ليبيا.. انقلاب طاولة التوقعات

بين اتساع خطر الحرب الأهلية وفرص المصالحة

ليبيا.. انقلاب طاولة التوقعات
TT

ليبيا.. انقلاب طاولة التوقعات

ليبيا.. انقلاب طاولة التوقعات

تكتل القوى المسلحة الذي أخذ زمام المبادرة لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف في ليبيا، وتحديدا، في معقله بمدينة سرت - في شمال وسط ليبيا - قلب طاولة التوقعات من جديد في هذا البلد الذي يعاني الفوضى والتحالفات سريعة التغير. واليوم يمكن أن تقرأ مستقبل ليبيا القريب بين عدة خيارات أصبحت أكثر وضوحا عن السابق، منها خطر اتساع نطاق الحرب الأهلية، ومنها القيام بأمر سيئ آخر يكرهه الليبيون ألا وهو تقسيم البلاد إلى دولتين على الأقل، بينما يظل خيار المصالحة باقيا «طوق نجاة» يمكن اللجوء إليه في حال رجح خيار تحكيم صوت العقل.
تتداول التقارير في هذه الآونة أخبار التكتل المسلح الذي قلب طاولة التوقعات في ليبيا، خلال الفترة الأخيرة من الصراع المحتدم فيها، وهو عبارة عن مجموعة الميليشيات المحسوبة على مدينة مصراتة، الواقعة إلى الشرق من العاصمة الليبية طرابلس، وبضع بلدات في شمال غربي ليبيا.
يخوض هؤلاء المقاتلون حربا تحت راية «المجلس الرئاسي» لـ«حكومة التوافق الوطني» بقيادة فايز السراج، رغم عدم اكتمال الإجراءات الدستورية والقانونية لعمل هذه الحكومة المقترحة. وتحمل العملية ضد «داعش سرت» اسم «البنيان المرصوص». وبالفعل، تمكن الشبان المتحمسون والضباط الطموحون من شق سحب الغبار وطرد الدواعش من على طول الطريق الواصل بين مدينتي مصراتة وسرت.
الآن يدور القتال داخل معقل التنظيم الإرهابي المتطرف في سرت، المدينة الواقعة على ساحل البحر المتوسط على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من مصراتة، وأكثر قليلا من 400 كيلومتر عن طرابلس. أما السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح فهو: ماذا سيحدث بعد أن تنتهي عملية «البنيان المرصوص» من مهمتها؟ أي بعد أن تقهر الدواعش في عقر دارهم، وتقضي على وجودهم الذي بدأ في سرت مع مطلع عام 2015.

السؤال.. ماذا بعد؟
يمكن أن يكون أخطر سؤال يطرحه أي مقاتل على نفسه هو: ماذا سنفعل بعد أن ننتصر؟ والأخطر منه ألا تكون هناك إجابة.
إن معظم القوات - إضافة إلى بعض القيادات - المنضوية تحت عملية «البنيان المرصوص»، كانت تخوض في صيف عام 2014 حربا محمومة ضد ميليشيات منافسة لها في مطار طرابلس الدولي ومحيطه. وارتبطت تلك الحرب بالصراع على النفوذ وعلى السلطة. لكن، بعد الانتصار في تلك الحرب، وحرق المطار وتدمير ما فيه من مدارج وطائرات، لم تكن هناك إجابة عما ينبغي عمله في اليوم التالي.
ومع ذلك تسببت نشوة النصر في معركة المطار في مزيد من الجرأة لميليشيات «فجر ليبيا»، التي سرعان ما دخلت في حروب عبثية في مناطق داخل طرابلس وما حولها وفي جنوب البلاد أيضا، بالإضافة إلى محاولات قامت بها للاستحواذ على منطقة الهلال الغنية بالنفط في شرق البلاد. وهذا الماضي القريب أصبح اليوم يلقي بظلاله على احتمالات ما بعد هزيمة الدواعش المنظورة في سرت.
ولأن معظم القادة وغالبية الكوادر القتالية الوسطى كانت من المحسوبين على مدينة مصراتة، فإن الخطاب غير المنضبط لبعض الزعماء أظهر في ذلك الوقت مخاوف من المسحة الجهوية - أي الإقليمية - للقوات المصراتية المقاتلة التي كانت تعمل ضمن فريق يتكون من قادة ميليشيات تابعين لكل من جماعة الإخوان المسلمين و«الجماعة الليبية المقاتلة» وغيرهما.

