السياسة التوسعية للصين تغضب طوكيو وواشنطن.. واحتمال تعريضها لعزلة دولية

توتر عسكري ودبلوماسي في شرق آسيا بعد بناء جزر صناعية في مناطق متنازع عليها

تزايد النفود العسكري للصين وإجراءاتها الأحادية الجانب في بحري الصين الشرقي والجنوبي تجر عليها غضب المجتمع الدولي (غيتي)
تزايد النفود العسكري للصين وإجراءاتها الأحادية الجانب في بحري الصين الشرقي والجنوبي تجر عليها غضب المجتمع الدولي (غيتي)
TT

السياسة التوسعية للصين تغضب طوكيو وواشنطن.. واحتمال تعريضها لعزلة دولية

تزايد النفود العسكري للصين وإجراءاتها الأحادية الجانب في بحري الصين الشرقي والجنوبي تجر عليها غضب المجتمع الدولي (غيتي)
تزايد النفود العسكري للصين وإجراءاتها الأحادية الجانب في بحري الصين الشرقي والجنوبي تجر عليها غضب المجتمع الدولي (غيتي)

يكثر الحديث في طوكيو وواشنطن عن احتمالات مواجهة الصين لعزلة دولية بسبب سياستها التوسعية، وإجراءاتها الأحادية الجانب في بحري الصين الشرقي والجنوبي، وخصوصًا بناء الجزر الصناعية في مناطق متنازع عليها. ولكن بيجينغ تستمر في إرسال سفنها العسكرية إلى المياه الإقليمية اليابانية وجوارها، وإطلاق التصريحات المؤكدة سلامة سياساتها في عدد من الاجتماعات الإقليمية التي أقيمت مؤخرًا، مستفيدة من عوامل عدة تجعل عزلتها أمرًا مشكوكًا فيه إن لم يكن مستبعدًا تمامًا.
وبدأت الموجة الحالية من التصعيد مع حملة إعلامية شنتها الحكومة الصينية ضد قمة مجموعة السبع التي استضافتها اليابان في مايو (أيار) الماضي. وقد شككت وسائل إعلام صينية في جدوى اجتماع زعماء الاقتصاديات الأكبر في العالم دون مشاركة الاقتصاد الثاني حجمًا وهو الصين، واستبق المتحدث باسم الخارجية الصينية الإعلان الختامي للقمة بالتحذير من مغبة التدخل في شؤون بحر الصين الجنوبي، الذي لا يحاذي أيًا من دول المجموعة. كما اتهمت تصريحات أخرى اليابان بمحاولة الاستفادة من زيارة الرئيس الأميركي أوباما لضريح ضحايا القنبلة النووية في هيروشيما للظهور بمظهر الضحية، والتغطية على عدوان اليابان على جيرانها أثناء الحرب العالمية الثانية.
وتلى ذلك أسبوع ماراثوني من الاجتماعات الإقليمية التي شهدت استمرار المناوشات الكلامية بين الولايات المتحدة واليابان ودول جنوب شرقي آسيا من جهة والصين من جهة أخرى.
البداية كانت في العاصمة الماليزية التي استضافت المنتدى الاقتصادي لدول آسيان في اليومين الأولين من يونيو (حزيران) الحالي، وبعد أن تلقت بعض وسائل الإعلام بيانًا ختاميًا للمنتدى تضمن إشارة إلى تهديد التحركات الصينية للسلام في بحر الصين الجنوبي، تم سحب البيان وتعديله بإلغاء الإشارة المباشرة للصين، وتلى ذلك حوار شانغريلا الاستراتيجي في سنغافورة، الذي جمع وزراء الدفاع وأبرز المسؤولين الأمنيين في دول آسيا والمحيط الهادئ، حيث حذر وزير الدفاع الأميركي آش كارتر من إنشاء جدار صين عظيم جديد قد يعزل بيجينغ عن المجتمع الدولي، فيما أعلن وزير الدفاع الياباني جين ناكاتاني نية طوكيو رفع مستوى التعاون الأمني والعسكري مع دول آسيان لمواجهة ما وصفه بالسياسات الأحادية والخطيرة في المنطقة، وبعدها أتت الجلسة السنوية للحوار الاستراتيجي والاقتصادي الأميركي الصيني في بيجينغ، حيث استمر الطرفان في إبداء خلافاتهما بلغة دبلوماسية تناسب الطبيعة الثنائية للاجتماع.
