استكمالا لما أشرت إليه في مقالة سابقة حول اليهود في الفكر الفرنسي، تأتي الإشارة إلى الفيلسوف آلان باديو Badiou حتمية؛ لأنه كان ومنذ عقود في أتون المعارك التي أشرت إليها. فهو ممن واجهوا تهمة معاداة السامية بكثافة قل نظيرها، كما أن ما كتبه حول الموضوع كثيف أيضًا. ومن ذلك كتاب أصدره بالاشتراك مع اثنين آخرين بعنوان «تأملات في معاداة السامية» (2011 وترجم إلى الإنجليزية 2013)، لكن قبل ذلك كان باديو قد أثار الجدل بمقالة نشرت عام 2005 بعنوان «استعمالات كلمة (يهودي)» ناقش فيها ما يحوط تلك الكلمة في فرنسا بشكل خاص من تراكم دلالي استدعى تفكيكها؛ الأمر الذي يقوم به المفكر الفرنسي باقتدار وبغير قليل من الاندفاع العقلاني والعاطفي معًا. ومن المهم هنا معرفة أن باديو معروف في الوسط الثقافي والفكري الفرنسي بمواقفه المنتقدة لإسرائيل ومناصرته للعرب والفلسطينيين بشكل خاص. سأتوقف أولا عند تلك المقالة ثم أعود إلى الكتاب، وسيتضح أن السمة النضالية أو المقاومة الفكرية والآيديولوجية سمة رئيسة لكل تلك النصوص تقريبًا وأن باديو يكتب وفي ذهنه أنه بذلك يخالف قواعد الخطاب فيما يتصل بموضوع حساس كموضوع اليهود. إنه لا يخشى سلطة سياسية أو قانونية تعاقبه، لكنه يخشى ردود الفعل في وسط ثقافي معبأ بحساسية الموضوع ومدعوم بقوى إعلامية تحدد ما يصح وما لا يصح أن يقال.
يشير باديو إلى أن مفردة «يهودي» تحمل ثقل ما حدث في ألمانيا: «إبادة يهود أوروبا على يد النازيين والمتعاونين معهم»، ثم يبدأ تفكيكه للخطاب الكامن وراء تلك المفردة بالإشارة إلى أنها «آيديولوجيا الضحية»، وتصوير الأمر على أنه معركة توظف فيها تلك الآيديولوجيا لتكون «مدفعية الحملة» لتحويل الإبادة لتكون في وضع الأنموذج أو البارادايم: «ستتحول الإبادة بحد ذاتها لتبرز الضرورة السياسية والقانونية والأخلاقية لجعل كلمة يهودي فوق كل التناول العادي لإحالات الهوية ولمنح تلك الكلمة نوعا من القداسة»، ثم يشير إلى أن كلمة «محرقة» التي كرست للإحالة إلى الإبادة حملت تلك القداسة وعلى نحو يتضمن قلبا ساخرا لما قصده المسيحيون حين هاجموا اليهود أنفسهم بالقول إن كلمة «مسيح» اسم أقدس من أي اسم آخر. اليهود، بتعبير آخر، جعلوا مفردة «محرقة» في الموضع نفسه: الكلمة الأقدس من غيرها. لتأتي بعد ذلك المفارقة الأكثر سخرية في خطاب باديو حين يقول إن تلك المكانة المزعومة التي تجعل اليهود «اسما يتجاوز الأسماء العادية»، ويجعلهم من ثم «الضحية التي لا تقارن بغيرها»، وأن ذلك الاسم وتلك المكانة تنسحب على كل الأحفاد ومنهم من يصعب وصفهم بالضحايا:
فضيلة كونهم الضحية التي لا تقارن بغيرها يمكن أن تمرر ليس إلى الأحفاد وأحفاد
الأحفاد فحسب وإنما أيضًا إلى كل من تشير إليه الدلالة المقصودة، سواء أكانوا رؤساء دول أو جيوشا مشغولة بالاضطهاد الصارم لكل أولئك الذين تقوم تلك الجيوش بمصادرة أراضيهم.
هكذا يأتي الربط بإسرائيل والصهيونية وما يجري في فلسطين من ممارسات تجعل الحديث عن القداسة أمرا باعثا على السخرية. بل إن باديو يذهب أبعد من ذلك حين يدخل منطقة الهولوكوست المليئة بالألغام، فيشير إليها على نحو يمتزج فيه الشجب العلني الواضح بظلال من الشك، وإن كانت خافتة وقريبة من الكتابة بين السطور:
من الواضح أن النقطة الأهم هي أنني لا أستطيع القبول بأي شكل آيديولوجيا
الضحية. لقد شرحت بوضوح موقفي في هذه المسألة في كتابي الصغير «أخلاق»
عام 1999. فإن يكون النازيون والمتعاونون معهم قد أبادوا الملايين من الناس
الذين سموهم يهودا لا يمنح في تصوري أي نوع من الشرعية لما تحيل إليه الهوية المقصودة هنا.