التكتلات العسكرية
من جهة أخرى، فإن القوات القادرة على القتال في عموم ليبيا مقسمة على الأرض بين عدة تكتلات، والتكتل الذي ينطلق عادة من مصراتة ومن طرابلس، يتكون من ميليشيات يقودها في الأغلب متشددون إسلاميون وجهويون متعصبون، وهي عبارة عن خليط من المدنيين «الثوار» وعدد أقل من العسكريين المحترفين. ولقد تمكنت ميليشيات هذا التكتل منذ انطلاق الانتفاضة المسلحة ضد معمر القذافي في 2011 من الاحتفاظ لنفسها بكميات ضخمة مما كانت تحتويه مخازن الجيش الليبي، بجانب مطارات عسكرية وطائرات ودبابات وآليات وصواريخ وغيرها.
واليوم يبدو أن هذا التكتل يحظى بنوع من «التدليل» أو الحظوة من جانب البعض في الأمم المتحدة والبعض من الدول الغربية، وبخاصة بعدما انحازت عدة ميليشيات فيه إلى «المجلس الرئاسي» وفتحت له الطريق للعمل من داخل العاصمة طرابلس. وجرى تناول انطلاق التكتل نفسه ضد «داعش» في سرت بكلمات الإطراء من زعماء دوليين، على الرغم من الخسائر الضخمة التي مُني بها؛ إذ يقدر أن يكون عدد القتلى قد وصل إلى نحو 150 وعدد الجرحى إلى نحو 500.
«الجيش الوطني» كل هذا يدور في غرب ليبيا ووسطها، فماذا عن الشرق الذي توجد فيه غرفة العمليات الرئيسية لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة الفريق أول خليفة حفتر؟
يعمل «الجيش الوطني» على محاربة الإرهاب منذ عام 2014، وعزز من شرعيته التفويض الذي منحه له البرلمان الليبي المنتخب الذي يعقد جلساته في مدينة طبرق، بالشرق أيضا. لكن، منذ بدأت الأمم المتحدة رعاية حوار وطني قبل نحو سنتين، وما تبعها من مفاوضات انتهت بـ«اتفاق الصخيرات» (في المغرب) بين عدة أطراف ليبية و«المجلس الرئاسي» برئاسة السراج، أصبحت هناك شكوك في القدرة على حسم قضية «التكتلات العسكرية» و«شبه العسكرية».
«الجيش الوطني» بدأ الحرب على الإرهاب في مدينة بنغازي، كبرى مدن الشرق، وفي مدينة درنة وكذلك في بعض بلدات الجنوب قبل أكثر من عشرين شهرا، وحقق انتصارات لافتة على الرغم من أن جيش ليبيا (الموالي للقذافي) تعرض لضربات موجعة وقاصمة للظهر من طائرات حلف شمال الأطلسي «ناتو» طوال ثمانية أشهر من عام 2011.

