منفذ {مجزرة اورلاندو} كان على صلة بـ«القاعدة».. و«حزب الله» قبل مبايعة «داعش»

«إف بي آي» ينظر في تجاوز المحققين مؤشرات عن تطرف الشاب الأميركي

منفذ {مجزرة اورلاندو} كان على صلة بـ«القاعدة»..  و«حزب الله» قبل مبايعة «داعش»
TT

منفذ {مجزرة اورلاندو} كان على صلة بـ«القاعدة».. و«حزب الله» قبل مبايعة «داعش»

منفذ {مجزرة اورلاندو} كان على صلة بـ«القاعدة»..  و«حزب الله» قبل مبايعة «داعش»

يواجه مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية تقديراته الداخلية الخاصة حول ما إذا كان قد تجاهل إشارات التحذير خلال الشهور العشرة التي استغرقت في التحقيق حول عمر متين، الإرهابي المسلح المسؤول عن حادثة ملهى أورلاندو الليلي، قبل ثلاث سنوات مضت.
ويضيف استعراض مكتب التحقيقات الفيدرالية حول ملفات عمر متين، بما في ذلك لماذا أغلقت التحقيقات حوله آنذاك، مستوى آخر من التساؤلات حول أعنف حادثة لإطلاق النار وأكثرها دموية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. ولكنه يشدد أيضا على التحديات التي تواجه السلطات التي تحاول عزل التهديدات الفردية المحتملة في وسط المخاوف المتسعة حول مدى إمكانات ونفوذ الجماعات الإرهابية، مثل تنظيم داعش الذي يزعم أنه ألهم بالهجوم بالطعنات في باريس يوم الاثنين الماضي، الذي أسفر عن مصرع اثنين من الموظفين العاملين في أجهزة الشرطة.
بهذا الصدد، قال جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية، أول من أمس، في أعقاب ظهور التفاصيل حول مراجعة المباحث الفيدرالية ملفات عمر متين، إن «مكتب التحقيقات الفيدرالية سوف ينظر في عمله الخاص لمعرفة ما إذا كان هناك شيء كان ينبغي علينا فعله بطريقة مختلفة». وكان عمر متين قد قتل 49 شخصا في ناد للمثليين يوم الأحد، قبل أن يُقتل على أيدي رجال الشرطة الذين هرعوا إلى المكان. وأضاف كومي يقول: «حتى الآن، أعتقد أن الإجابة الصادقة هي: لا أعتقد ذلك. وسوف نستمر في البحث والتمحيص في هذه التحقيقات وفيما سبقها».
بدأت المباحث الفيدرالية في التحقيق حول عمر متين في عام 2013، ووضعوه تحت المراقبة، وعملوا على تسجيل مكالماته الهاتفية، واستخدموا مخبرين سريين للوقوف على ما إذا كان قد تعرض للفكر المتطرف بعدما تحدث المشتبه فيه داخل عمله حول صلاته بتنظيم القاعدة، والموت «شهيدا».
وعلى صعيد آخر، بعثت صلات عمر متين السابقة بملهى «Pulse» الليلي، ومختلف مواقع الإنترنت المعنية بالمثليين جنسيا، بإشارات جديدة إلى التحقيقات الجارية. وهناك شخصان على الأقل أخبرا صحيفة «واشنطن بوست» أن عمر متين زار ذلك الملهى من قبل، وأحد الشهود يدعى كيفين ويست، وهو جندي سابق في البحرية الأميركية ويبلغ من العمر 37 عاما، قال إن عمر متين كان قد تواصل معه عبر موقع «Jack’d»، وهو أحد مواقع المواعدة على الإنترنت الخاصة بالمثليين فقط.
أما بالنسبة للتداعيات السياسية لحداثة أورلاندو، وفي الأثناء ذاتها، فلقد تحركت على المسرح العالمي حتى في الوقت الذي طغت وتجاوزت فيه أنباء سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية. حيث دعا الأمير زيد بن رعد الحسين، كبير مفوضي حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، السلطات الأميركية إلى تبني «تدابير قوية وصارمة للسيطرة على تداول الأسلحة في المجتمع».
وقال رئيس المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، في بيان صادر عنه: «من العسير أن نجد مبررا عقلانيا يفسر السهولة التي يمكن بها للناس ابتياع الأسلحة النارية، بما في ذلك البنادق الهجومية، على الرغم من السجلات الإجرامية السابقة، وتعاطي المخدرات، وتواريخ من العنف المحلي والأمراض العقلية، أو التواصل المباشر مع المتطرفين في الداخل والخارج».