«الذين سموهم يهودا» (الإمالة في الاقتباس من عندي): هذه العبارة كافية لإلقاء الشك ليس حول حقيقة الإبادة النازية، وإنما حول هوية من أبيدوا على النحو الذي يشيع فيما يكتب عن ذلك الموضوع البالغ الحساسية. فالمعروف أن ما عرف فيما بعد بـ«صناعة الهولوكوست» في بعض الدراسات تحصر الضحايا ودون لبس باليهود وتعطي رقما محددا (ستة ملايين) متجاهلة الجماعات الأخرى الكثيرة من غير اليهود التي تعرضت للإبادة، وباديو هنا يلقي بالشك على كون كل أولئك كانوا من اليهود فعلا، فالنازيون سموهم يهودا لكنهم قد لا يكونون بأكملهم من اليهود حتى إن سلمنا بأن أكثرهم من اليهود فعلا. لكن عبارة «من سموهم» هي تخم أقصى لما يستطيع التعبير الوصول إليه في مسألة الهولوكوست. بعد ذلك تفتح الهاوية فاها وتسن القوانين سكاكينها. المحطة الأخيرة في محاججة باديو بشأن استعمالات كلمة «يهودي» هي معاداة السامية:
مما لا يمكن التساهل بشأنه أن يتهم أحد بمعاداة السامية من قبل أي شخص لمجرد
أنه نتيجة لحساسية موضوع الإبادة لم يكتشف ذلك الأحد أنه فيما يتعلق بدلالة «يهودي»، وبعدها الديني والاجتماعي أن الكلمة تحمل قيمة استثنائية - إعلانا متعاليا - أو أن يغض ذلك الشخص البصر عما يفرضه الإسرائيليون من ثمن استعماري بات واضحًا إلى حد الابتذال. إنني أقترح ألا يقبل أحد، سواء في العلن أو في السر، هذا اللون من الابتزاز.
إن باديو لا يعود هنا إلى ممارسات إسرائيل لتعرية تهمة معاداة السامية من قيمتها وفضح تناقضات اليهود المؤيدين لها في فرنسا وغيرها، لا يفعل ذلك فحسب، وإنما يعود إلى البعد الديني الذي سبق أن استشهد به من قبل، ليثير المفارقة مرة أخرى حول دعاوى يفترض أنها تاريخية وعلمانية حين يشير إلى نزوع تلك الدعاوى إلى القداسة، وذلك باستدعاء كلمة «إعلان» في صورتها المقدسة (Annonciation) التي تشير إلى إعلان جبريل، رسول الرب، أن مريم ستنجب عيسى المسيح. اليهود يسيجون أنفسهم وممارساتهم وتهمهم للآخرين بذلك السياج من التخويف الذي لا يختلف عن سياج القداسة. هي بتعبير آخر تابوهات الخطاب اليهودي - الصهيوني.
ما خاضه ويخوضه فيلسوف فرنسي بحجم باديو هو المعركة ذاتها التي خاضها في سبعينيات القرن الماضي سلفه جيل دولوز، المناصر الآخر للقضية الفلسطينية في وجه القوة الضاربة التي يمتلكها يهود فرنسا، لكن من المهم أن يشار هنا إلى أن من يهود فرنسا من شارك في المعركة ضد الرقابة اليهودية - الصهيونية على الخطاب الثقافي. فكتاب «تأملات في معاداة السامية» شارك في تأليفه مؤرخ وكاتب فرنسي مهم آخر هو إريك هازن Hazan، فمع أن مشاركة هازان قد تكون حالة استثنائية فإن المسألة ليست ولم تكن يومًا مجرد صراع إثني أو ديني وإنما كانت وما تزال، وفي المقام الأول، صراعا فئويا لحماية مصالح معينة كان ممن وقفوا ضدها اسم كبير آخر في الفكر الغربي المعاصر هو الأميركي نعوم تشومسكي، وهو يهودي أيضًا، لكنَّ لذلك حديثا آخر.
باديو.. و«معاداة السامية»
https://aawsat.com/home/article/665566/%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%88-%D9%88%C2%AB%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%C2%BB
باديو.. و«معاداة السامية»
يدرك أنه يخالف قواعد الخطاب فيما يتصل بموضوع اليهود
باديو.. و«معاداة السامية»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


