف أثّر في كتب الاختيارات الأدبية، حتى بدايات العصر الحديث. فيجد الباحث نفسه أمام مئات المخطوطات والكتب المنسوبة للثعالبي في المكتبات العالمية، فيقف حائرًا أمام ما كتب هذا الرجل وما نُسب إليه زورًا أو خطأً. ومن هنا، يعكف الباحث على مراجعة معظم ما نُسب للثعالبي من كتب فيمحّص ويوثّق ويبوّب، ويكتشف أثناء ذلك عددًا مهمًا من الكتب التي عُدّت في باب المفقود أو التي لم تكن معروفة مقدّمًا، خدمة كبيرة للباحثين والمهتمّين بالأدب العربي. وقد خصّص الأرفه لي أيضًا فصلاً هامًا عن مصادر الثعالبي المسموعة والمكتوبة، فيثبت عودة في القرن الرابع الهجري للشفاهة عوضًا عن الكتابة التي شاعت في القرن الثالث الهجري. يعود ذلك إلى أن الثعالبي كان مهتمًا بأدباء عصره الذين لم يتركوا إرثًا مكتوبًا أو الذين لم يكن أدبهم قد جمع بعد. ومن خلال تتبع مصادر الثعالبي يكشف الأرفه لي عن كوكبة من الرجال الذين شكّلوا شبكة أدبية لنقل الأدب بين أرجاء العالم الإسلامي في تلك الفترة.
أمّا الفصل الأهمّ في الكتاب برأيي، فهو الفصل الأول الذي خصّصه الأرفه لي لمناقشة فن الاختيار في الأدب العربي، ودوافع العلماء في لجوئهم لمثل هذا النوع من الكتابة. يناقش الأرفه لي أيضًا مصطلحات «المجموع»، و«الاختيار»، و«الديوان»، و«الحماسة». ويرى أن عملية اختيار النصوص الأدبية وجمعها كانت أمرًا شائعًا بين الأدباء، بل كانت نشاطًا رئيسيًا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمفهوم «الأدب». والأدب هنا بحسب الأرفه لي يشكّل نوعًا خاصًا من أنواع التربية، فهو منهاج أخلاقي وفكري موجّه إلى طبقة اجتماعية حضرية ويعكسُ حاجاتها وتطلّعاتها. وهنا نرى أن مضمون الأدب لا يعتمد على ميزته الجمالية فحسب، بل يتعدّاه إلى دور النص الأدبي في الخطاب الاجتماعي. ويشير إلى أن المختارات قد تبدو لبعض الناظرين فيها أعمالاً مكرورة تنقصها الأصالة والابتكار. ولكن أصالة عمل أدبي معين تكمن في اختيار النصوص المستنسخة وترتيبها، مما ينم عن اهتمامات المؤلف الشخصية أو غرضه من التأليف. وبالتالي، فإن السياق الذي تُذكر فيه العبارة أو الخبر الأدبي يعزِّز المعنى و- أو يغير وظيفته. والمادة المتضمنة في كتب الاختيارات، وإن لم تكن من تأليف المصنف، فإن مفادها الأول تثبيت رؤية معينة خاصّة به.
الكتاب الذي بين أيدينا دراسة جادة ومتأنية وعميقة، ستترك ولا شك أثرًا كبيرًا في الدراسات العربية، فهي تطرح وتعالج عددًا كبيرًا من الأسئلة الأدبية والثقافية، وتفتح الباب أمام عدد جديد من الأسئلة المتعلّقة بالأنواع الأدبية العربية القديمة، وطرق التأليف العربية، وعلاقة الأدباء بالقصور، ورحلاتهم الأدبية والمهنية، وتذوّق الأمراء والوزراء والنقّاد والأدباء للأدب في القرنين الرابع والخامس الهجريين.



انتخاب أول امرأة لرئاسة مؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» للأعمال السينمائية

الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

انتخاب أول امرأة لرئاسة مؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» للأعمال السينمائية

الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أصبحت الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير Isabelle Huppert، الخميس، أول امرأة تُنتخب رئيسة لمؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» (مكتبة السينما الفرنسية) المعنية بالأعمال السينمائية، وفق ما أعلنت المؤسسة، في بيان.