وفي جزء من تحقيقات المباحث الفيدرالية، كان عمر متين مدرجا على قوائم المراقبة الإرهابية وتم استجوابه مرتين قبل إغلاق التحقيقات في مارس (آذار) من عام 2014 بسبب أن عملاء الوكالة خلصوا إلى أنه لا يشكل تهديدا، كما أفاد بذلك مدير المباحث الفيدرالية يوم الاثنين الماضي في مؤتمر عُقد مع الصحافيين في مقر المباحث الفيدرالية.
وبعد عدة شهور، وفي يوليو (تموز) من عام 2014، ظهر اسم عمر متين في تحقيق آخر حول أول مواطن أميركي يلقى حتفه في هجوم انتحاري في سوريا، وهو مواطن من ولاية فلوريدا. ومرة أخرى، تجاوز المحققون الأمر وأكملوا أعمالهم كالمعتاد.
كما ظهر اسم متين مرّة أخرى في أعقاب حادثة تفجير ماراثون بوسطن في عام 2013 والهجوم المدبر العام الماضي على مسابقة لرسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، التي نفذها أحد الأشخاص الذين خضعوا لتمحيص سابق من قبل عملاء المباحث الفيدرالية.
وقال كومي إنه في أثناء المواجهة التي استمرت قرابة الثلاث ساعات بين المسلح وضباط شرطة أورلاندو، كانت هناك ثلاثة اتصالات هاتفية بخدمات الطوارئ على رقم 911 تتعلق به. حيث اتصل عمر متين بخدمات الطوارئ في نحو الساعة 02:30 صباحا، أي بعد نحو نصف الساعة بعد حادثة فتح النار على رواد الملهى الليلي، ثم أغلق الخط، ثم عاود عمر متين الاتصال مرة أخرى وأجرى مكالمة موجزة مع الموظف قبل أن يغلق الخط مجددا، ثم قام موظف الطوارئ بالاتصال به حيث تحدثا لفترة وجيزة. وأوضح كومي أنه: «خلال تلك المكالمات، قال إنه يفعل ذلك من أجل زعيم تنظيم داعش، الذي ذكره باسمه وأعلن ولاءه الشخصي إليه». ومع ذلك، قال كومي إنه ليست هناك إشارات تفيد بأن عمر متين على صلة مباشرة بأي شخصية من شخصيات التنظيم الإرهابي، وأضاف أنه من غير الواضح تحديدا اسم الجماعة الإرهابية التي يدعمها.
وبالإضافة إلى إعلان الولاء لزعيم تنظيم داعش في المكالمة الهاتفية، أشار متين إلى وجود صلة بالتنظيم المنافس لـ«داعش» وهو تنظيم القاعدة، كما أعرب عن تضامنه مع منفذي الهجوم على ماراثون بوسطن.
وقال الرئيس أوباما إن حادثة إطلاق النار تلك تبدو وكأنها حالة من حالات التطرف «المحلية». وأضاف الرئيس الأميركي خلال تصريحات المكتب البيضاوي في البيت الأبيض: «ليست لدينا أدلة واضحة على أي توجيهات متطرفة خارجية. كما يبدو تماما أنه حتى الدقيقة الأخيرة أعلن ولاءه لتنظيم داعش. ولكن ليس هناك دليل واحد حتى الآن على أنه كان يعمل وفق توجيهات (داعش)، وعند هذه المرحلة ليست هناك أدلة مباشرة تفيد بأنه كان جزءا من مؤامرة أكبر». وتقدم المسؤولون عن إنفاذ القانون في ولاية فلوريدا بقصة جديدة حول الحادثة المروعة. حيث قال رئيس شرطة أورلاندو جون مينا إن أول مواجهة بين الشرطة وبين عمر متين كانت بعد وقت قصير من أول إطلاق للنار في نحو الساعة الثانية صباحا، عندما تبادل أحد ضباط الشرطة، وكان خارج دوام عمله الاعتيادي، إطلاق النار مع عمر متين.
واستدعي ضباط آخرون إلى الموقع وشاركوا في معركة أخرى بالأسلحة النارية، وعند هذه النقطة تراجع عمر متين إلى داخل المبنى، وفي نهاية الأمر، إلى دورة المياه هناك. ثم تراجعت قوة الشرطة عن إطلاق النار بسبب عدم تردد طلقات الرصاص مرة أخرى، كما قال مينا، ثم حاولوا التفاوض مع عمر متين لتفادي مزيد من إراقة الدماء.
وكان عمر متين داخل دورة المياه مع أربعة أو خمسة أشخاص، بينما كان هناك ما يقرب من 15 أو 20 شخصا آخرين في دورة مياه أخرى، كما قال مينا. وخلال تلك المفاوضات، كان عمر متين «بارد الأعصاب وهادئا» ولم يطالبهم بكثير من المطالب.
وبعد مرور نحو ثلاث ساعات، قال ضباط الشرطة إنهم قرروا اجتياح المبنى بعدما ذكر الإرهابي المسلح وجود أحزمة ناسفة أو متفجرات. وقال مينا إن ضباط الشرطة استخدموا المتفجرات ثم سيارة شرطية مدرعة لفتح منفذ كبير في جدار الملهى. ثم تمكن الرهائن من الخروج عبر ذلك المنفذ، وخرج عمر متين أيضا وهو يحمل سلاحين في يديه.