مرحلة ما بعد القذافي
وبعدما قتل القذافي بدأ الحكام الجُدد عملية ترتيب الأوضاع للمستقبل، لكن الهيمنة كانت واضحة لقيادات التيار المتشدد الذي تدرب زعماؤه الليبيون على القتال في جبال أفغانستان وباكستان والشيشان وغيرها من جبهات الاشتباكات التي كان يغلب عليها طابع حروب العصابات والأصوليات. وكان يمكن ملاحظة قلة الرغبة في إعادة بناء الجيش والشرطة في هذا البلد، مع حالة ارتياح لاستمرار عمل «كتائب الثوار» التي هي عبارة عن ميليشيات مسلحة.
وكما هو معروف، ظهر في أول برلمان وفي أول سلطة تنفيذية وأمنية له، في مرحلة بعد القذافي، شخصيات لها علاقة بتنظيم «القاعدة»، وأخرى موالية لجماعة الإخوان، وثالثة تدعم جماعات متطرفة متباينة. وبدا أن هذا يتعارض مع المزاج الليبي المسالم والراغب في تحقيق أهداف الثورة من ديمقراطية وحرية وعدالة اجتماعية. ولهذا أسقط الليبيون في الانتخابات البرلمانية التي أجريت عام 2014 الحكام المرتبطين بتلك التنظيمات، لكن الميليشيات وعددا من الطامحين الجهويين، تحصنوا في طرابلس وطردوا معارضيهم منها، وحرقوا المطار الدولي، كما شنوا أكبر عملية اغتيالات ضد ضباط الجيش والعسكريين النظاميين في القوات المسلحة والشرطة. وبالتالي، اضطر البرلمان الجديد إلى عقد جلساته في شرق ليبيا انتظارا لحسم الموقف.
في الشرق واجه «الجيش الوطني» الميليشيات التي كانت تهيمن على بنغازي وعلى مطار بنينة الدولي الواقع في ضواحيها، وكذلك على درنة، رغم الدعم الكبير الذي كانت تحصل عليه تلك الميليشيات من زعماء يعملون في الظلام في كل من مصراتة وطرابلس.
ومع أن الحوار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة انطلق فإن «الجيش الوطني» نأى بنفسه عن هذا المسار، معتبرا أن مهمته «محددة»، وهي القضاء على الإرهابيين وعلى المسلحين الذين يرفضون الرضوخ لسلطة الدولة الشرعية ممثلة في البرلمان والحكومة المنبثقة عنه. وعلى هذه الخلفية برز تنظيم «أنصار الشريعة» المتطرف (المصنف دوليا كمنظمة إرهابية)، وبرزت معه مجاميع يطلق عليها «مجالس الثوار» تحظى بدعم من القيادات المتحصنة في العاصمة، ومن بينها أطراف كانت على علاقة بالحوار السياسي الذي يحظى برعاية أممية.
وفي خطوة تسببت في تعقيد الموقف أكثر مما كان عليه، أعلن زعماء «أنصار الشريعة» في بنغازي ودرنة مبايعة تنظيم داعش، مع استمرار بعض قادتهم في الوقت نفسه في التعاون مع مجالس الثوار، باعتبار أن الخصم واحد وهو الجيش، وذلك رغم وجود خلافات داخلية والاقتتال بين المسلحين المتطرفين في درنة وغيرها. ومع هذا لم تنقطع خطوط الإمداد بالسلاح والمقاتلين لدعم عمليات هذا الخليط من المتشددين ضد القوات المسلحة، وكذلك ضد البرلمان. وفي قفزة جديدة أدت إلى مزيد من الارتباك في التعاطي مع القضية، بدأ المتطرفون الليبيون جلب المقاتلين الأجانب من مختلف التوجهات.. إخوان.. تنظيم «القاعدة».. «داعش»، بالإضافة إلى مرتزقة يقاتلون بأجر. وبسرعة وجد «داعش» نفسه قادرا على الإعلان عن إمارة خاصة في سرت.

انتصارات وارتباكات
كان «الجيش الوطني الليبي» يقول حتى أسابيع قليلة مضت، إنه سيتوجه للقضاء على التنظيم الدموي في سرت، بمجرد انتهائه من سحق المتطرفين في بنغازي وأيضا في درنة. وبالفعل حقق في شهر مارس (آذار) الماضي انتصارات لافتة في مواقع صعبة. وأدى هذا إلى ارتباك في أوساط القادة في كل من طرابلس ومصراتة، على أساس أنه إذا تمكن «الجيش» من دخول سرت فإنه سيمضي في طريقه إليهم في طرابلس. هكذا كان يفكر بعض القادة في اجتماعات عقدت على عجل في العاصمة وفي بلدات قريبة منها. ومن ثم، بدأت خطة لطمس رايات حفتر التي بدأت تلوح في الأفق، ولا سيما أن لـ«الجيش الوطني» قواعد على مشارف طرابلس نفسها.
وفي هذه الأثناء كانت هناك اتصالات بين كل من المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر، ورئيس «المجلس الرئاسي» فايز السراج مع حفتر، في محاولة على ما يبدو لترويضه بحيث يعمل تحت سلطة السراج، وأن يجلس جنبا إلى جنب مع قادة ميليشيات تتولى حماية «المجلس الرئاسي». وبدأ هذا الموقف هزليا؛ إذ قال أحد العسكريين المقربين من حفتر: «كيف نجلس مع زعماء ميليشيات لا يعترفون بالجيش، بل يحاربونه؟!». واستاء قادة آخرون من رغبة بعض الأطراف الدولية في المساواة بين «جيش نظامي، وميليشيات تعمل خارج السلطة الشرعية ومتورطة في أعمال قتل وتخريب».
وهكذا، عقد قادة «الجيش الوطني» العزم على دخول سرت. وبدأت عدة وحدات عسكرية في التحرك لمحاصرة المدينة، قبل أن تظهر تداعيات سريعة أوقفت كل شيء؛ إذ قفز السراج إلى الأمام قفزة مفاجئة، وأعلن أنه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، بينما المعروف أن هذا المنصب يشغله رئيس البرلمان المستشار عقيلة صالح، وزاد السراج على ذلك، فأعلن أيضًا تشكيل «غرف عسكرية» لمحاربة «داعش» في سرت، وخرج اسم عملية «البنيان المرصوص» إلى النور انطلاقا من سرت.
وبدأ القتال الذي تحول سريعا إلى محرقة سقط فيها شبان ومدنيون متحمسون للقتال، لكنهم غير مدربين على مواجهة تنظيم دموي مثل «داعش». فعلى سبيل المثال قام «داعش» بعملية التفافية من خلف خطوط «البنيان المرصوص»، يوم أول من أمس، ونفذ ثلاثة تفجيرات في بوابة تفتيش بوقرين، التي تقع بين مصراتة وسرت، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن عشرة أشخاص.
ومن جانبه، وأمام هذا الواقع الجديد أرجأ «الجيش الوطني» تنفيذ خطته في سرت، وركز عملياته على تطهير بنغازي ودرنة من بقايا المتطرفين. وبغض النظر عن الخسائر في الأرواح يمكن للميليشيات التي تعمل اليوم تحت راية «المجلس الرئاسي» أن تنتصر في سرت، كما انتصرت وهي تحمل اسم «فجر ليبيا» في معركة مطار طرابلس، لكن إلى أين؟