وتخلف أوبير (73 عاماً) المُخرج الفرنسي اليوناني كوستا غافراس (93 عاماً) الذي شغل منصب رئيس «سينيماتيك فرنسيز» منذ عام 2007. وقد انتخبها مجلس الإدارة لولاية مدتها ثلاث سنوات حتى سنة 2029، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُعدّ أوبير من أكثر الممثلات الفرنسيات غزارة في الإنتاج، وقد حصدت عدداً كبيراً من الجوائز في فرنسا وخارجها.

وتتمثل مهمتها الجديدة في صون إرث السينما، سواء سينما المؤلف أم السينما التجارية، داخل هذه المؤسسة التي تأسست عام 1936 وتتخذ من حي بيرسي في باريس مقراً لها.

وتحتفظ «سينيماتيك فرنسيز» بـ50 ألف فيلم من التراث السينمائي، ونحو مليون وثيقة مرتبطة بالسينما، بالإضافة إلى آلاف الأجهزة.

تنظّم المؤسسة التي يُغطّى ثلاثة أرباع تمويلها دعم حكومي، عروضاً استعادية لأفلام مخصصة لممثلين أو مُخرجين، ومَعارض على غرار معرض مارلين مونرو الأخير.


الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء
TT

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري في إخصاب الأرض ورفدها بأسباب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفي جعل الكوكب الأرضي مكاناً صالحاً للعيش، وفي رسم خرائط الهجرات التي رسمت من خلالها حدود الدول.

وإذا كانت الأنهار، وفق ما أظهره التاريخ وأكدته الأدلة المحسوسة، قد هيأت الظروف الملائمة لنشوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعاً لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شرق العالم وغربه، وأن تكون منجماً للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نوع. ولأن حضور الماء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المياه وأحواضها، أحد أكثر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر.

وكما أن على الثلج أن يخسر هويته ومادته الصلبة، ليرفد بالماء اللازم مجاري الأنهار، فإن ما يحدث للأنهار هو الشيء نفسه، ولو بصورة أخرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بعناق البحر والاتحاد فيه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها من الاستعارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المتراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية التلقائية، ولا بسبب غضب شتائها الطوفاني، أو نعاس صيفها المقمر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على الملاءمة بين حاجة الجماعة إلى تاريخ مشترك، وحاجة الأفراد إلى تأهيل ذاكرتهم بالأسرار.

ولهذه الأسباب وغيرها، تمكنت الأنهار بمختلف أحجامها، من رفد الأذهان ورفوف المكتبات، بأعمال وسرديات شديدة الفرادة، من بينها «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«قلب الظلام» لكونراد، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك.

وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الطول والغزارة والاتساع أمام أنهار العالم الكبرى، فإنه بالقياس إلى البلد الصغير الذي يشقه مجراه من الوريد إلى الوريد، يلعب الدور نفسه الذي يلعبه أترابه في حياة الشعوب والجماعات. إضافةً إلى أنه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلاً للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث تمكنت دولة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلاً إلى ما وراء النهر.

أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خروجه من نبع العلَّيق غربي بعلبك، حتى مصبه في المتوسط، إلى الشمال من صور، من أن يجتذب إلى مجراه كثيراً من الروافد، بدءاً من البردوني وعمّيق والخريزات، وصولاً إلى ينابيع عين الزرقا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغيرها. كما أن إسهامه في حياة الفلاحين الساكنين إلى جواره، تراوح بين ري الأراضي العطشى، وتوليد الكهرباء، وبين إتراع قصص الحب بما يلزمها من الظلال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض القرى، كما هو حال «علي النهري»، و«دير قانون النهر»، اتخذ من بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المصب أطلق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية».

ومع أن الليطاني قد ارتبط في أذهان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلى أن الشطر الأخير من النهر، حيث تكاد الحدود اللبنانية والفلسطينية تتلامسان تماماً في غير موضع، كان ولا يزال الجزء الأكثر عرضة للأطماع من سواه. فهو الذي اشتعلت من حوله الحروب، وسُميت باسمه «عملية الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة.

أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والتقارب الحميم بين ضفتيه، في جعله مقصداً شبه دائم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شح المواسم وانقلاب الأحوال، ويُلقون إليه بأجسادهم التعبى، وأرواحهم الظامئة إلى السكينة.