وخلال المعركة اللاحقة، لقي عمر متين مصرعه وأصيب أحد ضباط شرطة أورلاندو عندما أصابت إحدى الرصاصات خوذته المدرعة. ومع ذلك، لا تزال كثير من التفاصيل غير واضحة، بما في ذلك ما إذا كان أي من الرهائن قد تعرض للإصابة أو القتل خلال تبادل إطلاق النار.
وقال مينا، في مؤتمر صحافي عقد يوم الاثنين، إن اجتياح المبنى كان القرار الصحيح المتخذ من جانب الشرطة، لأنهم اعتقدوا أن حياة أناس آخرين كانت في خطر. من جهتها، أوضحت السلطات أن التحقيقات الخاصة بعمر متين قد اتسعت لتشمل شخصيات أخرى وهي تمتد من فلوريدا حتى كابول. وترجع أصول عائلة متين إلى أفغانستان، ولكنه ولد في مدينة نيويورك وعاش عدة سنوات في فلوريدا.
وأفاد كومي بأن عمر متين، الذي كان يعمل حارسا أمنيا متعاقدا لدى إحدى المحاكم المحلية، زعم في عام 2013 لزملائه في العمل أن لعائلته صلات بتنظيم القاعدة، وأنه كان عضوا في تنظيم ما يسمى «حزب الله»، وهما من التنظيمات الإرهابية المتضادة التي قامت بينهما اشتباكات مسلحة كثيرة في سوريا. ولقد وصف مدير المباحث الفيدرالية تلك التعليقات من جانب عمر متين بأنها «مثيرة للمشاعر ومتناقضة للغاية».
وقال كومي إن عمر متين أخبر زملاءه أيضا أن لديه معرفة متبادلة مع الأخوين تسارناييف، اللذين كانا مسؤولين عن تفجيرات بوسطن. وكان يتحدث كثيرا عن الموتى «الشهداء»، وفقا لما أبلغ زملاؤه في العمل للشرطة المحلية.
ولقد فتح مكتب التحقيقات الفيدرالية ما يُعرف بالتحقيقات المبدئية، وهي من بين مئات التحقيقات التي يتولاها المكتب في أي وقت، التي قد تستمر لمدة ستة أشهر كاملة. وقال كومي إن تلك التحقيقات قد امتدت لمرة واحدة بموجب موافقة المشرف على مكتب التحقيقات الفيدرالية في وحدة العمل المشترك لمكافحة الإرهاب في ميامي.
ولقد زعم عمر متين، عند خضوعه للتحقيقات من قبل المباحث الفيدرالية، أنه أصدر هذه التعليقات بسبب غضبه من زملائه في العمل الذين كانوا يغيظونه مرارا وتكرارا لكونه مسلما، وأنه كان يشعر بالتمييز في العمل بسببهم. ودافع كومي عن موقف الـ«إف بي آي» آنذاك، وقال: «كانت الأدلة التي ظهرت أثناء التحقيقات متسقة مع تفسيره لأقواله، وأنه قال تلك التعليقات في محاولة لإخافة زملائه في العمل ليس إلا». ولقد أغلقت التحقيقات مع عمر متين منذ ذلك الحين. وأضاف كومي قائلا: «كما آمل وكما يريد الشعب الأميركي تماما، فإننا لا نبقي الناس قيد التحقيقات لآجال غير مسماة. فإذا لم يكن لدينا تأكيد يسوغ لنا مواصلة التحقيقات، فإننا نغلقها على الفور».
وخلال فترة التحقيقات، كان عمر متين قد أدرج اسمه على قاعدة بيانات الإرهاب، ولكن كومي رفض التصريح ما إذا كانت المباحث الفيدرالية قد أدرجت اسمه على قوائم الممنوعين من السفر ومغادرة البلاد من عدمه.
وقال أحد الشهود للمباحث الفيدرالية إنه أصبح شديد القلق بشأن عمر متين، الذي شرع في مشاهدة أفلام الفيديو لبعض المتطرفين، أمثال أنور العولقي، الذي كان من كبار دعاة وزعماء فرع تنظيم القاعدة في اليمن. كان خطاب العولقي المتشدد قاسما مشتركا في كثير من الهجمات الإرهابية، بما في ذلك حادثة إطلاق النار في فورت هوت عام 2009 التي أسفرت عن مصرع 13 شخصا رميا بالرصاص على يد المقدم نضال حسن بالجيش الأميركي. ولكن الشاهد تخلى عن قلقه عندما بدأ عمر متين في علاقة عاطفية جديدة، ورزق بطفل ووجد فرصة عمل ثابتة (حارس أمن).
ولقد استجوبت المباحث الفيدرالية عمر متين مرة أخرى ولكنهم لم يعثروا على دليل يكفي لاستمرار فتح التحقيقات بشأنه. وقال كومي إن مكتب التحقيقات الفيدرالية لم يعثر على شيء في ماضي عمر متين كان يمكن أن يحول بينه وبين ابتياع وامتلاك الأسلحة من الناحية القانونية.
* خدمة «واشنطن بوست»
* خاص بـ«الشرق الأوسط»



أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.


من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
TT

من اليسار إلى اليمين: ماذا يحدث للأجيال الشابة؟

متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)
متظاهرون من الشباب في روما احتجاجاً على أداء الحكومة (رويترز)

تشير استطلاعات الرأي والوقائع السياسية الأخيرة، على جانبي المحيط الأطلسي، والغرب عموماً، إلى ظاهرة سياسية لافتة: فالشباب الذين اعتادوا لعقود أن يكونوا أكثر ميلاً إلى اليسار، بدأ قسم متزايد منهم يتجه نحو اليمين. ولا يتعلق الأمر دائماً بيمين محافظ تقليدي أو معتدل، بل أحياناً بحركات شعبوية وقومية، بل وبتيارات أكثر راديكالية تشكك في النظام السياسي الليبرالي نفسه.

في الولايات المتحدة، كان الشباب تاريخياً أكثر ميلاً إلى الحزب الديمقراطي. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً يستحق التوقف عنده، خصوصاً في طلائع الجيل «زد» (Z) وقبله الجيل «واي» (Y)، أو «جيل الألفية»؛ فقد أظهر استطلاع أجرته جامعة ييل في عام 2025، فرقاً واضحاً بين الفئات الشبابية؛ فمن هم بين 22 و29 عاماً غالبيتهم ديمقراطية، بينما الأصغر سناً، بين 18 و21 عاماً، أكثرهم جمهوريون.

طلاب وطالبات في جامعة نورث كارولاينا الأميركية (رويترز - أرشيفية)

وهنا تبرز مفارقة مهمة: الجيلان «واي» و«زد» ليسا كتلة سياسية واحدة؛ فهناك فرق واضح بين أفرادهما الأكبر سناً والأصغر سناً، كما أن الفجوة بين الرجال والنساء داخل الجيلين تتسع بشكل ملحوظ.