إلى أين؟
هل ستتوقف الميليشيات عن القتال وتفتح صفحة جديدة من الحوار السياسي ينتج عنها توافق بين كل من البرلمان المنتخب و«الجيش الوطني» من جانب، والمجلس الرئاسي من الجانب الآخر؟ أم أن نشوة الانتصار في سرت يمكن أن تفتح شهية الميليشيات للتقدم أكثر ناحية المدن الشرقية للدخول في مواجهة مع «الجيش»، ما يمكن أن يتسبب في اتساع خطر الحرب الأهلية وانقسام البلاد إلى غرب وشرق؟
بالمناسبة، تشير بعض التسريبات إلى حصول الأطراف المتحاربة على كميات من الأسلحة المتطورة من السوق السوداء في الخارج. ومع أن المجتمع الدولي يفرض منذ 2011 حظرا على توريد السلاح إلى ليبيا، فإن مجلس الأمن الدولي أصدر قبل بضعة أيام قرارا جديدا يجيز للدول الأعضاء تنفيذ حظر التسليح بالقوة. ويبدو أن هذه الخطوة فسرتها أطراف في البرلمان الليبي على أنها «تصب في مصلحة الجماعات الإرهابية»، كما قال فتحي المريمي، المستشار الإعلامي لرئيس البرلمان، بينما قالت لجنة «الدفاع والأمن» في البرلمان نفسه إن القرار يهدف إلى توسيع صلاحيات المجلس الرئاسي وحكومته التي لم تحظ بثقة البرلمان بعد.
وعلى خلفية انعدام التوافق وأيضًا التربص بين الأفرقاء الليبيين، كانت هناك إجراءات من شأنها أن تعمِّق الخصومة أكثر، وتغير من أرض الواقع بطريقة دراماتيكية. فحتى اليوم المصرف المركزي الليبي منقسم على نفسه إلى ما يشبه المصرفين، أحدهما طبع حاجته من العملة الليبية في روسيا، والآخر قام بطباعتها في بريطانيا. ثم هناك الشركة الوطنية للنفط التي يبدو أنها تعاني آثار الانقسامات، فبعض الدول تحبذ التعامل مع الفرع الموجود تحت هيمنة السلطات الشرعية في الشرق والبعض الآخر يتعامل مع الفرع الموجود في الغرب. وينطبق الأمر على خلافات في مسألة تعيين السفراء والمبعوثين، فثمة دول ما زالت تتعامل مع سلطات البرلمان المنتخب والحكومة المنبثقة عنه، أي حكومة عبد الله الثني في الشرق، وبعض الدول أصبحت تتعامل مع «المجلس الرئاسي» للسراج في الغرب.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.