وإذا كان من البديهي، أن يشكل الليطاني، بمياهه الرقراقة وأشجاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحد ينابيع الإلهام الأكثر ثراءً لشعراء جبل عامل وكتابه، فإن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، هو ألا يحظى النهر بالاهتمام نفسه، الذي لقيته أنهار العالم المماثلة، رغم كل ما يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والدنيوية، وبعضه الآخر بالفلكلور والأهازيج والأغاني.

ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المجال، فإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المحسن الصوري، ابن مدينة صور، تحت عنوان «لا يوم كيومنا بشاطئ ليطا»، وهو اسم النهر آنذاك. وفي تلك الأبيات، ذات النظم المتكلف والتقفية المتعسفة، التي اضطره اسم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري:

والطلُّ ينشر كلّ وقتٍ لؤلؤاً فيها سقيطا

وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا

فإذا رأيت الدرّ أبصرت العقيق به منوطا

حالٌ تردُّ إلى التصابي كلَّ كسلانٍ نشيطا

وقد اختلف الوضع قليلاً بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث إن تحلُّق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل التبلور الصعب للكيانات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والباحثة عن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكاناً لانعقاد المؤتمر الشهير الذي تنادى إليه العامليون للإعلان عن مبايعة فيصل الأول عام 1920 ملكاً على بلاد الشام، تجسيداً واضحاً لرمزية المكان وخصوصيته ودلالاته، فقد تحول الوادي المذكور وللأسباب نفسها، إلى ملتقى أثير للشعراء وتابعيهم، والى موئل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر.

وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغيرها، في قصائد العامليين ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والحنين وقصائد الوصف، غير واحد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزتْ ثرَّةُ السحابِ الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها:

وادي الحجيْر سقاكَ وكَّافُ الحيا

كم فيك للأبصار من مستمتَعِ

جُمعتْ من الأشجار فيك بواسقٌ أمثالها

بسواكَ لم تتجمّع

ولقد تقاسمنا الغضا وغصونهُ

في راحتيك وناره في أضلعي

وادٍ حكتْ أزهارهُ ورياضهُ وجهاً

من الحسناء غير مقنَّعِ

على أن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، لا ينحصر فقط بما تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلى مستنقع للسموم، بل بكون هذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صلابة، للغة شعراء الجنوب وكتابه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعمال شعرية وروائية. وإذ تحتاج مقاربة هذه الإشكالية إلى غير هذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيراً هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدراً دائم التجدد للإلهام والأمل، وإرادة البقاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جدولاً صغيراً كنهر بويب، المحاط بغابات النخيل الوارفة في جنوب العراق، إلى مقام الأسطورة، فحريٌّ بأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه.


قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
TT

قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المتعاقبة في هذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المدنية. يعود الجزء الأكبر من هذه اللقى في الأصل إلى حلل زينية معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، وتُعتبر أهمّ شواهده تلك التي خرجت من قصر المَشتى في الأردن، وقصر الحير الغربي في سوريا، وقصر هشام في فلسطين. تتكوّن هذه النقوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية المتعدّدة، منها النباتي، ومنها الحيواني، ومنها الآدمي. تحضر هذه العناصر المختلفة في قطعة كبيرة مستديرة الشكل، قيل إنها كانت تزيّن قبة ديوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الرفيع، وتختزل جمالية خاصة طبعت الفن الإسلامي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه.

تجمع حلل قصر هشام بين عناصر متعدّدة تعود إلى فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، وتعكس قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا تبدو هذه الحلل متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأموي. إلى جانب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كالتيجان والأفاريز والفتحات المعروفة بالنوافذ، اعتمدت هذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة متنوعة من الأشكال الحيوانية، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانب والخيول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هذه العناصر الحية في شبكات زخرفية غلب عليها طابع التحوير والموازاة والتجانس المحكم، وحوى بعض منها عناصر آدمية متعدّدة الأشكال، بدت مدمجة بشكل كامل في التصاميم النباتية والسلاسل الزخرفية الهندسية. تجلّى هذا الانصهار بشكل لافت في قطعة دائرية من الحجم الكبير، رأى أهل الاختصاص أنها كانت تزيّن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الديوان الخاص بقصر هشام، وهذه القاعة مربّعة، وطول ضلعها نحو 4 أمتار.