* لماذا يتحرك بعض الشباب نحو اليمين؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال؛ فالتجارب التي عاشها الشباب خلال سنوات تكوينهم السياسي تختلف بحسب العمر والبلد والبيئة الاجتماعية.

بالنسبة إلى الأصغر سناً من الجيلين المذكورين، كان لجائحة «كوفيد-19» تأثير خاص؛ فقد أمضى كُثرٌ منهم سنوات المراهقة في ظل الإغلاق والعزلة والقيود الحكومية، وهي تجربة ربما أثرت في نظرتهم إلى السلطة والمؤسسات. وفيما تأثر الأكبر سناً من الجيلَين بحركات تقدمية ومنصات مثل «إنستغرام»، نشأ الأصغر وسط انتشار «تيك توك»، الذي أصبح مساحة أكثر تقبّلاً للأصوات اليمينية والشعبوية.

ويشير بعض المحللين إلى تأثير صناع المحتوى الناشطين على المنصات المختلفة في مجالات مثل اللياقة البدنية، والتنمية الذاتية، وإدارة الأموال، في تشكيل وعي سياسي يميل نحو الفردية والاعتماد على الذات بدلاً من دولة الرفاه.

والواقع أن المسألة لا تتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي وحدها؛ فالشباب الذين يشعرون بأن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية لا تتحسن قد يصبحون مشككين في النظام الذي يرونه مسؤولاً عن هذه النتائج. وإذا نظرنا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة امتلاك منزل، والقلق بشأن الوظائف والمستقبل، والهجرة والهوية الوطنية، فهي كلها قضايا شائكة يمكن أن تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل سياسية أكثر حدة.

رئيس حزب «التجمّع الوطني» الفرنسي جوردان بارديللا مع زعيمة الحزب مارين لوبن في لييفان بشمال فرنسا (أ.ف.ب)

* أوروبا: جيل جديد يكتشف اليمين

تبدو الظاهرة أكثر وضوحاً في أجزاء من أوروبا، حيث حققت الأحزاب اليمينية والشعبوية تقدماً بين الشباب.

وفرنسا مثال بارز؛ فقد نجح حزب «التجمع الوطني»، بقيادة جوردان بارديلا (30 عاماً)، في جذب أعداد كبيرة من الشباب. ولا شك في أن بارديلا نفسه يمثل جزءاً من استراتيجية فعّالة؛ فهو شاب، حاضر بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتحدث إلى جمهور أصغر سناً بلغة مختلفة عن لغة الأحزاب التقليدية. وله ملايين المتابعين على «تيك توك».

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا؛ بل تشمل النمسا وألمانيا وبلجيكا.

ويجب أن يُشار هنا إلى أن الحروب والصراعات الدولية الأخيرة والاستقطاب الجيوسياسي، تؤثر حتماً على إعادة تشكيل مفهوم القومية والأمن لدى الشباب في الغرب.

* الرجل الشاب مقابل المرأة الشابة

وسط ما يحصل، قد يكون العامل الأكثر إثارة للاهتمام هو أن التحول السياسي لا يحدث بالتساوي بين الجنسين. وفي هذا السياق، تشير استطلاعات وتحقيقات متعددة إلى أن نساء جيلَي «الألفية» و«زد» أصبحن أكثر ميلاً إلى الليبرالية والتقدمية، بينما يتحرك الرجال الشباب في الاتجاه المعاكس بدرجات متفاوتة. ولذلك قد يكون من الأدق الحديث عن «يمين الشباب الذكور» بدلاً من «يمين جيل الشباب» بصورة عامة.

وقد تكون هذه الفجوة مرتبطة بقضايا مثل الجندر، والهوية، والذكورة، والعلاقات بين الجنسين، والهجرة، وحرية التعبير. كما أن بعض الشباب الذكور يشعرون بأن الخطاب التقدمي السائد لا يمثلهم، أو أنه ينظر إليهم بوصفهم جزءاً من المشكلة بدلاً من التعامل معهم بوصفهم فئة تواجه مشكلاتها الخاصة وتبحث عن حلول لها.

طلاب في جامعة مونستر الألمانية (د.ب.أ)

وقد أسهمت شبكة الإنترنت في نشوء مجتمعات سياسية بديلة يستطيع فيها هؤلاء الشباب الركون إلى أفكار كتاب ومعلقين ومؤثرين يقدمون لهم تفسيراً مختلفاً للعالم.