في الليلة التالية لاختتام الحوار الصيني - الأميركي في بيجينغ، قامت ثلاث سفن حربية روسية بعبور المنطقة المحاذية لجزر سينكاكو الخاضعة للسيطرة اليابانية، التي تطالب بها الصين تحت اسم جزر دايو، وبعد ذلك بساعات قليلة قامت فرقاطة عسكرية صينية بعبور المنطقة ذاتها، فيما اعتبر سابقة تصعيدية، حيث قامت الصين في السابق بعبور المنطقة المحاذية للجزر ودخلت مياهها الإقليمية بشكل متكرر، ولكن عن طريق سفن خفر السواحل وليس بفرقاطات من سلاحها البحري. وفي حين وجهت الحكومة اليابانية احتجاجًا شديد اللهجة للصين، اكتفت بطلب تفسير من موسكو على اعتبار أن روسيا ليست طرفًا في النزاع على الجزر. إلا أن مراقبين رأوا في تزامن عبور السفن الحربية الروسية والصينية رسالة سياسية؛ فروسيا هي الأخرى دولة مغيّبة عن قمة مجموعة السبع منذ قيامها بضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، وهي تشارك الصين شعورها السلبي إزاء عدد من الاجتماعات الإقليمية التي تعتبرها أندية تدور في فلك الولايات المتحدة الأميركية. ومن ناحية أخرى، ترى بيجينغ وموسكو في قمم مجموعة العشرين منبرًا مناسبًا للحوار بين أهم القوى السياسية والاقتصادية الفاعلة عالميًا بما يشمل القوى التقليدية ودول البريكس وبعض دول العالم الثالث، في حين تولي الصين أهمية كبيرة لقمة العشرين التي ستستضيفها في مدينة هانغجو في سبتمبر (أيلول) المقبل لتكريس موقعها لاعبا أساسيا على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
في غضون ذلك، من المتوقع استمرار جميع الأطراف بإرسال رسائل سياسية عن طريق تحركات عسكرية متقابلة. وإلى جانب الأخبار الواردة عن قيام سفينة تجسس الصينية بدخول المياه الإقليمية اليابانية في الخامس عشر من يونيو الحالي، قد يكون من المجدي الالتفات إلى علاقة ذلك بتصاعد النشاط العسكري الياباني في منطقة بحر الصين الجنوبي. فتحرك السفينة الصينية جاء خلال مناورات مالابار البحرية التي كانت في السابق مناورات ثنائية أميركية - هندية في بحر الفلبين قبل انضمام طوكيو إليها منذ العام الماضي. كما قامت البحرية اليابانية بزيادة عدد الزيارات إلى القواعد العسكرية الفلبينية مؤخرًا، بينما تترقب دول المنطقة إعلان نتائج التحكيم الذي تقوم به المحكمة الدولية للتحكيم في الهاغ بطلب من الفلبين حول شرعية الإجراءات الصينية في مناطق متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي.
من ناحية أخرى، لا يخلو المشهد من عوامل إيجابية يمكن البناء عليها لإعادة الهدوء إلى الساحة الدبلوماسية الآسيوية، ومنها إحجام كل من قمة مجموعة السبع والمنتدى الاقتصادي العالمي لآسيان عن ذكر الصين بالاسم في البيانات الختامية، والروابط الاقتصادية الضخمة التي تربط جميع دول المنطقة مع بيجينغ. كما يتوجه الرئيس الفلبيني المنتخب رودريغو دوتيرتي، الذي سيستلم مهامه في نهاية الشهر الحالي نحو خفض التوتر مع الصين، مع احتمال فتح مفاوضات ثنائية مباشرة لبحث نقاط الخلاف بين البلدين. وبقدر ما تتيح الاجتماعات الإقليمية فرصة للنقد المتبادل، فهي في الآن ذاته تقدم منابر متجددة للحوار بين الأطراف المعنية وإبقاء الخلافات بينها تحت السيطرة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...