وصلت هذه القطعة المستديرة مهشّمة، وتم جمع مكوّناتها المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم متأنية. تحضر في الوسط زهرة محوّرة هندسياً تحيط بها ستة وجوه آدمية صيغت في وضعية المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نواة هذه القبة المتقنة، ويبلغ طول قطره نحو 1.5 متر. تلتف الوجوه الستة في حلقة دائرية يحيط بها شريط تزيّنه أغصان مورقة. ويلتفّ من حول هذا الشريط شريط أكبر حجماً تزيّنه أغصان مورقة مغايرة في الشكل. حافظت الكتلة الوردية التي تحتل وسط الصورة على مكوّناتها بشكل شبه كامل، ونقع على صورة توثيقية لها في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة أوكسفورد في سنة 1959، وحمل عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بتلات، تحيط بها سلسلة بتلات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تحيط بهذه السلسلة ست أوراق نباتية عريضة من فصيلة الأقنثا، وهذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصراً من عناصر الفنين اليوناني والروماني المتوارثين عبر العصور والقارات. على صعيد الأسلوب المتبع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الطابع الهندسي التجريدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي.

تنعقد حول هذه الأوراق سلسلة من ستة وجوه، تتشابه حتى التماثل. تبدو هذه الوجوه النضرة أنثوية في المقام الأوّل، غير أن التفحّص فيها يظهر أن اثنين منها ملتحيان، ممّا يعني أنها تجمع بين وجوه من الجنسين. التكوين واحد، ويتمثل بوجه بيضاوي ممتلئ، بدت ملامحه المجسّمة واضحة وجليّة. العينان لوزيتان ضخمتان، يتوسّط كلّ منهما بؤبؤ على شكل ثقب دائري غائر، والحاجبان عريضان ومقوّسان ومنفصلان. الأنف ناتئ ومستقيم، ومنخراه ظاهران. الثغر منمنم، وتعلوه ابتسامة خفرة. العنق عريضة ومكتنزة، وتشكّل قاعدة للرأس المنتصب من فوقها.

يعلو كل رأس قوس تزينه سلسلة من الفصوص البيضاوية، وتشكل هذه الأقواس شريطاً يحدّه شريطان نحيلان يخلوان من أي زخرفة. يلتف فوق هذا الشريط غصن مورق تُظهر أوراقه أنه من فصيلة الكرمة. تنصهر هذه الكرمة داخل شريط يتألف من سلسلة مشابهة من الأقواس المتجانسة، في قالب يحافظ كذلك على طابعه الواقعي الكلاسيكي، كما تشهد أوراق الدالية المصوغة بأسلوب واقعي. يلتف حول هذه الدالية شريط يماثل الشريط الذي يحيط بالوجوه، ومن حول هذا الشريط، تلتف سلسلة من الأغصان اللولبية، تشكّل خانات دائرية تحوي كل منها نبتة محوّرة، تستعيد شكل الأقنثا بأسلوب زخرفي مبتكر. تأتلف هذه النبتة من ورقتين متعاكستين، تعلوهما ورقتان عموديتان، وبين هاتين الورقتين، ينساب كوز مثمر بدت حبوبه مرصوفة في كتلة متراصة. يكتمل هذا التكوين الزخرفي المتين مع شريط دائري يلتف من حوله، وتزيّن هذا الشريط كذلك فصوص بيضاوية، وفقاً للطراز المتبع.

تتميّز هذه الشبكة بدقّتها ورهافة صناعتها، كما تتميز بهذه السلسلة من الوجوه الفتية التي تحيط بالوردة التي تحتل وسط التأليف. تتبع هذه الوجوه أسلوباً محلياً شاع بشكل خاص في تدمر، وتحضر في شواهد أثرية أخرى خرجت من بين أطلال قصر هشام، منها لوح مستطيل حوى تسعة وجوه تطل من وسط سلسلة من الميداليات الدائرية المتشابكة. في هذه اللوحة، كما في العديد من اللقى الجزئية، تطلّ هذه الوجوه في وضعية المواجهة، وتفتح عيونها اللوزية الشاخصة، وكأنّها تتأمل في ما لا يُرى.