* ما «اليمين الجديد»؟

المهم هنا أن اليمين الذي يجذب بعض الشباب ليس بالضرورة نسخة من اليمين القديم.

فاليمين التقليدي كان يركز على صَون المؤسسات والتقاليد والاستقرار. أما ما يسمى أحياناً «اليمين الجديد» أو «اليمين الشاب»، فهو في بعض أوساطه أكثر تمرداً على النظام القائم. ويذهب البعض إلى الدعوة للانقلاب على الوضع الراهن وتغيير قواعد اللعبة جذرياً.

وهذا تحديداً قد يكون أحد أسباب جذب الشباب؛ فالسياسة بالنسبة إلى جيل يشعر بالإحباط يمكن أن تصبح أكثر إثارة عندما تقدم نفسها بوصفها حركة تمرد على النخب والمؤسسات ووسائل الإعلام التقليدية والجامعات، بل تذهب إلى حد الإيحاء بأنها تمتلك حلولاً سحرية لمشكلات استعصت على النخب التقليدية اليمينية واليسارية.

وهنا تظهر المفارقة: قد ينجذب بعض الشباب إلى اليمين؛ ليس لأنهم أصبحوا أكثر محافظة، بل لأنهم يرونه أكثر راديكالية واستعداداً لتحدي النظام.

وفي المقابل، يجب ألا نتجاهل أن اليسار نفسه شهد تراجعاً في قدرته على تقديم أفكار جديدة ومثيرة لبعض الشباب؛ فقد خفتت جاذبية قضايا مثل المناخ لدى قطاعات من الناخبين مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، وفي الوقت نفسه يعاني بعض الحركات اليسارية انقسامات داخلية.

معرض خاص بعروض الوظائف في سيول عاصمة كوريا الجنوبية (رويترز)

* ماذا يريد هذا اليمين الشاب؟

يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد هذا اليمين الشاب فعلاً؟

ليس من الحكمة اختزال الظاهرة في شخص دونالد ترمب أو في معاداة الهجرة؛ فبعض الشباب يريد سياسات اقتصادية مختلفة، وبعضهم يركز على الهوية الوطنية، وبعضهم على القيم الاجتماعية والدينية، بينما يريد آخرون تحدي المؤسسات الديمقراطية نفسها.

لذلك، من الخطأ افتراض أن جميع هؤلاء الشباب يشتركون في مشروع سياسي واحد؛ فاليمين الشاب ليس حركة متجانسة، وقد تختلف دوافعه وأهدافه من بلد إلى آخر، ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.

وقد يكون من الخطأ أيضاً افتراض أن هذا الجيل سيبقى يمينياً إلى الأبد؛ فالاتجاهات السياسية تتغير، والشباب يمكن أن ينتقلوا من موقف إلى آخر مع تغير ظروفهم.

غير أن هناك أمراً أكثر أهمية من السؤال عمّا إذا كان الجيل الشاب «يمينياً» أم «يسارياً»؛ إذ يبدو أن فئة متزايدة ممن هم دون الثلاثين من العمر فقدت الثقة في قدرة الديمقراطية الليبرالية التقليدية على حل مشكلاتها.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام اليسار واليمين معاً، بل أمام السياسة بوصفها فكراً وعلماً وممارسة منذ أن تحدّث أرسطو عن «شؤون المدن» في كتابه «السياسة» (بوليتيكا)؛ فالشباب لا يحتاجون إلى شعارات سياسية رنّانة، بل إلى أفكار جديدة يمكن مناقشتها واختبارها بحرية. وإذا أرادت الديمقراطية الليبرالية استعادة ثقة جيل جديد، فعليها أن تثبت أن النظام القائم قادر على الإصلاح والتغيير وتقديم مستقبل أفضل.

وقد لا يكون صعود اليمين بين الشباب هو نهاية هيمنة اليسار، بل علامة على بداية مرحلة سياسية جديدة. والسؤال في النهاية ليس: هل يتجه جيل الشباب إلى اليمين؟ بل: لماذا فقد جزء منه إيمانه بالاتجاه الذي سار فيه الجيل السابق؟ وماذا سيبني بدلاً منه؟

اقرأ أيضاً